14 أبريل 2018

مقالات عام 2007 - 78


أهذه هي مصر؟



عندما كنت في القاهرة منذ سنوات ، زرت صديقا لي ، ذات مرة ، وكان في زيارته شقيقه ، الذي جاء قادما من الريف وأراد الاستئذان في العودة..
عرفني به قائلا : شقيقي لأكبر " الحاج محمد " وهو الذي يدير الأرض وفاتح البيت بعد وفاة المرحوم والدنا .. ، ثم راح يلح عليه ليبقي معهم مزيدا من الوقت ويؤجل سفر العودة للقرية .. ، فالتفت الي " الحاج محمد " قائلا : يا أستاذ احنا صار لنا أسبوع كامل وتاركين الغيط والزرع .. واتفسحنا وانبسطنا علي الآخر يبقي نروح نشوف أرضنا ومصالحنا المتعطلة ..
فسألته بالصدفة عن أي الأماكن زراروها بالقاهرة ؟
فقال بحماس من أنجز انجازا عظيما للغاية : لفينا مصر – يعني " القاهرة " - ، وكما يقول السوريون عن دمشق : " الشام " - .. لفيناها بالحتة .. ما خلينا مكان الا ورحناه ..
سألته : زي ايه كده يا حاج .. ؟
فراح يعدد لي باكبار شديد واعتزاز بالغ ، الأماكن العظيمة الغالية التي زارها هو وعائلته :
فقال = زرنا ياسيدي .. سيدنا الحسييييين .. شي لله يا حسين .. ، وزرنا السيدة زينب .. شي لله يا أم هاشم ، يا رئيسة الديوان .. وزرنا سيدك الامام الشافعي .. شي لله يا امام .. ، وزرنا السيدة نفسة .. ، وزرنا السيدة عيشة ، وزرنا السيدة سكينة .. شي لله يا أهل البيت ... يعني ما خلينا حتة فيك يا مصر الا رحناها .. موش يبقي كده الحمد لله ونروح بقي نشوف مصالحنا ..؟!
وهكذا نجد أن " الحاج محمد " الرجل الريفي المصري ، الأمي ، يري أن القاهرة هي المشايخ وأضرحة المشايخ لا أكثر !! و لا ذكر لي أنه زار الأهرامات ولا زار المتحف المصري .. ولا زارحتي المتحف الزراعي بصفته فلاح مزارع ! ، ولا مدينة الانتاج الاعلامي ، ولا زار القرية الفرعونية التي تظهر منها لقطات بالتليفزيون ، بصفته ابن قرية وليشاهد علي الطبيعة كيف كانت القرية المصرية قديما .. ..! لا .. بل المشايح وأضرحتها هي كل مصر – وكل عاصمتها القاهرة - !!
وعندما سافرت لخارج مصر قابلت الأستاذ بطرس .. وهو مصري ، هاجر بعد أن أنهي دراسته الجامعية ، ويقيم بالخارج منذ عشرين سنة ، زار مصر خلالها بضع مرات .. سألته من أي المحافظات هو في مصر، وأين كان يعيش ؟ فقال لي أنه صعيدي وكان يعيش بالصعيد ..، فسألته عما ان كان قد زار الآثار بالصعيد ؟ فأجاب بتأكيد ، جازما : نعم نعم ..
فعدت لأسأله .. أي الأماكن زرتها ؟
فرد : أماكن كتيرة جدا ..
فسألته : مثل ماذا ؟
فأجاب : دير السيدة العذراء ، ودير الشيخ عبادة ، ودير أبوحنس ، ودير المحرق ، ودير الأنبا بيشاي ودير الأنبا شنودة ، ودير .. ودير .. ودير .. الخ .
وراح يعدد لي أديرة ولا شيء سوي الأديرة .. لا زار آثار " تونا الجبل " ولا " الأشمونين " ولا " تل العمارنة " بملوي ، ولا عرابة أبيدوس – البلينا - ، ولا معبد دندرة - قنا – ولا معبد حورس - بادفو – ولا معبد الكرنك - ولا وادي الملوك او معبد حتشبسوت بالأقصر ولا متحف النوبة بأسوان ولا فيلة ولا أبو سمبل .. وانما كل مازاره هو الأديرة .. ولأنني كنت قد سألته بمحض الصدفة ، وكانت اجابته مفاجأة لي ! ، لذا تعمدت سؤال أخوه مسيحيين آخرين عما زاروه من آثار مصر فكانت كلها : أديرة فقط ..
أي أن " الحاج محمد " لا يعرف عن مصر سوي سيدنا الحسين والسيدة زينب وأضرحة المشايخ .. و " المقدس الأستاذ بطرس " لا يعرف عن مصر سوي الأديرة .. .. (!)
أهذه هي مصر ؟!
في رسالة سابقة من قارئنا وصديقنا " دكتور مجدي سامي " – جامعة باريس – يقول : " عندما جاء عمرو بن العاص الي مصر ، كان أغلب المصريين موجودين بالأديرة .. ..! " !
ولذلك فأية مقاومة حدثت وقتها ، ما كان لها أن تصد غازيا ، أو ترد محتلا .. وانما تقدم شهداءا وحسب ! ( عملوا الواجب وخلاص ! ) ..
فتري : لو سقطت العروبة في مصر، وسقطت معها عقيدتها اللعوبة .. ثم عاد اليها مرة أخري عمرو بن العاص - طبعة جديدة - أو بشكل آخر من أية ناحية أخري .. فكيف سيكون المآل لو ظل حال المصريين علي هذا المنوال ؟!
نخشي من أنه لو عادالمستعمر البدوي الهمجي أو أي مستعمر آخر.. فيجد مكتوبا علي بوابات مصر من الجهات الأربع – شرق وغرب وشمال وجنوب - :
(( مرحبا بالأخوة الغزاة والمستعمرين .. ادخلوها بسلام آمنين )) .
!! !!
مصر ليست أضرحة مشايخ ، ولا هي أديرة .! . ولا يعوقها عن النهوض كما نهضت أمم أخري ، سوي : المشايخ وأضرحتها ، والأديرة .
مصر أهرامات شامخة ومسلات وصروح خالدة ، وعلوم وفنون سباقة ورائدة ..
مصر هي : أحمس و أمنمحات الثالث وحتشبسوت و تحتمس ، ورمسيس الثاني ، وتوت عنخ آمون – والحضارة المعجزة والملهمة التي خلفها هؤلاء وراءهم - .
هذه هي مصر الحقيقية ..
وشتان بين مصر الحقيقية ، وبين مصر : أم الدراويش الدرويشة ! .
====

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق