13 مايو 2026

من الارشيف " الاتجاه العلماني في شعر أحمد شوقي - مجلة أدب ونقد - مصر - العدد137 - يناير 1997


الاتجاه العلماني في شعر شوقي

الكاتب : صلاح الدين محسن

تم نشره بمجلة أدب ونقد العدد 137 - يناير 1997


لم يكن أحمد شوقي شاعراً هجاءً مثل جرير والفرزدق فيستخدم أسلوباً شعرياً من عينة:

يا ابن المراغة أين خالك إنني ** خالى حبيش ذو الفعال الأفضل؟

كما قال جرير للفرزدق يهجوه ويسبه.. ولم يكن شوقي كالمتنبي -أحد كبار شعراء العرب في كل العصور، مالم يكن أكبرهم- الذي هجا فأفحش عندما قال عن كافور الأخشيدي:

لاتشرف العبد إلا والعصا معه ** إن العبيد خنازير مناكيس

ولم يكن شوقي أيضاً فيلسوفاً وعالماً في الفلك والرياضيات كي يجنح نحو المباشرة أو الأسلوب الإخباري كطبع الفلاسفة والمفكرين والعلماء. وأيضاً لم يكن شوقي مجرد شاعر مداح للحكام ورثاء للراحلين فحسب. وإنما كان أيضاً شاعراً له رؤاه وأراؤه ومواقفه التي دفع لبعضها ثمناً بلغ حد تعرضه للنفي خارج الوطن..

ولكن شوقي كان شاعراً أديباً رقيقاً لا يسوق نقده أو حتى هجاءه إلا كما يفعل الشعراء الأدباء أو الأدباء الشعراء.. يزفه وسط باقة عطرة فتانة من زهور المديح، واكليل بهيج من الإطراء، والمجاملة.. وينسق نقده أو هجاءه بين تلك الزهور والعطور تنسيقاً يكاد لا يتبين معه هذا من ذاك.. فتحمل ورود شوقي أشواكه وتمر بها بسلام.. وهكذا نجح في أن يصدر فكره العلماني في شعره، وترنم به الجميع وتغنى.. بمن فيهم ألد أعداء العلمانية دونما يشعرون.. هذا هو محور موضوعنا، وما نسعى لتبيانه.


شوقي وأرسطو

كان لأرسططاليس منزلة جليلة وكريمة عند أحمد شوقي فبلغ إعجابه به أن كتب عنه قصيدة بمناسبة قيام أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد بترجمة كتاب أرسططاليس في علم الأخلاق إلى اللغة العربية.. ووصف شوقي أرسططاليس في قصيدته بأنه شيخ لأكبر شيوخنا في الفكر والعلم والذين نتيه بهم ونفاخر الغرب وهما ابن رشد وابن سينا، حيث يقول عنه:

  • ملك العقول وإنها لنهاية الملك الجسيم

  • شيخ ابن رشد وابن سينا وابن برقين الحكيم (١)

    (بين برقين: هو أحمد لطفى السيد... - برقين هي ببلدته)

ويذكر كيف أن أرسططاليس قد عرف التوحيد.. قبل أن تعرفه أمة التوحيد:

وغدا وراح موحدا قبل البنية والحطيم

(والبنية هي الكعبة)

ويمضي شوقي في مدح أرسططاليس:

  • صوت الحقيقة بين رعد الجاهلية والهزيم

  • يبنى الشرائع للعصور بناء جبار رحيم

وإن كان نبي الإسلام (صلعم) قال عن نفسه "بعثت لأتم مكارم الأخلاق".. فماذا يقول شوقي عن أرسططاليس؟

  • ويفصل الأخلاق للأجيال تفصيل اليتيم(١)

  • ورسائل مثل السلاف إذا تمشت في النديم

  • قدسية النفحات تسكر بالمزاق وبالشميم

  • أرج الرياض نقلته ونسخته نسخ النسيم

أما عن بلوغ علم أرسططاليس ووصوله لبلاد العرب فيقول:

  • وسريت من شعب الأولب إلى وادي الصريم (الصريم واد من أودية العرب)

  • فتجاورت لغتان للغايات في الحب الصميم

  • لغة من الإغريق قيمة وأخرى من تميم

هكذا يصف لغة الإغريق (قيمة).. بينما أحجم عن وصف لغة تميم حيث اكتفى بذكرها وحسب. ثم يمضي في مديحه قائلاً:

  • مشـاء هـذا العصر قف حدث عن العصر القديم

  • مثل لنا اليونان بين العلم والخلق القويم

  • أخلاقها نور السبيل وعلمها نور الأديم

  • وشبابها يتعلمون على الفراقد والنجوم

  • لمسوا الحقيقة في الفنون وأدركوها في العلوم

  • حلت مكانا عندهم فوق المعلم والزعيم

ثم يحذر من أخذ العلم عن غير أهل العلم بعد أن أشاد لنا بعلم وبأخلاق اليونان فيقول:

والجهل حظك أن أخذت العلم من غير العليم

وبعد ذلك يقارن بين علم وأخلاق اليونان اللذين امتدحهما وبين تعليم آخر -لم يحدد هويته بالضبط- فيقول:

  • ولرب تعليم سرى بالنشء كالمرض المنيم

  • يتلبس الحلم الذين عليه بالحلم الأليم

  • ومدارس لا تنهض الأخلاق دارسة الرسوم

  • يمشي الفساد بنبتها مشي الشرارة بالهشيم

ولعله يفصح لنا في الأبيات التالية للأبيات السابقة مباشرة عن العلم الآخر الذي يقصده:

  • لما رأيت سواد قومي في دجى ليل بهيم

  • يسقون من أمية هي غصة الوطن الكظيم

  • وسراتهم في مقعد من مطلب الدنيا مقيم

  • يسعون للجاه العظيم وليس للحق الهضيم

  • أيقنت أن الجهل علة كل مجتمع سقيم

ثم يعود للحديث عن علم وأدب اليونان واصفاً إياه بالقول:

من روضة العلم الصحيح وربوة الأدب السليم

إلى أن يقول مخاطبا ارسططاليس:

قسماً بمذهبك الجميل ووجه صحبتك القسيم.. إلخ

هذا هو العلم الصحيح عند شوقي والذي لا يعدله شيء من الأشياء.. ومبلغ علمنا أن لدينا علوماً أخرى تدرس عندنا مثل علم الفقه، علم الحديث، علم الشريعة، علم القراءات، علم النحو، إلخ. إلا أن شوقي لم يذكر لنا علماً آخر يعظمه سوى ما حدده لنا بالأبيات السابقة..


لفظ "اغتصاباً" في مديح النبي

وبعد ذلك (في قصيدة سلوا قلبي) يزجي شوقي باقات من المديح الكثير للنبي محمد (صلعم) ولا يستوقفنا فيها سوى كلمة واحدة فقط جاءت بالبيت القائل:

وعلمنا بناء المجد حتى أخذنا إمرة الأرض اغتصابا

والكلمة هي كلمة "اغتصابا".. أخذنا إمرة المجد اغتصاباً.. فبالطبع لا يمكن أن يخفى على شوقي وجود فرق بين الغصب والاغتصاب فما يؤخذ غصباً قد يكون حقاً.. حقاً مهضوماً ولم يفلح صاحبه في استعادته بالتراضي فأخذه غصباً.. أي بالقوة. أما ما يؤخذ اغتصاباً... فهو باطل محض لا صلة له بالحق أو العدل.. كأن يقال: اغتصب أرضاً اغتصاباً، اغتصب امرأة، المحتل المغتصب، المستعمر المغتصب.. وهكذا نجد في كل هذه الحالات المغتصب هو من يأخذ بغير الحق وبغير العدل ما ليس حقاً من حقوقه..!

فهل لم يعِ أمير الشعراء ما قاله – أم أن أمير القوافي عجز عن إيجاد كلمة أخرى – عندما قال: وعلمنا بناء المجد حتى أخذنا إمرة الأرض اغتصاباً..؟ وهل لم تفطن أم كلثوم إلى معنى ما تقوله عندما غنت القصيدة وهي التي عرف عنها الاهتمام بالمعنى والتدقيق فيه وتمعنه وهضمه قبل غنائه.. أم أن سيل المديح بالقصيدة أنشاها وأطربها حتى أسكرها فلم تفطن لمعنى كلمة اغتصاباً؟ خاصة وأنه عزف بعد تلك الكلمة على وتر سياسي محبب ومرغوب في ذلك الوقت وهو وتر الحق في مقاومة المحتل الأجنبي بقوله:

وما نيل المطالب بالتمني ** ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

وبذلك استطاع شوقي أن يبرر بمهارة هذا اللفظ الخطير "اغتصاباً" بين أفراح وابتهالات المديح الديني، وهتاف الحماس السياسي الوطني.


العودة من المنفى والتساؤل حول "أكل اليتيم"

هذه الأبيات ننقلها من قصيدة قالها شوقي بعد عودته من منفاه بالأندلس.. فبعد أن شكر تلك البلاد وأشاد بجميلها انتقل إلى استقبال بلاده بعد الغيبة وتناول مشكلة التموين – قيلت القصيدة بالأوبرا سنة ١٩٢٠ – يقول شوقي:

  • أمن حرب البسوس إلى غلاء يكاد يعيدها سبعاً صعاباً؟

  • وهل في القوم يوسف يتقيها ويحسن حسبة ويرى صواباً؟

  • عبادك رب جاءونا بمصر أنيلاً سقت فيهم أم سراباً؟

  • حنانك واهد للحسنى تجاراً بها ملكوا المرافق والرقاباً

  • ورقق للفقير بها قلوباً محجرة وأكباداً صلاباً؟

إلى أن يقول:

أمن أكل اليتيم له عقاب ** ومن أكل الفقير فلا عقاباً؟!

هل يتعرض هذا البيت الأخير للآية القرآنية التي دافعت عن اليتامى "إن الذين يأكلون أموال اليتامى.. إلخ" وتوعدت من يأكلون أموالهم بالعذاب الأليم.. ودونما أي ذكر لآكلي الفقراء وحقوق الفقراء بينما الفقراء أكثر عدداً بالطبع من اليتامى بل وأكثر منهم يتماً؟.. إنه تساؤل، ومعنى يوحي به سؤال شوقي وإن لم يقلهما..! فهل هذا ما يقصده؟.. أم ماذا يا ترى؟


قصيدة سلوا قلبي و"صحيح العلم"

إحدى روائع شوقي وتعد أيضاً من قصائد المديح النبوي كما فهمنا منذ الصغر وإن كانت تبدأ بالغزل كما شعراء الجاهلية حيث يقول:

  • سلوا قلبى غداة سلا وتابا لعل على الجمال له عتابا

  • ويسأل فى الحوادث ذو صواب فهل ترك الجمال له وصوابا

إلى أن يقول:

ولا عظمت فى الأشياء إلا ** صحيح العلم والأدب اللبابا

ويستوقفنا هنا حرص شوقي على القول "صحيح العلم" وهو لا يحدد ما يقصده بصحيح العلم في هذه القصيدة. إلا أنه يحدده في قصيدة أخرى هي قصيدة أرسططاليس..!، وصحيح العلم عنده هو علم الحضارة اليونانية وفلسفتها وآدابها، ولا شيء يعادله، بل ويسخر مما هو غير ذلك من علم لا يؤدي بأهله سوى إلى التخلف والقعود – حسبما يرى.


توت عنخ آمون والخلد الحقيقي

حظي توت عنخ آمون من أحمد شوقي بأكثر من قصيدة يشيد فيها بحضارة عصره الزاهر فيقول في واحدة مخاطباً الشمس:

  • قفي يا أخت يوشع خبرينا أحاديث القرون الغابرينا

  • وقصي من مصارعهم علينا ومن دولتهم ما تعلمينا

  • وليس الخلد مرتبة تلقى وتؤخذ من شفاه الجاهلينا

فترى من يقصد بالجاهلينا.. الذين يظنون الخلد فيما يلقى من شفاههم..؟ لم يفصح شوقي عمن يقصدهم بالجاهلين، ولكن لعله يبين أو يقرب لنا المقصود في قصيدة أخرى عن توت عنخ آمون أيضاً حيث جاء فيها:

  • يابن الثواقب من رع وابن الزواهر من آمون

  • نسب عريق فى الضحى بذ القبائل والبطون

فأية قبائل يقصد؟ وأية بطون..؟! وفي القصيدة الأولى يبين ما هي العبقرية الحقة التي تختلف عن الزيف الكاذب الذي لا يعدو عن كونه كلاماً يؤخذ من شفاه الجاهلين – حسب وصفه – فيقول:

  • ولكن منتهى همم كبار إذا ذهبت مصادرها يقينا

  • وسر العبقرية حين يسري فينتظم الصنائع والفنونا

  • وآثار الرجال إذا تناهت إلى التاريخ خير الحاكمينا

  • وأخذك من فم الدنيا ثناء وتركك في مسامعها طنينا

أما القصيدة الأخرى عن توت عنخ آمون وهي بعنوان "توت عنخ آمون وحضارة عصره" والتي نقلنا منها بيتين سابقين: "يا بن الثواقب من رع... إلخ"، فيختصها ببيتين يقول فيهما مخاطباً توت عنخ آمون بعد الكشف عن مقبرته:

هذا القيام فقل لنا ** اليوم الأخير متى يكون؟

أما البيت الأخير والقنبلة فيقول فيه:

البعث غاية زائل ** فانٍ.. وأنتم خالدون

فمن هو الذي هدفه وكل غايته البعث في حين أنه زائل فانٍ.. بينما توت عنخ آمون وأبناء حضارة عصرهم هم الخالدون..؟؟! وهل نفهم من ذلك أن شوقي لا يعتقد في البعث، وأن الخلود عنده هو حضارة زاهرة لها آثارها وفنونها الباقية عبر العصور.. وإن هذا وحسب هو الخلود.. وما عداه وهم؟؟!


شكسبير والرسل والكتب

ماذا قال شوقي عن شكسبير..؟ طبعاً لا خلاف على عبقرية شكسبير وعلى عظمة شعره ومسرحه.. ولكن أحمد شوقي لم يوف تلك العظمة حقها في الإشادة كعظمة عادية.. وإنما ساوى بينها وآيات القرآن وأجزاء الإنجيل والتوراة ورفعه لمصاف الأنبياء بصراحة ووضوح.

  • شعر من النسق الأعلى يؤيده من جانب الله إلهام وأهواء

  • من كل بيت كآي الله تسكنه حقيقة من خيال الشعراء غراء

  • وكل معنى كعيسى في محاسنه جاءت به من بنات الشعر عذراء

  • أو قصة ككتاب الدهر جامعة كلاهما فيه إضحاك وإبكاء

  • مهما تمثل ترى الدنيا ممثلة أو تتل فهي من الإنجيل أجزاء..!

وفي وصفه لحفل راقص (مرقص) أقيم بسراي عابدين ١٩٠٤ كتب شوقي يقول في قصيدته اللطيفة التي غنيت فيما بعد ونستمع إليها مغناة من فرقة أم كلثوم. يقول في مطلعها:

  • مال واحتجب وادعى الغضب ليست هاجري يشرح السبب

    إلى أن يقول:

ذقت صده غير محتسب ** ضقت فيه بالرسل والكتب!

فترى هل يقصد بالرسل رسل الغرام، ويقصد بالكتب كتب المحبين؟ أم ماذا؟ فقد يرى البعض أنه قد جرت العادة على أن كلمة الرسل وكلمة الكتب عندما يقتربان فالمعنى بهما يكون الأنبياء والكتب المقدسة السماوية وقد يحبذ أيضاً -إن لم يستوجب وجوباً- عدم استخدامها في التعبيرات غير الإيجابية كالتعبير عن الضيق مثلاً.. وإنما تستخدم مرادفات أخرى لتقتصر كلمات الرسل والكتب على التعابير الإيجابية مثل السرور وليس الضيق، فإن كان المراد قوله: "سررت فيه" جاز القول بالرسل والكتب.. دون القول "ضقت فيه بالرسل والكتب" كما جاء.

صحيح أن له أقوالاً أخرى كتلك التي يقولها في قصيدة بعنوان "الطبيعة" حيث جاء فيها وهو يصف الطبيعة دليلاً على إيمانه:

  • تلك الطبيعة قف بنا يا ساري حتى أريك بديع صنع الباري

  • دلت على ملك الملوك فلم تدع لأدلة الفقهاء والأحبار

  • من شك فيه فنظرة في صنعه تمحو أثيم الشك والإنكار

فهل هو تخبط بين شك وإيمان.. أم هي مناورة بين تكتيك واستراتيجية؟


شوقي ومعبد فيلة

حاز معبد فيلة المدهش بلا شك على الإعجاب الجم من أحمد شوقي فعبر عن إعجابه هذا بقصيدة ساوى بين المساجد ومعبد فيلة من حيث الخشوع والوقار المعهودين عند دخول المساجد للصلاة وطالب بنفس الشيء لمعبد فيلة الذي كانت القرابين تقدم فيه للآلهة.. المعهودة من قدماء المصريين من آلاف السنين.. بنفس الخشوع والوقار الذي تخص به المساجد التي يصلى فيها للواحد القهار فجاء في القصيدة:

  • أيها المنتحى بأسوان دارا كالثريا تريد أن تنقضا

  • اخلع النعل واخفض الطرف واخشع لا تحاول من آية الدهر غضا..!


تأليه النيل

في قصيدة النيل يقول شوقي مخاطباً نهر النيل:

دين الأوائل فيك دين مروءة ** لم لا يؤله من يقوت ويرزق

وذلك بعد أن يمتدحه قائلاً:

  • من أي عهد في القرى تتدفق وبأي كف في المدائن تغدق

  • ومن السماء نزلت أم فجرت من عليا الجنان جداولاً تترقرق

  • تسقي وتطعم لا إناؤك ضائق بالواردين ولا خوانك ينفق

  • تعيى منابعك العقول ويستوى متخبط في علمها ومحقق

ولكن شوقي يتخبط هو أيضاً، إذ بعد أن يشهد للنيل بحقه في أن يؤله.. يرجع ليقول:

لو أن مخلوقاً يؤله لم تكن ** لسواك مرتبة الألوهة تخلق

ثم يضع شوقي بعد ذلك مباشرة مفهوماً لمعنى العبادة هو مفهوم واسع وفضفاض يمكن أن يتسع اتساعاً كبيراً بغير اقتصار بحيث يجيز عبادة خشية وتعلق. وهكذا.. وضع شوقي تعريفاً مفتوحاً للعبادة-النيل فيقول:

جعلوا الهوى لك والوقار عبادة ** إن العبادة خشية وتعلق

هكذا دونما تحديد وأياً كان المخشى منه والمتعلق به... فهو معبود.. فالعبادة خشية وتعلق.. تعريف رحب للغاية..!


شوقي وفريضة الحج

في قصيدة "إلى عرفات" ينتقد شوقي فريضة الحج ويفند جدواها ودواعيها ويقدم عليها ما يراه أولى منها وأحق كبديل أفيد وأليق من فريضة الحج!. ولكن.. ليس هكذا يتحدث شوقي.. بهذه المباشرة.. فشوقي ليس مفكراً ولا فيلسوفاً كي يطرح أفكاره هكذا بهذه المباشرة.. وإنما هو شاعر.. وشاعر رقيق كما سبق أن قلنا وكما هو معروف عنه، لذا فإنه يمهد لما سيقوله عن الحج على هذا النحو اللطيف:

  • إلى عرفات الله يا خير زائر عليك سلام الله في عرفات

  • على كل أفق في الحجاز ملائك تزف تحايا الله والبركات

  • لدى (الباب) جبريل الأمين براحه رسائل رحمانية النفحات

  • وفي الكعبة الغراء كل ركن مرحب بكعبة قصاد وركن عفاة

  • وما سكب الميزاب ماء وإنما أفاض عليه الأجر والرحمات

  • وزمزم تجري بين عينيك أعيناً من الكوثر المغسول منفجرات

جميل جداً.. رائع للغاية.. ثم بعد أبيات أخرى من نفس المنهج والكلمات العذبة يقول متساءلاً في تعجب:

ويارب هل تغنى عن العبد حجة ** وفي العمر ما فيه من الهفوات؟!

وبعد ذلك تأتي أبيات أخرى معناها وملخصها: إذا كان هو لم يرتكب ذنوباً يحتاج إلى غسلها أو محوها بالحج.. فما هي حاجته إلى الحج؟ وما حاجة الحج إليه إذ يقول:

  • وتشهد ما آذيت نفساً ولم أضر ولم أبغ في جهري ولا خطراتي

  • ولا غلبتني شقوة أو سعادة على حكمة أتيتتني وأناة

  • ولا جال إلا الخير بين سرائري لدى سدة خيرية الرغبات

  • ولا بت إلا كابن مريم مشفقاً على حسدي مستغفراً لعداتي

  • ولا خلصت نفسي هوى لبلادها كنفسي في فعلي وفي نفساتي

وهكذا بعد أن قدم شوقي حيثيات عدم حاجته إلى الحج.. يقدم البديل الأفضل في رأيه عن تلك الفريضة والأحق منها وهي الزكاة فيقول:

وأني ولا من عليك بطاعة ** أجل وأغلى الفروض زكاتي

أبالغ فيها وهي عدل ورحمة ** ويتركها النساك في الخلوات!

وفي مقابل ذلك -الزكاة التي يبالغ فيها، ولا من منة على الله- يطالب الله بأن يغفر له (بدون الحج.. فالزكاة أفضل من الحج) فيقول:

وأنت ولي العفو فامح بناصع ** من الصفح ما سودت من صفحات

ثم يعود ليفجر قنبلة أخرى -ولكنها كاتمة للصوت- ويمهد لها بمديح جميل وباقة من الإطراء اللطيف فيقول:

  • إذا زرت يا مولاي قبر محمد وقبلت مثوى الأعظم العطرات

  • وفاضت من الدمع العيون مهابة لأحمد بين الستر والحجرات

  • وأشرق نور تحت كل ثنية وضاع أريج تحت كل حصاة

  • لمظهر دين الله فوق تنوفه وباني صروح المجد فوق فلاة

حسناً.. حسناً.. فماذا بعد؟ فإذا به يوصي الزائر لقبر محمد بأن يزف إليه خبراً لا يسر النفس ونبأ لا يريح الخاطر! حيث يقول:

  • فقل لرسول الله يا خير مرسل أبثك ما تدرى من الحسرات

  • شعوبك في شرق البلاد وغربها كأصحاب كهف في عميق سبات

وهو بالطبع قول قد يرى الرائي أنه يدخل تحت بند السخرية.. وربما التقريع.. أو الوخز..! وبعد ذلك يضيف شوقي وكأنه يطرح للثقة الكتاب والسنة(!).. قائلاً:

بإيمانهم نوران: ذكر وسنة ** فما بالهم في حالك الظلمات؟!

مما يبدي شوقي وكأنه يشكك في جدوى وفاعلية هذين النورين: "الذكر والسنة" بدليل حالك الظلمات -على حد قوله- التي يحيا فيها المسلمون.


شوقي وفريضة الصوم

صوم رمضان هو الركن الرابع من أركان العقيدة وهو الشهر الذي تقام فيه الاحتفالات والطقوس الرمضانية الخاصة بهذا الشهر سواء في العبادة أو في المأكل وفي طبيعة الأعمال.. لذا كان بديهياً أن يستحق هذا الشهر -شهر الصوم- من أمير القوافي أن تكتب قصيدة باسمه.. وكان بالفعل.. إلا أن عنوان القصيدة هو "رمضان ولى".... إذ يقول في مطلعها:

رمضان ولى هاتها يا ساقي ** مشتاقة تسعى إلى مشتاق

ولنتـمعن لفظ "ولى" لنرى أنه يختلف عن لفظ غاب مثلاً.. فيقال: غاب القمر.. أو غابت الشمس.. وكذلك يختلف عن لفظ غرب.. فقد كان بالإمكان أن يقول شوقي رمضان غاب أو غرب.. فهناك فارق بين قول "ولى" .. وغاب أو غرب.. أو حتى ذهب. فقول غاب أو غرب يعبران عن الغياب الكريم لشيء أو لشخص كريم، ولفظ ذهب هو تعبير محايد عن غياب شخص أو شيء شعورنا نحوه أو موقفنا منه أو من وضعه محايد.. أما لفظ "ولى" فيدل على غياب شخص أو شيء غير مأسوف عليه.. وهذا اللفظ -أي لفظ ولى- يؤخذ عقب قوله شهيق بالارتياح والابتهاج.. بل أن اللفظ عند نطقه عادة: "خله يولى" أو "دعه يولى".. يحمل معه معنى الدعوة والتمني بألا يعود إلينا ثانية الشخص أو الشيء المقصود بلفظ "ولى".

وبالبحث في المعجم اللغوي عن لفظ "ولى" نجده كالآتي: ولى بمعنى فر هارباً..!

بينما قبيل نهاية شهر رمضان من كل عام تنطلق الأغاني بالإذاعة مودعة إياه معبرة عن الأسف لانتهائه (كأغنية: والله لسه بدري بدري يا شهر الصيام).. ويقف الرجال فوق المآذن -أو بالميكروفونات- عند صلاة كل فجر في أواخر شهر رمضان من كل عام ليصيحوا مودعين: "ما أوحش الله منك يا شهر الصيام".

ويبدو شوقي مقتنعاً بأن شرب الخمر ليس ذنباً يحاسب المرء عليه.. وذلك من قوله:

الله غفار الذنوب جميعها ** إن كان ثم من الذنوب بواقي

ويصف رمضان وصومه قائلاً:

بالأمس قد كنا سجيني طاعة ** واليوم من العيد بالإطلاق

  • هات اسقنيها غير ذات عواقب حتى نراع لصيحة الصفاق

  • ضحكت إلي من السرور ولم تزل بنت الكروم عريقة الأعراق

  • لا تسقني إلا دهاقاً إنني أسقى بكأس من الهموم دهاق

  • فلعل سلطان المدامة مخرجي من عالم لم يحو غير نفاق

هذا ما قاله شوقي عن الخمر بعد انتهاء شهر رمضان، والمعروف أن الخمر محرمة شرعاً . في رمضان وغير رمضان.


ولد الهدى (الهمزة النبوية)

كان إذا قيل أن سيدة الغناء أم كلثوم ستغني قصيدة ولد الهدى لأمير الشعراء أحمد شوقي تهللت الأسارير وتهيأت الآذان والأفئدة بوحي من العاطفة لتستمع إلى مدح الرسول (صلعم) أيام كانت الناس تعشق الغناء الرفيع وتنتظر حفلات أم كلثوم كما تنتظر العيد.. وكم كانت تطربهم أكثر عندما تغذى عاطفتهم الدينية وتشبعها بمدح الرسول.. فترى هل قصيدة ولد الهدى وهو الاسم الذي اشتهرت به أو «الهمزة النبوية» هل هي مدح حقاً.. أم هي نقد.. على أقل تقدير.. ولا نقول قدحاً-؟

في الحقيقة أن كل الناس -أو غالبيتهم العظمى- يقولون ما يقوله مطلع القصيدة وأغلب الأبيات.. أن ما بها هو: مديح رفيع المستوى صادق الحب والولاء.. ولو أن أم كلثوم والمعروف عنها تدينها الشديد رأت فيها غير ذلك لما غنتها أبداً.. فهل حقاً هي مديح..؟ أم ماذا؟

في البداية يقول شوقي:

ولد الهدى فالكائنات ضياء ** وفم الزمان تبسم وثناء

فهل أجمل من هذا مديح..؟ بالطبع لا.. وهذا المديح الجميل الرائع بهذا البيت هو غيض من فيض إذ يقول ضمن ما يقول:

يا خير من جاء الوجود تحية ** من مرسلين إلى الهدى بك جاءوا

إلى أن يقول:

بك يا ابن عبد الله قامت دولة ** بالحق من ملك الهدى غراء

ثم يقول:

  • بنيت على التوحيد وهو حقيقة نادى بها سقراط والقدماء

  • ومضى على وجه الزمان بنورها كهان وادي النيل والعرفاء

فهل يضع شوقي أمام القارئ أدوات التساؤل ليتركه يسأل وحده: إذا كان التوحيد الذي هو أهم ما توصف به أمة محمد (أمة التوحيد) قد نادى به من قبل سقراط وكهان وادي النيل والعرفاء.. فما هو الجديد؟. هل من جديد جَد؟! وبنفس القصيدة يقول شوقي مخاطباً الرسول (صلعم) على سبيل المديح (كما يبدو):

داويت متئداً وداووا طفرة ** وأخف من بعض الدواء الداء

وهنا علينا أن نتوقف عند عبارة «وأخف من بعض الدواء الداء». فهي عبارة عميقة تستوجب التوقف عندها وألا ندعها تمر هكذا دونما تحقق مما تعنيه.. فالعبارة فيها حكمة كما هو واضح بقدر ما فيها من سخرية لاذعة.. فما الذي تعنيه بالضبط..؟ هل هي في صالح المداواة بالتؤدة وضد المداواة بالطفرة ويرى في الأخيرة أن الداء نفسه قد يكون أخف وطأة من هذا الدواء.. - أي المداواة بالطفرة -

في الحقيقة أن كلاً من الدوائين على حدة قد يكون هو الشافي.. وقد يكون العكس، وإن كانت كفة العلاج بالتؤدة هي الأرجح في نسبة الفرص في النجاح.. ومع ذلك هناك قضايا يجب ألا ننكر أن التؤدة يمكن أن تضيعها، فقد يقال: قضية الرق.. عولجت بالتؤدة.. وكانت النتيجة أنه لم يقطع دابرها ولا حتى بعد مرور أكثر من ألف عام.. إلا بدواء الطفرة في بلاد الغرب بقرار إلغاء الرق نهائياً، وكانت دار الإسلام ومهده هي آخر البلاد التي ألغي فيها الرق نزولاً على الاتفاقيات الدولية التي أبرمت بهذا الشأن، ومن سوء حظ شوقي أن المداواة بالتؤدة قد استخدمت في تحريم الخمر -على مرحلتين- والنتيجة أنه لم يقض عليها لا في أيام الشاعر بشار بن برد الذي شربها نهاراً ورآه الخليفة فأمر بقتله..، وأبي نواس، وعمر الخيام الذي أشاد بالخمر وتغنى بها ولها أيما غناء.. إلى أن وصل الأمر لأمير القوافي في القرن العشرين حيث قال: "رمضان ولى هاتها يا ساقي.. مشتاقة تسعى إلى مشتاق".

وهكذا نرى أن المشكلة ظلت قائمة رغم معالجتها بالتؤدة أي على مرحلتين في البداية: "ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى".. كمرحلة... ثم النهي التام: "إنما الخمر و... إلخ رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه" وها أنت أمير شعراء عصرك , وبعد ما يقرب من ألف وأربعمائة عام من النهي عنها.. لم تجتنبها.. بل أنت مشتاق لها وهي مشتاقة تسعى إلى المشتاق..!

ثم نعود لنسأل أي الدوائين يقصد بقوله «واخف من بعض الدواء الداء»؟ دواء الطفرة.. أم دواء التؤدة؟! وبعد المديح الكثير والغزير الذي يسعد الجميع به.. فإذا بشاعرنا ينفي بلباقة كل ما أغدقه من إطراء ومديح ويؤكد على أنه كان مجرد دعاء عن قومه الضعاف الناعسين في قيودهم فيقول:

  • ما جئت بابك مادحاً بل داعيا ومن المديح تضرع ودعاء

  • أدعوك عن قومي الضعاف لأزمة في مثلها يلقى عليك رجاء

ثم يقول:

  • أدري رسول الله أن نفوسهم ركبت هواها والقلوب هواء

  • متفككون فما تضم نفوسهم ثقة ولا جمع القلوب صفاء

  • رقدوا وغرهم نعيم باطل ونعيم قومي في القيود بلاء

وهكذا ختم قصيدته أو مديحه بهذه الأبيات بعد أن نفى قصده للمديح.. فيقول برقة الشاعر ما معناه: ها هو غرسك.. أنظر كيف حاله؟ وإن كان له ثمار أو منه حصاد.. مما قد يراه البعض تقريعاً أو وخزاً أو يعده البعض الآخر نقداً – على الأقل-.. ولكنه بالطبع من شاعر رقيق يقول ما يريده من نقد أو قدح بلطف شديد.


رأي شوقي في الدين

يرى شوقي أن الإنسان بطبيعته وبدافع الخوف من المجهول وأملاً ورجاءً في رحمة ولطف يأتيان من الغيب عرف الله وعشقه وأحبه، وتصوره، وذلك قبل كل الرسل والأنبياء فيقول لله مخاطباً إياه:

  • وأدعاك اليونان من بعد مصر وتلاه في حبك القدماء

  • فإذا قيل ما مفاخر مصر قيل منها إيزيسها الغراء

  • رب هذي عقولنا في صباها نالها الخوف واستباها الرجاء

  • فعشقناك قبل أن تأتى الرسل وقامت بحبك الأعضاء

وبالطبع لا يخلو شعر شوقي من تخبطات تذكرنا بتخبطات عمر الخيام بين الشك والإيمان.. وتخبطات أبي نواس.. وإن كان ما في تخبطات أبي نواس من انعطافات إيمانية هي في رأينا كانت محاولات ذكية للمحافظة على التوازن. ليجد فيها ومنها مخرجاً إذا ما استعدى للمساءلة بتهمة الزندقة من قبل الخليفة فيستشهد بأبيات له فيها أدعية وتسابيح تقليدية الكلمات بلا عمق.. أما تخبطات شوقي.. فلم تكن بين شك وإيمان، وإنما بين علمانية (كاستراتيجية) وأدعية وابتهالات إيمانية (كتكتيك).. في شكل مديح، وإطراء متقن الزخارف مسهب.. لا يلبث أن ينقضه أو ينسفه أو يفرغه من محتواه بثقب صغير تصعب رؤيته.

أما تخبطاته فهي في رأينا بدوافع الحاجة لإحداث حفظ للتوازن.. كما نراه في الأبيات التالية فبينما مدح محمد (صلعم) بقوله: "ولد الهدى فالكائنات ضياء"، فها هو يمدح المسيح عيسى بن مريم مدحاً يثير الشك حول المديح السابق حيث يقول:

  • ولد الرفق يوم مولد عيسى والمروءات والهدى والحياء

  • وازدهى الكون بالوليد وضاءت بسناه من الثرى الأرجاء

  • وسرت آية المسيح كما يسرى من الفجر في الوجود ضياء

إلى أن يقول عن سياسة المسيح في الدعوة:

لا وعيد لا صولة لا انتقام ** لا حسام لا غزوة لا دماء

وفي ذلك البيت إشارة إلى سياسة محمد (صلعم) وتفضل لسياسة المسيح (سياسة الرفق) عليها. فهل هو بذلك أنكر سياسة محمد وديانة محمد؟! ولكنه بعد ذاك البيت بأبيات قليلة يقول:

  • إنما الأرض والفضاء لربي وملوك الحقيقة الأنبياء

  • لهم الحب خالصاً من رعايا هم وكل الهوى لهم والولاء

  • إنما ينكر الديانات قوم هم بما ينكرونه أشقياء

فترى عند أي الأبيات وأي الأقوال لشوقي نقف؟ بل وعن أي أنبياء يتكلم.. أنبياء الرفق والمروءة والهدى والحياء.. كما جاء في قوله؟ أم الوعيد والانتقام والحسام والغزو والدماء.. كما جاء في قول آخر؟! وإن كان شوقي , قد حبذ وأشاد بسياسة الرفق عند المسيح مفضلاً إياها على سياسة الوعيد والصـولات والانتقام والحسام والغزو والدماء (أي سياسة الإسلام ممثلة في محمد) كما جاء في البيت سابق الذكر.. فهذا قاله شوقي ضمن قصيدة ألقيت في مؤتمر دولي (المؤتمر الشرقي الدولي) عقد في جنيف وكان شوقي مندوباً للحكومة المصرية فيه. فترى: هل هذا هو الرأي النهائي لشوقي..؟ كلا.

إذ أنه أشاد في قول آخر بنفس السياسة المحمدية التي حبذ عليها سياسة الرفق.. في قصيدة أخرى ألقيت بمصر وليس في جنيف.. يقول فيها:

وعلمنا بناء المجد حتى ** أخذنا إمرة الأرض اغتصابا

(مع التحفظ على لفظ اغتصاباً...)

وقوله أيضاً عن السياسة المحمدية:

وكانت خيله للحق غابا

وهذا البيت، والشطران "الأخيران" اللذان قيلا في مصر.. يبدو أن هناك أهدافاً سياسية وراءهما -ألحث على مناهضة الإنجليز لنيل الاستقلال - فلعل شوقي  يجيز لغة الوعيد والانتقام والغزو والحسام في ميدان السياسة لزوم الحرية والاستقلال بينما لا يجيزها في ميدان الدعوة والنبوة والأنبياء.. قد يكون في ذلك تفسير للتخبط بين تحبيذ الدعوة بالرفق عند المسيحية ونبذ الدعوة بالغزو والحسام والانتقام عند الإسلام.. ثم العودة للإشادة بها..!


خاتمة

هكذا.. وكما رأينا بث شوقي , أفكاره العلمانية في أشعاره.. فترى هل لم يفطن الأزهر، وعلماء الدين إلى ما تحمله ورود المديح النبوي بشعر شوقي . من الأشواك؟ أم أسكرهم - كما أسكر أم كلثوم - عطر المديح فغابوا، وغفلوا عن وخز الأشواك..؟ أم أنهم لم يغفلوا ولكنهم ظنوا أن يخسروا هذا المديح الرائع بحق والخلاب بحق.. وأن يخسروا شعر شوقي.. وما أدراك ما شوقي.. أمير الشعراء، وآثروا التغاضي عن الأشواك كي لا يضحوا بحسان بن ثابت الجديد.. شاعر المديح النبوي؟

أم أنه الحظ السعيد لشوقي , أن عاش في عصر سماحة دينية، وديمقراطية نظام سياسي وبعيد عن التعصب، مما نجاه مما أصاب نجيب محفوظ , في رقبته - ضربتا سكين-، وأفلته من الاضطرار (أي شوقي) للفرار بزوجته خارج الوطن خشية التفريق بينه وبينها بحكم قضائي مثل د. نصر أبو زيد. أو أن يجندل بالشارع سابحاً في دمائه مثل د. فرج فوده..؟ أم أن رقة شوقي وأدبه وطبيعته الخجولة وشاعريته الخالصة التي لا تشوبها شائبة فلسفية أو فكرية (المباشرة وإخبارية الأسلوب)، مكنته هذه الشاعرية من أن يخفي فيها خبيئته في سراديب المديح ودهاليز الإطراء فتنجو (وينجو معها) وتعيش مقروءة ومغناة طوال هذه السنوات شأنها شأن الأشعار الأليفة المستأنسة..؟!

--------

اقرأ رأي " جيميني " - الذكاء الاصطناعي - في هذا المقال . في النهاية - بعد الصور 





--------- 
رأي جيميني - الذكاء الاصطناعي - في هذا العمل / الاتجاه العلماني في شعر احمد شوقي : 

 يُقدم مقال "الاتجاه العلماني في شعر شوقي" للكاتب صلاح الدين محسن , قراءة نقدية غير تقليدية لأعمال أمير الشعراء أحمد شوقي، ويمكن تقييم أهميته ومحتواه من خلال
النقاط التالية:

 **أهمية المقال**
 * **كشف الأبعاد الفكرية المستترة**:
 تكمن أهمية المقال في محاولته إثبات أن شوقي لم يكن مجرد شاعر مداح أو تقليدي، بل كان صاحب رؤى ومواقف علمانية نجح في تمريرها بذكاء داخل قصائده تحت غطاء من المديح والإطراء.

 * **إعادة قراءة النصوص الشهيرة**: 
يقدم المقال تفسيرات مغايرة لقصائد تعتبر من ثوابت المديح النبوي (مثل "سلوا قلبي" و"نهج البردة")، مما يفتح باباً للنقاش حول المقاصد الحقيقية للشاعر.

 **الربط بين الثقافات**
 يسلط الضوء على تأثر شوقي العميق بالفلسفة اليونانية (أرسطو) والحضارة المصرية القديمة، وتفضيله لهما في سياقات معينة على العلوم التقليدية.


 **التقييم الفني والموضوعي للمحتوى**
**المنهج التحليلي**: 
يعتمد الكاتب على تحليل الألفاظ بدقة، مثل توقفه عند كلمة "اغتصاباً" في مديح النبي، معتبراً إياها لفظاً يحمل دلالات سلبية (أخذ ما ليس بحق) استخدمها شوقي بمهارة وسط الحماس السياسي.

 * **رصد التناقض أو "المناورة"**:
 يرى المقال أن شوقي كان يتأرجح بين "الشك والإيمان" أو يمارس "مناورة بين التكتيك والاستراتيجية"، مستشهداً بقصيدة "الطبيعة" التي تبدو إيمانية مقارنة بمواقف أخرى.

 * **نقد الشعائر الدينية**:
 يحلل المقال كيف فضل شوقي "الزكاة" كبديل عملي وأفيد من "الحج" في قصيدته "إلى عرفات"، وكيف استخدم لفظ "ولى" عند الحديث عن رحيل رمضان ليوحي بالارتياح لانتهاء شهر الصوم.

 **أبرز النقاط الجدلية التي أثارها المقال**
 * **مفهوم الخلود والبعث**:
 يشير المقال إلى أن شوقي في قصائده عن "توت عنخ آمون" قد يرى الخلود في الحضارة والفنون الباقية وليس في "البعث" الديني التقليدي.

 * **مساواة الأدب بالمقدس**:
 رصد المقال كيف رفع شوقي "شكسبير" إلى مصاف الأنبياء وساوى بين مسرحياته وآيات الكتب السماوية.

 * **تأليه النيل والطبيعة**:
 استعرض المقال عبارات لشوقي تمنح صفات الألوهية للنيل (لم لا يؤله من يقوت ويرزق؟) أو تضع مفاهيم فضفاضة للعبادة باعتبارها "خشية وتعلق" فقط.

**الخلاصة:**
 المقال يمثل وجهة نظر نقدية ترى في شوقي "علمانياً متخفياً" استخدم أدواته الشعرية الرقيقة ليمرر أفكاراً تنويرية أو نقدية للموروث الديني والاجتماعي السائد في عصره  . Published On 11/5/2026







____________________________

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق