أهلاً بكم في مدونة الكاتب صلاح الدين محسن ✨ لا تنسى متابعة المدونة لكي يصلكم كل جديد

مقال من الارشيف / التفكير و.. بعبع الكُفر - مجلة أدب ونقد - العدد 109 - سبتمبر 1994

مقال : التفكير و.. بُعبُع الكُفر - مجلة أدب ونقد - العدد 109 - سبتمبر 1994 - صلاح الدين محسن


   
تم إنشاء الصورة بواسطة جيميني بتاريخ 1-5-2026


التفكير و.. بعبع الكُفر

بقلم : صلاح الدين محسن

"أوعه البعبع" .. عبارة كلنا طالما هددنا بها ونحن صغار من آبائنا وأمهاتنا، وجداتنا

 بالذات، كلما أقدمنا على شيء فيه خطر أو حظر علينا كصغار وعاندنا وأصررنا

 وصممنا .. فلا يجد الكبار ما يثنوننا به ويرجعوننا عن الخطر سوى صيحة "أوعه

 البعبع" .. فإذا بنا نهلع ونفزع ونرجع مهرولين متنازلين عن عنادنا وإصرارنا بالرغم

 من أن أحداً منا لم ير البعبع هذا ولا يعرف عنه شيئاً لا عن شكله ولا عما يمكن أن

 يفعله معنا إذا ما قابلنا .. إلا أن الصيحة في حد ذاتها وما تحمله من معان الفزع

 والنذير والتحذير المرعب الرهيب تجعلنا نفزع ونرجع بسرعة دون أن نعرف شيئاً عن

 هذا البعبع .. !!

هذا عما كان يصادفنا ونحن صغار .. أما بعد أن كبرنا فقد تغير الأوصياء المخوفون ..

 فبعد أن كان الأوصياء علينا هم الأبوان والجدة أو بعض الأقارب .. أصبح الأوصياء

 علينا ومخوفونا ونحن كبار هم رجال الدين ومفكروه، ومشعوذوه أيضاً .. ! أما البعبع

 فقد بقى كما هو وتغير اسمه فقط فبدلاً من "بعبع" أصبح الاسم هو "الكفر" والصيحة

 لم تعد "أوعه البعبع" وإنما أصبحت الصيحة هي "هذا كفر" !! فإذا شاهدت

 التليفزيون أو ذهبت إلى مسرح فإنه من الممكن أن تجد من يصيح فيك "هذا كفر" !

 وإذا تبحرت في علم من العلوم .. صاح فيك صائح: "هذا كفر" .. وإذا سمحت لابنتك

 أو زوجتك بارتداء ملابس لا تجعلها ترى الدنيا سوداء، وإنما ملابس متحضرة كما

 تلبس كل نساء الأمم المتحضرة.. صاح فيك الأوصياء: هذا كفر! وإذا فكرت وسألت أو

 تساءلت بحرية عن تفاصيل كنه الإله أو يوم البعث أو طبيعة الحياة بعد الموت أو

 طبيعة الروح أو أحوال الجنة والنار صاح فيك الأوصياء محذرين: هذا كفر.. وإذا

 استثمرت مالك في أحد البنوك حيث الأمان بدلاً من حفظها تحت البلاطة.. صاحوا فيك:

 "هذا كفر"!! وإذا أشرت على مريض بإمكان إنقاذه من الموت بزرع كلية بدلاً من

 كليته التالفة.. صاحوا فيك: هذا كفر.. دعه يموت.. فالله يريده أن يموت..! أما إذا

 مرض أحدهم فإنه يهرع هرعاً ويشد الرحال إلى أوربا للعلاج هناك خشية الموت..

 وعلى أيدي أطباء يعدهم كفاراً!! وكأنه مكتوب علينا أن نعيش تحت وصاية الأوصياء

 طوال حياتنا.. الآباء في صغرنا ورجال الدين والمشعوذين في كبرنا..!

وإن كنا لم نسأل عما يكون "البعبع" في صغرنا ولم نستفسر من الكبار عن ماهيته..

 ولم نسألهم عما إذا كانوا قد رأوه شخصياً ولم نطلب أن يطلعونا عليه وذلك لصغرنا

 وصغر عقولنا التي لا تقوى في ذلك العمر سوى على الارتداع والفزع من المجهول

 المهول.. فلعله من المخجل ألا نفعل ذلك ونحن كبار طوال عرض نحمل على أكتافنا

 سنين وتجارب

وسنوات تعليم وقراءة وسفر,  و... إلخ 

ونظل هكذا أطفالاً رعاديد خوافين كلما صاح فينا صائح: "هذا كفر" ارتعدنا دونما تفكير

 ودونما سؤال لهذا الصائح عما يعنيه بتلك الصيحة وعلى أي أساس قالها؟ ولماذا؟

 ومن أدراه؟ .. 

جرب صديق أمامي مع أحد هؤلاء المكفرين للناس "عمال على بطال" عندما وجده

 يصيح صيحة التحذير والتخويف بـ بعبع الكبار: "هذا كفر".. وسأله: يعني إيه

 كفر؟! فإذا بصاحبنا المكفر يرتبك ويهب من مفاجأة السؤال الذي لم يعتد أن يسأله

 أحد: يعني إيه كفر؟!

 أعاد صديقي عليه السؤال بلهجة إصرار على أن يتلقى منه إجابة.. فزاد ارتباك أخينا

 ثم انطلق بغضب بعد أن رفع صوته: كفر.. ألا تعرف معنى كفر؟!

  • أنا أسألك.. وهل السؤال يزعلك؟! (حاول ستر غضبه وعجزه، والسيطرة على

  •  زمام نفسه) : أنا لست زعلان، ولكن هو فيه حد مايعرفش يعني إيه كفر؟

  • أنا معرفش.. أتراه عيباً ألا يعرف الإنسان شيئاً؟ أريد أن أعرف منك أنت لفظاً تردده كثيراً.. لابد وأنك تعرفه.. فعرفني به..

  • (قال وهو يحاول إخفاء استيائه) كفر يعني كفر يا سيدي يعني عدم إيمان بالله..

  • وما هو الإشكال في أن يكفر شخص أو يؤمن.. فليؤمن من يؤمن وليكفر من يكفر..!

  • كيف؟ كيف نقبل كفاراً بيننا؟!
  • هب أننى كافر .. هل مددت يدى بجيبك ذات يوم ؟

  • كلا ..

  • هل مددت لسانى عليك ذات يوم ؟

  • كلا ..

  • هل ستحاسب أنت عن كفرى أنا يوم الحساب؟!

  • لا .. فكلُّ يحاسب عن نفسه ..

  • هذا عظيم .. وهب أننى مؤمن وضبطت يدى بجيبك .. فهل ستغفر لى لأننى مؤمن وتتنازل لى عما سرقته يدى من جيبك ؟

  • لا طبعاً ..

  • هل إذا طال كفى وجهك بالأذى ستسكت .. لأننى مؤمن؟!

  • لا طبعاً ..

  • وهل لو نال منك لسانى وجرحك .. سوف تصمت .. لأننى مؤمن ؟!

  • لا طبعاً ..

  • إذن ماذا تريد من كفرى أو إيمانى وماذا يخصك من تلك القضية الخاصة بي .. فليكفر من يكفر .. وليؤمن من يؤمن .. والفيصل في المعاملة وحدها.

 

  • أنا كرجل مؤمن أحب أن أرى كل الناس مؤمنين .. وأدعو لذلك كي أحصل على رضا الله وحسن جزائه ومن حق الذى خلقنا وأنعم علينا أن نؤمن به جميعاً .
  • .. عدنا إلى حيث بدأنا .. ! كيف نؤمن به جميعاً وكيف لا يكون هناك كفار مع المؤمنين .. ؟ هل وعد الله بإطفاء النار وإلغاء جهنم؟

 

  • كلا .. الجنة جعلها لتبقى وجهنم جعلها لتبقى

 

  • وكيف تبقى هذه أو تلك بدون نزلاء .. ؟ إنك تسعى لإلغاء النار بسعيك لجعل الناس جميعهم مؤمنين ..

 

  • مالم يرتدع الناس عن فعل الشر خوفاً من النار واتقاءً لعذاب جهنم فما هو الرادع إذن ؟ وما لم يعمل الناس الخير أملاً فى الجنة فما هو الحافز إذن ؟

 

 

 


 

 





________________________




تعليقات