مقالات عام 2006 – 46


دكتور جابر عصفور وزيرا للداخلية المصرية

صلاح الدين محسن 
الحوار المتمدن-العدد: 1538 - 2006 / 5 / 2 

بعد منتصف ليلة التاسع من شهر مارس 2000 اقتحمت مباحث أمن الحاكم المصرية " مشهورة ب أمن الدولة "مسكن كاتب هذا المقال بسبب كتاب ألفه و كان قد أصدره في مطلع ذاك العام .. وبمجرد دخولهم وجد أحدهم بعض الأوراق علي منضدة في مقابل الباب مباشرة .. التقط أول ورقة وبمجرد أن نظر فيها وقرأ العنوان ، رفع يده في الهواء ملوحا لباقي أفراد الحملة الذين لم أقدر علي حصر عددهم وصاح كمن يعلن عليهم العثور علي جزء من مخطط لقلب نظام الحكم وهو يقرأ لهم عنوان ما كتبته بتلك الورقة ، وكان مجرد مقال عنوانه بالضبط هو 
" جابر عصفور وزيرا للداخلية ، و محمود أمين العالم" وكيلا أول الوزارة " 
ومعروف وقتها أن دكتور جابر عصفور ، هو الأمين العام للمجلس الأعلي بوزارة الثقافة المصرية ، وأستاذ النقد والأدب بجامعة القاهرة ، والأستاذ محمود أمين العالم ، هو رئيس لجنة الفلسفة بنفس المجلس ، و مفكر كبير, محترم شهير ..
وأتذكر ما قلته بالمقال الذي استولي عليه رجال المباحث ضمن ما استولوا عليه من كتبي وأوراقي :
" كثيرون ممن سيطالعون هذا المقال سيضحكوا ويتساءلوا : " كيف يتولي أستاذ جامعي مهام وزارة مسئولة عن مطاردة الخارجين علي القانون والمجرمين لأجل تحقيق الأمن للمواطن ؟ تلك مهمة لا يصلح لها سوي ضابط شرطة كبير .. لواء شرطة كما جرت العادة منذ خمسين سنة مضت .. "
حقا سوف يندهشون الكثيرون لو عرفوا أن منصب وزير الداخلية قبل استيلاء عسكر عبد الناصر علي السلطة في 1952 ، كان يتولاه أعظم الرجال من المفكرين والسياسيين لا لواءات شرطة ..
وأن صالح البلاد والمواطنين بل وصالح رجال الشرطة أنفسهم في أن يتولي وزارة الداخلية رجال من ذاك النوع ..
فقد سبق أن تولي وزارة الداخلية : المفكر العظيم وأول مدير للجامعة المصرية " أحمد لطفي السيد باشا .. أستاذ الجيل " ، وكذلك الزعيم السياسي التاريخي العظيم " سعد زغلول باشا " ، وزعيم سياسي عظيم آخر هو خليفة " سعد زغلول " : مصطفي النحاس باشا ...
وقلت في المقال ان وزارة الداخلية عندما يتولاها واحد من رجال الثقافة أو السياسة المحترمين المرموقين .. فان الأسلوب المحترم الراقي لهؤلاء سوف يسود تعاملات وزير الداخلية مع كبار رتب ضباط الشرطة .. والصغار أيضا .. فوزير الداخلية عندما يكون رجل ثقافة أو سياسة فانه عند وجوب المحاسبةأو المعاقبة فانه لن يفعل ذلك الا وفق قانون وأعراف آداب المحاسبة وآداب المعاقبة لكبار الضباط ، باستخدام القول المهذب واللفظ العفيف ، البعيد عن تلك الألفاظ الشديدة الفحش والبذاءة التي يستخدمها ضباط ورجال الشرطة كبارهم وصغارهم مع المواطنين وفيما بينهم كضباط أيضا ..
وعندما تكون هكذا أخلاق سيادة الوزير مع كبار رتب ضباط الشرطة ، راقية ومحترمة .. فسوف ينزل ذاك الأسلوب للرتب الأقل فالأقل حتي يصل لأصغر رتب الضباط ، و منهم لمساعدي وجنود الشرطة والمخبرين ، و في النهاية يصل ذاك الأسلوب المحترم الراقي للوزير المحترم الراقي الي: المواطن .. فلا يسب بأمه وبأبيه ولا تمتهن كرامتهم ولو بدون سبب كما يحدث الآن بكافة أقسام الشرطة وكافة فروع الأمن ...
تلك هي فائدة ألا يكون وزير الداخلية لواء شرطة ، وانما رجل ثقافة وفكر وأدب أو رجل سياسي .. وهي فائدة تعم ليس علي المواطنين فحسب وانما علي ضباط ورجال الشرطة أيضا .. أي الجميع ..
كان هذا هو ما يدور حوله موضوع المقال..
وأصل المقال بخط يدي لدي مباحث ونيابة أمن الدولة ، وربما لدي المباحث فقط ولم تقدمه للنيابة ، حيث سألوني في تحقيق النيابة عن كافة مؤلفاتي المطبوعة التي صادروها وعن كافة الأوراق المصادرة فيما عدا هذا المقال الذي لا أدري ان كانت المباحث حجبته عن النيابة أم أن النيابة هي التي حجبته عن سير التحقيق .
المهم أنه قد مر علي ذلك ست سنوات الآن ولكن لا يزال من يجلس فوق منصب وزير الداخلية هو " لواء شرطة " ، ولا يزال سب ضباط الشرطة .. الأكبر للأصغر .. وسبهم للمواطنين بأقذع وأفحش الألفاظ وامتهان كراماتهم جاريا حتي يومنا هذا والسبب هو أن وزير الداخلية ضابط شرطة قضي حياته الوظيفية في مطاردة الخارجين علي القانون والمجرمين أرباب السوابق والتعامل معهم أكثر من التعامل مع أوادم البشر ..
و لو أن د. جابر عصفور ، رجل الثقافة والأدب هو وزير الداخلية في تلك السنواتالتي مضت .. لما سمح باضطهاد الأقليات علي يد الأمن والشرطة ، ولا بتواطؤ وزارته مع الارهابيين وتسهيل مهامهم في القتل والحرق والنهب وخطف بنات وأعراض الأقليات ..
نعم لا يمكن أن يسمح وزير الداخلية عندما يكون رجل ثقافة وأدب بأن تحدث أشياء من ذاك النوع بوزارته ..
لأنه كرجل ثقافة وأدب عنده من الوعي والفهم .. ك مخ وليس مجرد عضلات هوجاء .. سوف يقوم بالتنسيق مع وزير الاعلام ووزير التعليم ووزير الأوقاف ووزير الثقافة لأجل تجفيف كل منابع الارهاب ، وباستخدام نفوذه كوزير للداخلية ، لما لتلك الوزارة من ثقل .... وباعتبار أن الارهاب لا يقاوم بالبوليس فقط ، فالقضية أكبر من ذلك وأكبر من أن يفهمها الا رجل الثقافة والعلم وليس مجرد شخص يحمل رتبة : سيادة .... لواء شرطة ..
ما كان للأحداث الارهابية الدموية التي حدثت أن تحدث .. فلا يمكن أن يسمح بحدوثها وزير من رجال الثقافة والأدب والوعي ..
ولكن الذي يمكن أن يسمح بها هو : وزير لواء شرطة قضي سنوات عمره الوظيفي كلها في التعامل مع أرباب السوابق الاجرامية والخطرين علي الأمن ولا يملك ولا يفهم سوي في استخدام العنف الذي يولد مزيدا من العنف وتحترق مصر ويسقط الضحايا متخبطين في دمائهم هنا وهناك : من العديسات بأسوان : بأقصي الجنوب الي الاسكندرية بأقصي الشمال ومن " كفر سلامة ابراهيم " بمحافظة الشرقية ، وحتي شرم الشيخ ودهب بأقصي الشرق ويضرب الاقتصاد وتخرب البلاد وتسؤ سمعة بمصر بالخارج بينما وزير الداخلية البوليس يجلس مطمئنا علي كرسي الوزارة ورئيس الجمهورية العسكري يربت علي كتفه بحنان وباعتزاز وكلاهما يكتم علي أنفاس مصر ويجلسان علي تل خرابها ....
====

تعليقات