مقالات عام 2008 - 5 وداعا المناضل المصري - محمد يوسف الجندي


وداعا المناضل المصري - محمد يوسف الجندي-



كانت بداية معرفتي بالمناضل السياسي المصري الذي رحل عنا مع بداية عام 2008 . عندما طبعت أول مؤلفاتي . و كان مسرحية سياسية بعنوان " نوادر بوكاسا " وكان ذلك في القاهرة أوائل 1981
ولم تكن لدي فكرة عن كيفية النشر والتوزيع . فنصحني أحد المثقفين . بأن أعطي عددا من النسخ لدار نشر وتوزيع " اسمها " دار الثقافة الجديدة " وعرفني بمقرها باحدي عمارات وسط القاهرة حيث هي مكتبة أيضا لبيع الكتب الثقافية التقدمية . ,
و عرفت وقتها أن صاحب تلك الدار هو ابن أحد أبطال ثورة 1919 في مصر التي تعد أعظم ثورة حقيقية شارك فيها شعب مصر كله – لا انقلاب لمجموعة ضباط لصوص لغرض السلطة ونهب البلاد –
وأن والده هو " يوسف الجندي " الذي يحمل اسمه أحد شوارع وسط العاصمة تخليدا للدور الذي لعبه كواحد من رموز تلك الثورة المجيدة .
وفعلا سلمت عددا من النسخ لدار الثقافة الجديدة . لعرضها للبيع في مكتبتهم . وبعد شهور صرفوا لي قيمة المباع . وكان جنيهات قليلة فرحت بها جدا ! ولم تكن تمثل شيئا يذكر بالنسبة لتكلفة الطباعة التي تحملتها بالكامل !.
وبعد ذلك طبعت علي نفقتي أيضا كتابي الثاني وكان عملا سياسيا رمزيا في شكل شعر منثور بعنوان " دليل العشاق والمحبين لجمع شمل بهية وياسين " . وفعلت نفس الشيء . اذا عرضت " دار الثقافة الجديدة " عددا من النسخ وبعد شهور صرفوا لي بضعة جنيهات فرحت بها جدا كذلك رغم أنها لا تكاد تمثل شيئا بالنسبة لتكلفة الطباعة التي تحملتها بالكامل .
واعتدت علي التردد علي دار الثقافة الجديدة . لشراء المؤلفات والابداعات الثقافية التقدمية ..
وفي عام 1998 كان لدي مخطوط لآخر مؤلفاتي حينذاك و قرأه مدير التوزيع والنشر لدار الثقافة الجديدة . وقتذاك وهو المرحوم " سامي الاكيابي " فأعجب به . ولما سألته عنه قال لي انه مع الأستاذ محمد الجندي صاحب ومدير الدار . ليقرأه . وبعدها قال لي ان الأستاذ محمد الجندي قرأ الكتاب وأعجبه جدا وقال هذا الشغل كان واجبا علينا نحن السياسيين أن نقوم به ..( ففهمت أنه قال ذلك نظرا لأنني لا أنتمي لأي حزب سياسي – وحتي الآن – مفضلا الاستقلال لأجل الحرية الكافية .
ثم قال لي " نعرف أنك تطبع كتبك علي نفقتك . فما رأيك لو شاركتنا في نفقات الطباعة ونحن علينا النشر والتوزيع وسنضع اسم الدار علي الغلاف ؟. واتفقنا . ووقع معي العقد الأستاذ محمد الجندي – طاب مثواه - . وكان الكتاب هو " تحرير الرجل " والذي نشرنا منذ شهرتقريبا واحدة من القصص التي جاءت به . تجدونها علي الرابط الآتي :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=114136
وبعدها قرأ الأستاذ محمد الجندي مخطوط كتابي " مذكرات مسلم " ولم يكن قد نشر بعد . واتفق معي علي أن يقوموا بالطباعة والتوزيع فقط لظروف مالية تتعلق بالدار . والتكلفة علي أنا . وعند توقيع العقد . تردد وقال ان الكتاب قد يكون له ضجة تؤدي للاصطدام بالسلطات المعادية لحرية الرأي والتعبير .. وقد قدرت يومها كبر سنه وما خاضه طوال حياته من نضال وسجون . وما تعرضت له الدار من مصادرات واغلاقات كثيرة . وأنه لا يقدر علي احتمال المزيد من البطش الأمني .. الا أنه أبدي اعجابه بالكتاب وأسفه لعدم قدرته علي أن يتولاه كصاحب دار طباعة ونشر . وأنه كان يود ويتمني ذلك .. هنا تدخل المرحوم سامي " مدير النشر والتوزيع " - وهو بالمناسبة مناضل شيوعي كان قد سبق اعتقاله مع الشيوعيين . وابدي استعداده للتوقيع علي العقد كمسئول عن دار الثقافة . ان وافق الأستاذ محمد الجندي . فوافق الجندي . ووقع معي " سامي الاكيابي " علي العقد . باسم دار الثقافة الجديدة . والكتاب هو " مذكرات مسلم " الصادر عام 1998 أيضا .
وفي عام 2000 كان جهاز الأمن يدبر لي مكيدة ليس بسبب كتابي " ارتعاشات تنويرية ودعوة لعهد تنويري جديد" والذي جعلوه واجهة لقضية سجنت فيها . وانما بسبب كتاب سياسي ضد مبايعة مبارك لفةرة حكم جديدة في الاستفتاء الرئاسي عام 1999 – كما ذكرت في مقال سابق . –
وعندما اقتحم الأمن منزلي بعد متصف ليل 8 مارس 2000 كان المخبرون ينزحون بالكوم ! مالدي من كتب وأوراق ومستندات . ومنها عقدين للطباعة والنشر وقعتهما مع الأستاذ يوسف الجندي . صاحب دار الثقافة الجديدة ، والأستاذ سامي الاكيابي مدير النشر والتوزيع . – عليهما الرحمة – وكذلك ايصالات استلام قيمة طباعة الكتابين الأخيرين من مطبعتين أخريين - غير دار الثقافة - وبالايصالات اسم كل مطبعة وعنوانها وتليفونها .. وكذلك أورا ق تخص عضويتي باتحاد كتاب مصر . ومنها صورة من استمارة العضوية تحمل أسماء من قاموا بتزكيتي للعضوية – ومنهم أعضاء بمجلس ادارة اتحاد الكتاب وهم استاذة جامعيون محترمون ونقاد معروفون .. ليست تلك الأوراق فقط التي صادرها الأمن من مسكني ومن مكتبي بل صادروا مستندات خاصة بي لا صلة لها بالكتب والفكر! كسجل تجاري وبطاقة ضريبية لمكتب تجاري كنت امتلكه وايصالات سداد للتليفون وايصالات شراء أسهم لأولادي . وعقد شراء مدفن وايصال من مقاول باستلام تكاليف بناء المدفن..!! وغيرها من المستندات الخاصة من نفس النوع بالاضافة الي نسخ من مؤلفاتي ال 16 مؤلفا كانت موجودة بمكتبي
وفي تحقيق نيابة أمن الدولة معي سألوني عن المطبعة ودار النشر التي طبعت كل كتاب وعمن قاموا بتزكيتي لعضوية اتحاد الكتاب ...
ولأنني أعرف بأن كل تلك المستندات تحت يد وكيل النيابة في نفس اللحظة التي يسألني فيها ..! بالاضافة الي أن كل تلك ا لمعلومات يعرفها مثقفون - شعراء وصحفيون وكتاب – متعاونون مع جهاز الأمن كأعين علي الكتاب والمثقفين عموما ويعيشون بينهم وكل تلك المعلومات يعلمونها ويبلغونها أولا بأول .. لذا فقد كان من العبث أن أنكر معرفتي بمن طبعوا لي كتبي ومن زكوني لعضوية اتحاد الكتاب . علما بأن اتحاد الكتاب هو اتحاد حكومي أي يتبع الحكومة التي يحكمها جهاز أمن الدولة الذي يحقق معي ..!.. .. أي لا يمكن ألا تكون معلومة من تلك خافية عن وكيل النيابة الذي يسألني عنها - ربما للبحث عن ذريعة للتعذيب لانكار لا مبرر له ..! وبعد خروجي من المعتقل . فوجئت بمن يلومني ويقول لي : انك اعترفت علي الناس .. (!!) وكأنني كنت عضوا بمنظمة فتح أو حماس .! أو كأنني كنت عضوا بحزب شيوعي سري يعمل تحت الأرض أو عضوا بخلية لجماعة الاخوان ! بينما المسألة كلها وكما رأينا لا أسرار فيها علي الاطلاق ..
وعندما طبع الأستاذ محمد الجندي . الجزء الأول من كتابه " مسيرة حياتي " كتب لي اهداء علي نسخة منه . ويروي فيه مذكراته في الكفاح السياسي
اندهشت عندما قرات الكتاب . فقد لا حظت ان المناضلين في ذاك الوقت – في الاربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي كما الرهبان في الأديرة ! من الممكن ان يتركوا كل شيء في الحياة ويتفرغوا للنضال !
و قصة ورحلة نضاله البالغة الغرابة والاثارة لو كان الجندي من المقربين للسلطة . لاخرجوا وأنتجوا لتلك القصة فيلما بالغ الروعة أو مسلسلا تليفزيونيا رائعا للغاية فهي قصة نضال ثرية من كافة النواحي ولكن التليفزيون والسينما المصرية لا يعدان أفلاما أو مسلسلات الا لجاسوس مثل رأفت العجان أو الهجان لتمجيده وتخليده ! او فيلما عن الضابط بطل النكسة ! أو الضابط الذي سلم مصر ومفاتيحها للضابط الطيار وعصابته !
وتمتد قصة نضال محمد الجندي في رحلة هروبه من ملاحقة البوليس السياسي له من مصر لعدة دول اجنبية بعد تمكنه من الهرب علي ظهر سفينة . وتلك لوحدها قصة مثيرة بشكل غير معقول . اذ تعرضت السفينة لخطر الغرق والكل يطلبون النجاة وساد الهرج علي ظهر السفينة ولكن كان كل هم البحار الذي ساعده في الهرب هو ان يخفيه عن عين القبطان وكان يخبئه بغرفة في القاع ويخرجه كل يوم لوقت قليل ليشم الهواء ويري الشمس . وعندما حاق الخطر أخذه البحار بسرعة وأنزله بتلك الغرفة وأغلقها عليه !. دخل الغرفة وهو مطمئن الي أن السفينة لو غرقت فهو الوحيد بها الذي لن تكون أمامه فرصة للنجاة ولا واحد في الألف ! ...فكيف ينجو من سفينة تغرق ان كان محبوسا بغرفة بالقاع والغرفة مغلقة عليه ولا يستطيع فتحها ؟
لم أقرأ سوي الجزء الأول فقط من مسيرة حياة المناضل " محمد يوسف الجندي " ولعله ان كان الجزء الأول قد أعيد أو سيعاد طبعه . يكون قد تم أو يتم مراجعته جيدا لحذف أحداث مكررة . لعل المرحوم الجندي لم ينتبه لها لكبر سنه وقتذاك حيث كان في حوالي السبعين وتوفي وهو يناهز الثمانين من عمره . وحينها كنت قد نبهته لذلك . والجدير بالذكر أنه كان قد نبهني أيضا الي ملحوظة هامة تخص كتابي " تحريرالرجل " قبل الطبع وسارعت بمعالجتها .
ولكن لم تغرق السفينة . ليعيش لأكثر من نصف قرن آخر. ويصير مالكا لاحدي دور النشر الهامة وينشر ابداعات المقفين كتاب وأدباء وشعراء . ويلحق بعصر الانترنت فينشر نعيه علي صحف الانترنت
آخر مرة قابلت فيها المناضل محمد يوسف الجندي كانت بعد خروجي من السجن السياسي في آخر أو أوائل 2004 عند موقف الأتوبيس بميدان عبد المنعم رياض بوسط القاهرة حيث كان ينتظر الميني باص وكنت أظنه لديه سيارة خاصة أو حتي يستخدم التاكسي .. ولكن كما قلت هذا جيل من المناضلين الرهبان .. أولم يكن كذلك المناضل اليساري المصري الشهير نبيل الهلالي .. يستقل الأتوبيس القاهري المعروف بسوئه وشدة زحامه . في ذهابه للمحاكم ليدافع عن العمال والفقراء متطوعا . بينما هو ولد وتربي بالقصور ! وسليل الباشوات ونجل رئيس وزراء مصر نجيب الهلالي باشا . !
وهكذا كان المناضل محمد يوسف الجندي . زاهدا بسيطا . وعندما رأيته للمرة الأولي اندهشت لكونه نحيلا وقصير. دقيق الجسم والملامح . أسمر مثل النيل . هاديء للغاية وخجول . مبتسم . خفيض الصوت
ولكنه يحمل اسم وتاريخ والده الذي كان محاميا . المناضل " يوسف الجندي " أحد ابطال ثورة 1919
فمضي علي طريق والده في النضال السياسي . فدخل السجون والمعتقلات . وواصل نضاله في المجال الثقافي فكانت دار النشر والمكتبة التي يمتلكها متخصصة في الثقافة التقدمية وواجه الكثير من الحملات التترية الأمنية فتعرضت الدار للاغلاق كثيرا وتعرض هو للاستجوابات الأمنية .
ولالقاء مزيد من الضؤ علي حياته ونضاله ومؤلفاته . اليكم تلك السطور(( نقلا عن نشرة مركز آفاق اشتراكية http://www.yasary.com :
(( .. تبرع بميراثة للحركة الشيوعية واحترف العمل الثورى ولعب دورا بارزا وقياديا في اللجنة الوطنية للطلبة والعمال عام 1946 التي قادت النضال الوطني وكانت تضم الشيوعيين والطليعة الوفدية ،وطوال فترة الأربعينات والخمسينيات كان أما معتقلا او هاربا وهو يمارس نضالا متواصلا .
تعرض للاعتقال لمدة خمسة سنوات من عام 1959 حتى عام 1964 اثناء هجمة النظام الناصرى على الشيوعين وظل متمسكا بمبادئة رغم حملات التعذيب التى تعرض لها الشيوعيين فى ذلك الحين، وخرج من المعتقل مباشرة ليؤسس دار الثقافة الجديدة التي ساهمت في تربية أجيال من الشيوعيين والاشتراكين وكانت منبرا للفكر الماركسي والاشتراكي والوطني ونشرت أكثر من خمسمائة كتاب فى الفلسفة والفكر والتاريخ والأدب والفن وساهمت في نشر الثقافة الرفيعة و نشرت الدار اولى اعمال عدد من الأدباء الشبان فى القصة والرواية والمسرح فى بداية مشوارهم الادبى منهم إبراهيم عبد المجيد وإبراهيم أصلان وصنع الله إبراهيم وغيرهم الكثير من الأدباء والمفكرين، وتعرضت دار الثقافة الجديدة إلى حملات أمنية عديدة والى مصادرة العديد من كتبها وأجهزتها طول فترة السبعينات وبداية الثمانينات.
كما ساهم فى تأسيس حزب التجمع عام 1976 وكان حريصا إن يظل التجمع منبرا يضم الشيوعيين والاشتراكين والقوميين والتيار الاسلامى المستنير .
عارض اتفاقية كامب دفيد وناهض سياسة الانفتاح الاقتصادي وممارسات الردة الساداتية والتى مازالت مستمرة حتى ألان .
تعرض للاعتقال أيضا طوال فترة السبعينات فى أعوام 81،79،77،75 متهما فى قضايا "الحزب الشيوعي المصري".
اسس دار العالم الثالث التي استمرت على نفس نهج دار الثقافة الجديدة وأصدرت ما يزيد عن المائة كتاب وساهم منذ عدة سنوات فى تأسيس مركز "افاق اشتراكية " وكان عضوا فى هئية تحرير مجلة آفاق اشتراكية التي صدر منها سبعة أعداد حتى اليوم .
واستمر الجندي حتى أخر يوم فى حياتة متمسكا بالشيوعية فى هدوء واصرار وكان متفائلا دوما حتى فى أحلك اللحظات بضرورة انتصار الاشتراكية التي تمثل قيم العدل والمساواة والحرية لكل البشر ....
- من مؤلفات محمد يوسف الجندى
*اليسار في الحركة الوطنية المصرية
* مسيرة حياتي... ثلاثه أجزاء
*ماذا يحدث فى العالم الاشتراكي
*كتاب "سقطة" ردا على التشهير باليسار المصري
*العولمة والأممية
21 فبراير يوم الطالب العالم
* " ألازمة التشيكية " بالاشتراك مع زكى مراد
كما ترجم العديد من الكتب منها :
ضد دوهرنج – فريديك انجلز /أسس الاشتراكية العلمية /المادية الديالكتكيية والمادية التاريخية/
تاريخ المجتمعات ما قبل الرأسمالية .
بالإضافة الى العشرات من المقالات فى المناسبات المختلفة . ))
======= =======
طاب مثوي المناضل محمد يوسف الجندي وطاب ذكره.
صلاح الدين محسن
===========

تعليقات