مقالات عام 2005 - 23

اصلاح الحكام أم المثقفين العرب ؟ أيهما أولا ؟ -  6


في المقالات الخمس السابقة في هذا الموضوع ، أشرنا - ونقلنا مقتطفات - الي ما كتبه مثقفون مصريون وعرب ، وقراء أيضا .. ويعني أن المثقفين أيضا في حاجة الي اصلاح ، ومن هؤلاء الذين استشهدنا بما كتبوه : الشاعر الكبير ، والصحفي الكبير ، والكاتب ، والمفكر، وقراء - كما ذكرنا - كتبوا ذلك في أكبر وأشهر موقع اليكتروني عربي ...
وقلنا أن المثقفين هم عقل وضمير كل أمة ، وأن يصل الفساد الي العقل والضمير ، فتلك كارثة يجب أن تدق لها كل نواقيس الخطر..
وفي هذا المقال الأخير ، نتساءل : ما هو السبيل الي الاصلاح الثقافي - اصلاح المثقفين .. عقل وضمير الأمة ؟! فالطريق الي اصلاح الحكام نعرفه جميعا : تداول السلطة ، اليموقراطية .. ولكن ماذا عن اصلاح المثقفين ؟
هذا ما يجب أن تعد له العدة من الآن .. والا فماذا بعد الاصلاح السياسي – أي اصلاح الحكام - ؟!
من ذا الذي سيقود الشعوب نحو النهوض والتقدم ..؟
من هم القدوة والأئمة الجدد الذين سوف تؤدي الشعوب خلفهم صلوات النهوض والارتقاء والتحضر..؟!
لعل الجواب هو بالطبع : لا أحد سوي المثقفين ..
فما هوالسبيل لاصلاح المثقفين ؟
فليدل كل بدلوه ، ويعط روشته للعلاج ، فليعالج ا لمثقفون أنفسهم بأنفسهم، فمن ذا الذي سوف يعالجهم ؟(!)
فليقل لنا من كتبوا عن تلك القضية الكبار الأفاضل الذين ذكرناهم من قبل في المقال الأول رؤيتهم للاصلاح الثقافي – اصلاح المثقفين – بعد أن عرفنا منهم ومن غيرهم كيفية الاصلاح السياسي - اصلاح الحكام- .. 
وبالطبع ، لا مفر أمامي من أنقل رؤيتي أنا أيضا :
فأقول : لعل أبجديات الحضارة والتحضر هي : احترام الميعاد حتي التقديس ، احترام الوعد ، احترام اشارات مرور السيارات والمشاة
، احترام كلمة ممنوع عندما تكتب في أي مكان مثل : ممنوع التدخين ، منوع القاء الفضلات ، ممنوع الانتظار .. ولا مزاح في ذلك ، ولا مبررات ، ولا مساومات علي الاطلاق ... 
ولكن : لا أكاد أذكر ندوة ثقافية ، أو أمسية شعرية ، أو مؤتمر ثقافي - أو حتي علمي – عقد في الميعاد المحدد له .. (!) ، وانما يتأخر لساعة ، وساعتين ، ولأكثر من ذلك أيضا .. .. ولا أكاد أذكر منتدا ثقافيا يخلو من التدخين ، في قاعته المغلقة وقت الندوة أو المحاضرة .. وكثيرا ما تفشل كل جهود البعض لمنع المثقفين من التدخين في ذاك المكان العام المغلق ..(!)، ولا أذكر عدد الندوات التي اضطررت للانصراف منها قبل بدئها اما بسبب التدخين أو بسبب تأخرها عن ميعادها بشكل غير معقول مما يفقدني الثقة في مصداقية المتكلمين بها و فيما سيقولونه طالما أنهم هكذا غير منضبطين ، غير ملتزمين ، فالكلام الجميل والمفيد كثير ولكن المهم أن أسمعه ممن يحترمه.. .، والصالونات الثقافية المبرأة من ذلك والتي يمكن استثناؤها هي قليلة ، وأذكر منها : 
- " جمعية النداء الجديد " ، بحي المهندسين – ، والمراكز الثقافية الأجنبية بالطبع ..
- وفي احدي الرحلات لجماعة من المثقفين فشلت كل المحاولات لاقناع المدخنين منهم - وعلي رأس هؤلاء المدخنين شاعر يحمل لقب الكبير - بعدم التدخين رحمة بغيرهم ..، والأتوبيس كان مكيفا وبه أطفال منهم طفل لأديبة دون العاشرة من عمره ، بل واحدي السيدات كانت تحمل طفلا رضيعا .. ، لم يرحمه المثقفون وعلي رأسهم حامل لقب " الشاعر الكبير .. " ، وأذكر أنه في النصف الثاني من عام 2004 تقريبا ، حضرت محاضرة باحد التجمعات الثقافية بالقاهرة وكان العدد قليل جدا ربما عشرة ، أو أكثر قليلاوكانت المحاضرة عن حقوق المؤلف ، والمحاضر صحفي – مراسل – لاحدي كبري الصحف المصرية في الخارج ..، وبينما هو يتكلم فاذا بأحد الجالسين وهو عضو بمجلس ادارة ذاك التجمع ، تأتيه مكالمة علي تليفونه الموبايل ، وظننت أنه سوف يشعر بالخجل وسيتأسف ويسارع باغلاق التليفون ، أو سيعتذر ويهرول خارج القاعة ليتلقي مكالمته ، وقد اعتراه الاحساس بالحرج ..، ولكن شيئا من ذاك لم يحدث ، وانما : فتح تليفونه بكل اطمئنان وراح يتكلم ويرد علي المكالمة وهو يجلس كتفه بكتف المحاضر ..
- وظننت أن المحاضر سوف يتوقف ، كاحتجاج مهذب ، أو لحين انتهاء - الناقد والشاعر والأستاذ الجامعي – من المكالمة ، ولكنه استمر في كلامه وصاحبنا أيضا يتكلم في التليفون – كلاهما في وقت واحد - ..
- ( موضوع لا يصدق .. أليس كذلك ؟!! ) ، وبعدها أخرج نفس الأستاذ الناقد الشاعر الأستاذ الجامعي ، علبة سجائره وأشعل سيجارة ، ثم تبعه في ذلك ثان ، فثالث ..
- و بينما نحن في القرن الواحد والعشرين ، لا ندري ان كان لا يزال هناك من يتصرف هكذا من المثقفين ، ببلاد الله الأخري أم لا ؟(!!)
- مرة واحدة زرت فيها صالون الطبيب ، والعلامة .. ، بحي المعادي بالقاهرة ، وهو من أرقي الصالونات الثقافية في مصر، ولكني اضطررت الي الانصراف قبل أت تنتهي ، فلماذا يا تري ؟! أولا كان المفروض أنه يوجد ضمن برنامج الصالون عزف موسيقي لمدة ساعة قبل بداية المحاضرة ، وقد فرحت جدا ، ورحت مبكرا لاستمتع بسماع الموسيقي ، فاذا بالسادة الحضور يكونون مجموعات ،
- وكل مجموعة تثرثر في موضوع أو مواضيع بينما الموسيقي تعزف ولا أدري لمن ؟! ناشدت المجموعة القريبة مني ضاحكا "واذا عزفت الموسيقي فاستمعوا لها وأنصتوا " ضحكوا ولكنهم استمروا في الثرثرة ، انتقلت بعيدا فاذا مجموعة أخري تفعل نفس الشيء ( الصالون واسع للغاية ) .. أما المحاضر ..، والذي هو وزير سابق للصحة فقد جاء متأخرا عن الميعاد بوقت كبير ربما قارب الساعتين ، وعندما وصل في محاضرته الي امتداح السيدة الفاضلة .. حرم السيد الفاضل .. .. بلا مناسبة أو داع .. وجدت أن ظهر
- البعير الذي لم يكن تنقصه سوي تلك القشة ، قد انقصم ، فانصرفت ..، وفي اليوم التالي قلت للدكتور صاحب الصالون وهو عالم جليل أحترمه كثيرا : " للأسف أن أغلب المثقفين الذين كانوا موجودين ، لا يستحقون صالونك المحترم .."
- تجري انتخابات لاختيار مجلس ادارة جديد وفي أواخر عام2004 كانت احدي جماعات المثقفين كتاب وفنانين، مقرها بوسط القاهرة ، 
- - كنت موجودا بصفتي عضوا - ، وقام أحد الأعضاء وطلب أخذ الموافقةعلي منع التدخين ، فاذا بحشد من الأصوات تصيح في وجهه معترضه ، واضطر لللانسحاب وجلس وكله شعور بالخزي ، بينما هو لم يطلب سوي حق من أبسط حقوق الانسان الحديث!!
- وفي أوائل عام 2004 ، وربما آخر عام 2003 – لا أتذكر بالضبط حضرت مؤتمرا للمثقفين العرب - الكتاب – بمكتبة القاهرة الكبري بالزمالك- كعضو - ، وفي فترة الاستراحة بحديقة المكتبة الواقعة علي ضفة النيل ، كان الجميع يتناولون المشروبات وبعض الحلوي ، ولاحظت أن الفضلات ، والفوارغ تلقي في أي مكان مما يشوه جمال الحديقة ، وبطريقة همجية تماما ، التفت فوجدت أحد القيادات – ناقد مصري ، وأستاذ جامعي أيضا – خلاف من أشرت اليه من قبل - ، وبدون ذكر أسماء فليس الغرض الاساءة لأحد وانما هو عرض لوضع عام.. وفقلت له وأنا أشير نحو البساط الأخضر للحديقة الذي فرشته وشوهته الفضلات : انظر ماذا فعل الأدباء والشعراء "!!
- فرد علي بلهجة الناصح الأمين ، بكلمة راح يضغط علي كل حرف فيها " انننسي .." أي علي بالنسيان وكررها مرة أخري .. – وكنت لا أزال أضمد جراح نفسي من السجن السياسي - ، فقلت له : الي متي سنظل ننسي وقد تقدمت علينا حتي الهند وتايوان ..؟!!
- من النادر أن يعير مثقف كتابا لمثقف آخر ويعياد له كتابه ثانية وان طالبه وأصر، فقد يصل الأمر الي مشادة وقطيعة !! بل ان هناك مقولة غريبة تتردد ، تصف من يقرض كتابا وكذلك من يقترض كتابا ثم يعيده لصاحبه ، كلاهما بصفات سيئة هي : بين الحماقة والتغفيل..!! بل وتنسب تلك المقولة الي العقاد (!) .. وهذا ما لا أصدقه.. بينما المفروض أن المقولةالواجب أن تكون شائعة بين مثقفين هي التي تدعو الي اقراض الكتاب لمن يحتاجه والي ضرورة اعادة الكتاب المقترض لصاحبه مقرونا بالشكر والعرفان ..ولكن الأمور قد انقلبت !!
- قد يري البعض أن تلك أشياء بسيطة، ولكنها في الحقيقة : ألف باء التحضر والمتحضرين .. من يحفظها عن ظهر قلب فسوف يتمكن من قراءة كتاب التقدم والرقي حتي آخر صفحة وآخر سطر من سطوره .. والعكس بالعكس ...
- بقي أن يكتب لنا المثقفون العرب الكبار – ولاسيما الذين ذكرناهم من قبل – ممن يؤمنون بحاجة دولنا الي اصلاح ثقافي ملح بجانب الاصلاح السياسي .. اصلاح المثقفين وليسوا الحكام وحسب .. أن يسجلوا لنا تصوراتهم لخطط اصلاح المثقفين لأنفسهم ..
- والا : ماذا سنفعل بعد الاصلاح السياسي، بعد تغيير الحكام ؟هل سيخرج من بيننا من يفعل مثلما فعلوا ويفسد مثلما فسدوا؟!!
- أم سينهض بلدنا كتلك الدول التي نهضت وسبقتنا ؟!
 
- هذا ما يجب أن نهتم به و نعد له العدة من الآن.. 

=====

تعليقات