كتابات مختارة


الحكمة البرتغالية في المسألة الباليستية


سمير عطا الله     كاتب وصحافي لبناني
موقع الشرق الأوسط - لندن - 3-5-2018

كان أنطونيو سالازار *، حاكم البرتغال، يردد باستمرار: «لا غاية لي غير التي تمكنني من أن أمكن البرتغالي من أن يحيا حياته العادية. حياة كل يوم». خلال حرب لبنان، ومذلة اللبنانيين الكبرى، كان جميع الأهالي يرددون: «لا نريد أكثر من أن يخرج أبناؤنا إلى أعمالهم، ويعودوا».
أكثر من يعرف معنى هذا القول الآن، السوريون والعراقيون، الذين يعيشون حياة غير عادية. أي أن كل مقومات العيش صعبة ومهددة: الأمن، والعمل، والرغيف، والطمأنينة، وحرية الفكر، والتنقل. لا شيء فوق العادة. فقط تلك العاديات البديهية التي تتمتع بها معظم شعوب الأرض.
انقلاب كيم جونغ أون على نفسه أحرج عالم البطولات والصواريخ في كل مكان. أخيراً ترك الزعيم المبجل إرث جده ووالده من الخطب والحروب والتهديدات، وقرر أن يمنح شعبه أغلى شيء يمكن أن يقدمه له: حياة عادية فيها ما يكفي من الأرز وحليب الأطفال، وفيها القليل من الحرية، ويسمح فيها للشعب الكوري بأن يشاهد الأفلام التي يشاهدها زعيمه.
كان كيم أون إلى أسابيع قليلة، يريد أن يهزم الإمبريالية، ويدمر مدن أميركا، ويهدد اليابان، ويمحو كوريا الجنوبية. وربما كان كل ذلك مهماً. لكن يبدو أن هناك من أقنعه بأن عليه قبل ذلك أن يؤمِّن الطحين للأفران، والوقود للسيارات - إذا وُجدت - ومنهجاً مدرسياً يعلم شيئاً غير خُطب كيم إيل سونغ، لأن عالم كيم إيل سونغ أصبح مما قبل التاريخ.
مسيرة أون نحو الحياة العادية على رأس شعبه سوف تُحرج أنظمة كثيرة تُطلق صواريخها خارج الحدود. سوف تعلن الثورة الإيرانية نجاحها عندما يعلن الرئيس روحاني أنه سوف يترك اليمن، وسوريا، والعراق، ولبنان، ومصر، والبحرين، لكي يعود إلى طهران. وعندما يعلن إنجازات حكومته في محاربة البطالة والفقر، لأن ذلك هو الانتصار الأكبر على الشيطان الأكبر. الشعوب التي لا تعرف الكفاية العادية، شعوب منكسرة.
لقد تجمع العالم حول كيم أون، ولم يعد مرتعباً من هواياته المرعبة. اليابان وأميركا وكوريا الجنوبية تعرض عليه الانضمام إلى نادي الحياة العادية. أفران على رفوفها خبز، وعملة مقبولة في السفر، وبرامج مدرسية تمكِّن الطلاب من التعرف إلى حدث حديث يدعى شكسبير. مثلاً.

لقد وضع سالازار شعاراً بسيطاً لا يناقش. ليس فيه جدليات ماركس، ولا فورات لينين، ولا فلسفات الرأسمالية: مجرد حياة عادية كي يرتاح هذا العالم من الثقافة الباليستية.

------ 
*  أنطونيو دو أوليفيرا سالازار 28 أبريل 1889 – 27 يوليو 1970
=========

تعليقات