كل الناس يفكرون كثيراً في الموت.. ولكنهم ان فضفضوا لغيرهم بهواجسهم حوله . لا يطيلون الحديث . كل واحد يخشي أن يمله الآخرون , اذا ما أسهب قليلاً في حديثه عن الموت
ويظل بينه وبين نفسه يتساءل : متي سأموت ؟ لا أعرف !! وكيف ؟ كيف لا يكون من حقي أن أعرف متي وكيف سأموت ؟ ويا تري سأموت فوق الأرض , أم تحتها بفعل زلزال أو سقوط عقار !؟ أم سأموت في الجو بطائرة تحترق وتنفجر وقد لا يعرفوا لي جثة !؟ أم سأموت غريقاً في سفينة بالبحر. بمكان تكثر فيه أسماك القرش , فأكون طعاماً لها ؟؟ أم سأموت علي فراشي , كريماً, ويدفن جثماني ويعرف الأهل مكانه .. أم سأموت وأدفن في الغربة؟ وما الفرق ؟ ففي النهاية كما يقول عمر الخيام - سوف تمتزج في التراب : " جمجمة الشاه - الملك - بساق الفقير .. " ..
لي أصدقاء - بالخارج - اختاروا حرق الجثمان بعد الموت . منهم طبيب مصري أعرفه - وآخرون - .. المهم أن الناس لا تستطيع أن تعرف بالضبط متي وكيف سيموتون ؟؟
وهل كانت سعيدة تلك السيدة - زوجة أحد معارفي - بالخارج . حيث أعيش - التي حدد لها الطبيب 5 شهور علي قيد الحياة ثم تموت بالسرطان - حالتها كانت متأخرة جداً .. فأعدت بنفسها كل شيء . خطوات التكفين والتشييع . والعزاء .. ورتبت كل شيء . ارث وديون لها أو عليها .. عرفت وتأكدت - من تحاليل وفحوصات كثيرة , لدي كذا طبيب - وبالفعل ماتت مستريحة . فهل كانت سعيدة .. ؟ أم انه ولا حتي بعد دقيقة يمكننا أن نضمن أن يحدث شيء يغير كل الحسابات والترتيبات !؟ .. فهل كانت تلك السيدة التي عرفت ميعاد موتها .. ورتبت له .. تضمن عدم وقوع زلزال يأتي بعاليها في أسفلها ؟ أو بركان يصهر كل شيء .. ويطمس كل شيء ؟ أو حادث سير يحدث أثناء تنقلها طوال الشهور المحددة لها علي قيد الحياة ..فلا تموت علي فراشها وانما في مشرحة مستشفي .. !!؟
كل تلك الأفكار , لعل غالبية الناس , ان لم يكن جميعهم .. يفكرون فيها بينهم وبين أنفسهم . ويتجنبون طرحها في حديث مع الآخرين بسبب الازعاج .. فيتجنبونه .. حتي الأغاني التي تتناول تلك القضية .. سرعان ما تبتعد عنها إما بالدعوة للهو بمتعة الحب والغرام , أو بالشراب .. مثل أغنية " من غير ليه " لمحمد عبد الوهاب .. أو قصيدة رباعيات الخيام .. التي تهرب فيها أم كلثوم - مع السنباطي - من الحديث عن لغز الحياة وما بعدها ... فبعدما تشدو قائلة بشعر الخيام : " فكم تساوي في الثري راحل غداً وماض من ألوف السنين " . نجدها تتحول مبتعدة بسرعة الي الشدو : أطفيء لظي القلب بشهد الرضاب " والرضاب هو رحيق الشفايف الحلوة .. أي هروب من الموضوع والمصير المجهول للبشر بعد الموت - بالانغماس في لذة الغرام
الشاعر التونسي " أبو القاسم الشابي " الذي رحل في ريعان الشباب .. كان له رأي فيما بعد الموت . عبر عنه بقصيدة كنت شغوفاً بقراءتها . وقتما كنت في أوائل العشرينيات من عمري , من وقت لآخر أقرأها وعيناي تلتهمان السطور بفرح وابتهاج! وهذا ما تقوله القصيدة التي عنوانها : الي الموت " !! :
صَبِيَّ الحَيَاةِ الشَّقِيَّ العنيدْ أَلا قدْ ضَلَلْتَ الضَّلالَ البعيدْ
أَتُنشدُ صوتَ الحَيَاةِ الرخيمَ وأَنتَ سجينٌ بهذا الوجودْ
وتَطْلُبُ وَرْدَ الصَّبَاحِ المخضَّبَ مِنْ كفِّ حَقْلٍ حَصِيدْ
إلى المَوْتِ إنْ شِئْتَ هَوْنَ الحياة فَخَلْفَ ظلامِ الرَّدى مَا تُرِيدْ
إلى المَوْتِ يا ابنَ الحَيَاةِ التعيسَ ففي الموتِ صَوْتُ الحَيَاةِ الرخيمْ
إلى المَوْتِ إن عَذَّبَتْكَ الدُّهورُ ففي الموتِ قَلْبُ الدُّهورِ الرَّحيمْ
إلى المَوْتِ فالموتُ رُوحٌ جميلٌ يُرَفْرِفُ مِنْ فوقِ تِلْكَ الغُيومْ
فَرُوحاً بفَجْرِ الخُلُودِ البهيجِ وما حَوْلَهُ مِنْ بَنَاتِ النُّجومْ
إلى المَوْتِ فالموتُ جامٌ رَوِيٌّ لمنْ أَظْمَأَتْهُ سُمُومُ الفَلاةْ
ولَسْتَ براوٍ إِذا مَا ظَمِئْتَ من المنبعِ العذْبِ قبلَ المَمَاتْ
فما الدَّمعُ إلاَّ شرابُ الدُّهورِ وما الحزنُ إلاَّ غِذَاءُ الحَيَاةْ
إلى المَوْتِ فالموتُ مهدٌ وَثيرٌ تَنَامُ بأَحضانهِ الكَائناتْ
إلى المَوْتِ إن حاصَرَتْكَ الخُطوبُ وسَدَّتْ عليكَ سَبيلَ السَّلامْ
ففي عالمِ الموتِ تَنْضُو الحَيَاةُ رِداءَ الأَسى وقِنَاعَ الظَّلامْ
وتبدو كما خُلِقَتْ غَضَّةً يَفيضُ على وَجْهِها الإِبْتِسامْ
تُعيدُ عليها ظِلالَ الخُلودِ وتهفو عليها قُلُوبُ الأَنامْ
إلى المَوْتِ لا تَخْشَ أعماقه ففيها ضياءُ السَّماءِ الوَديعْ
وفيها تَمِيسُ عذارى السَّماءِ عواريَ يُنْشِدْنَ لحناً بَديعْ
وفي رَاحِهنَّ غُصُونُ النَّخيلِ يُحَرِّكْنَها في فَضَاءٍ يَضُوعْ
تضيءُ بهِ بَسَمَاتُ القُلُوبِ وتخبو بهِ حَسَراتُ الدُّموعْ
هو الموتُ طيفُ الخلودِ الجميلُ ونِصْفُ الحَيَاةِ الَّذي لا يَنُوحْ
هنالكَ خلفَ الفضاءِ البعيدِ يَعيشُ المنونُ القَوِيُّ الصَّبُوحْ
يَضُمُّ القُلُوبَ إلى صَدْرِهِ ليأسوَ مَا مَضَّها مِنْ جُروحْ
ويبعثَ فيها رَبيعَ الحَيَاةِ ويُبْهِجُها بالصَّباحِ الفَرُوحْ
وتَطْلُبُ وَرْدَ الصَّبَاحِ المخضَّبَ مِنْ كفِّ حَقْلٍ حَصِيدْ
إلى المَوْتِ إنْ شِئْتَ هَوْنَ الحياة فَخَلْفَ ظلامِ الرَّدى مَا تُرِيدْ
إلى المَوْتِ يا ابنَ الحَيَاةِ التعيسَ ففي الموتِ صَوْتُ الحَيَاةِ الرخيمْ
إلى المَوْتِ إن عَذَّبَتْكَ الدُّهورُ ففي الموتِ قَلْبُ الدُّهورِ الرَّحيمْ
إلى المَوْتِ فالموتُ رُوحٌ جميلٌ يُرَفْرِفُ مِنْ فوقِ تِلْكَ الغُيومْ
فَرُوحاً بفَجْرِ الخُلُودِ البهيجِ وما حَوْلَهُ مِنْ بَنَاتِ النُّجومْ
إلى المَوْتِ فالموتُ جامٌ رَوِيٌّ لمنْ أَظْمَأَتْهُ سُمُومُ الفَلاةْ
ولَسْتَ براوٍ إِذا مَا ظَمِئْتَ من المنبعِ العذْبِ قبلَ المَمَاتْ
فما الدَّمعُ إلاَّ شرابُ الدُّهورِ وما الحزنُ إلاَّ غِذَاءُ الحَيَاةْ
إلى المَوْتِ فالموتُ مهدٌ وَثيرٌ تَنَامُ بأَحضانهِ الكَائناتْ
إلى المَوْتِ إن حاصَرَتْكَ الخُطوبُ وسَدَّتْ عليكَ سَبيلَ السَّلامْ
ففي عالمِ الموتِ تَنْضُو الحَيَاةُ رِداءَ الأَسى وقِنَاعَ الظَّلامْ
وتبدو كما خُلِقَتْ غَضَّةً يَفيضُ على وَجْهِها الإِبْتِسامْ
تُعيدُ عليها ظِلالَ الخُلودِ وتهفو عليها قُلُوبُ الأَنامْ
إلى المَوْتِ لا تَخْشَ أعماقه ففيها ضياءُ السَّماءِ الوَديعْ
وفيها تَمِيسُ عذارى السَّماءِ عواريَ يُنْشِدْنَ لحناً بَديعْ
وفي رَاحِهنَّ غُصُونُ النَّخيلِ يُحَرِّكْنَها في فَضَاءٍ يَضُوعْ
تضيءُ بهِ بَسَمَاتُ القُلُوبِ وتخبو بهِ حَسَراتُ الدُّموعْ
هو الموتُ طيفُ الخلودِ الجميلُ ونِصْفُ الحَيَاةِ الَّذي لا يَنُوحْ
هنالكَ خلفَ الفضاءِ البعيدِ يَعيشُ المنونُ القَوِيُّ الصَّبُوحْ
يَضُمُّ القُلُوبَ إلى صَدْرِهِ ليأسوَ مَا مَضَّها مِنْ جُروحْ
ويبعثَ فيها رَبيعَ الحَيَاةِ ويُبْهِجُها بالصَّباحِ الفَرُوحْ
---

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق