مقتطفات من مقال د. كامل النجار . منشور يوم 6-7-2020 بموقع الحوار المتمدن . بعنوان " الفصل الخامس 2-2 " :
الخطوة التالية كانت التعليم. فتحوا التصديقات للمدارس الخاصة التي أنشأها أعضاء الجماعة وفي نفس الوقت أهملوا المدارس الحكومية التي أصبحت ميزانية وزارة التعليم فيها تساوي اثنين بالمائة فقط من موازنة الدولة. وكذلك فتحوا المجال للجامعات الخاصة التي يمتلكها أعضاء التنظيم، فأصبحت كليات الطب في الخرطوم أكثر من ثلاثين كلية تُخرّج أكثر من خمسة آلاف طبيب ولا تستوعب الحكومة منهم إلا حوالي ألف طبيب. ولأن كل الكليات فُتحت في وقت وجيز لم يكن هناك أعداد كافية من الأساتذة وبالتالي انحط مستوى التدريس في الجامعات الخاصة.
خطوتهم التالية التي قصمت ظهر السودان كانت تمرير قانون يجعل السودان كله خاضعاً للشريعة الإسلامية مع العلم أن ثلث أهل السودان في الجنوب مسيحيون أو لا دينيون. أدى هذا القرار إلى اشتعال فتيل الحرب بين الشمال والجنوب. استغل الإخوان الدين الإسلامي لتجنيد الشباب الشمالي للحرب وجعلوا التطوع للحرب خدمة إلزامية. أرسلوا أبناء الشعب إلى اتون الحرب وكثر عدد الضحايا من الشباب الذين لم يكن بينهم ولا شاب واحد من أبناء قادة الحركة الإسلامية. خدعوا الناس بما يُسمى عرس الشهيد. في كل يوم يطوف وفد من الإسلاميين على بيوت العزاء ليقولوا لأهل الشهيد أبشروا إن ابنكم الآن في الجنة تحتفل به بنات الحور وقد تعشى مع النبي البارحة. في البداية سموا الشوارع الرئيسية في الخرطوم بأسماء الشهداء حتى لم تعد هناك شوارع لكل الشهداء.
كان السودان يصدر يومياً 300000 برميل نفط، وكان دخل الحكومة من النفط مليارات الدولارات سنوياً. كانت الحكومة تورد 20 مليون دولار شهرياً في حساب عمر البشير الشخصي (حسب منشور لجنة استرداد المال العام) وتصرف الباقي على الحرب والمليشيات والأمن القومي الذي يقوم بالاعتقالات والتعذيب. ولما انفصل الجنوب ذهبت معه كل آبار النفط وأفلست حكومة السودان. لجأت الحكومة للجبايات من المواطنين ثم باعت الخطوط الجوية السودانية لشركة كويتية خاصة، وباعت الشركة بدورها كل ما تستطيع بيعه وسرّحت موظفي وعمال الخطوط الجوية السودانية، وأصبحت الخطوط تمتلك طائرة واحدة للشحن ولا شيء غيرها. بعض كبار الموظفين الذين كانوا في مجلس إدارة الخطوط الجوية السودانية أصبحوا يمتلكون خطوط طيران خاصة.
رفعت الحكومة يدها عن التعليم نهائياً وأصبحت المدارس الحكومية تطالب التلاميذ برسوم الكتب والامتحانات وحتى بعض المدارس أصبحت تطلب من التلاميذ التبرع لفطور الأساتذة. أغلب المدرسين هاجروا إلى دول الخليج وانحط مستوى التعليم في جميع مراحله. وأصبح هناك حوالي أربعة مليون طفل خارج منظومة التعليم لأن أسرهم لا تستطيع دفع تكاليف التعليم، أو لأن الأسر تحتاج إلى الدخل الإضافي من عمل هؤلاء الأطفال في غسيل السيارات أو أي عمل أخر. عدد كبير من الأطفال في الخرطوم لا أسر لهم ولا مأوى ويعيشون في الطرقات (أطفال شوارع). حوالي 40 بالمائة من المدارس الحكومية ليس بها كراسي لجلوس التلاميذ فأصبحوا يجلسون على الأرض وكل ثلاثة أو أربعة تلاميذ يشتركون في كتاب واحد.
أصبح بعض كبار مسؤولي الحكومة تجار مخدرات. كانت المخدرات تأتي بالحاويات إلى ميناء بورتسودان ثم أصبحت تأتي بطائرات تحط في مدرجات مصنع التصنيع الحربي. في إحدى الجامعات الخاصة بالخرطوم اعترف خمسة وعشرون بالمائة من طلاب الجامعة بأنهم يتعاطون المخدرات.
المستشفيات الحكومية أصبحت هياكل فقط. حتى الأدوية المنقذة للحياة معدومة في أغلب المستشفيات. الأطباء، حتى الاستشاريين منهم الذين يفترض أن يشرفوا على تعليم الأطباء الصغار أصبحوا يعملون في عياداتهم الخاصة طوال اليوم ولا يزورون المستشفيات الحكومية إلا مرة أو مرتين في الأسبوع. نسبة ضئيلة جداً من المواطنين تستطيع العلاج في المستشفيات الخاصة. بقية المواطنين رجعوا إلى العلاج بالرقية الشرعية وبالأدوية البلدية. وفي نفس الوقت صرفت الحكومة 630 ألف دولار لعلاج زوجة خال الرئيس في الهند (حسب لجنة استرداد المال العام). كل الوزراء وعوائلهم يتعالجون في أوربا أو أمريكا على حساب الحكومة.
خطوط السكة حديد اهملتها الحكومة وباعت جزءاً منها كخردة. أصبحت البضائع تُرحّل بين المدن السودانية بالشاحنات وبالتالي تضاعفت أسعارها وازدحمت الشوارع بالشاحنات مما زاد في حوادث الطرق. وليزداد الطين بله سمحت الحكومة لبعض مسؤولي الحركة الإسلامية باستيراد سيارات من كوريا الجنوبية والصين معفية من الجمارك فازدحمت شوارع البلاد بالسيارات وتضخمت أرباح مسؤولي الحركة الإسلامية.
أغلب كبار أعضاء الحركة الإسلامية أصبحوا يملكون مليارات الدولارات في بنوك ماليزيا وتركيا والأمارات العربية. وفي الخرطوم أصبحت الموضة امتلاك قطع الأراضي السكنية. وزير الخارجية الأسبق، علي كرتي، يمتلك مائتي قطعة سكنية، ووزير الزراعة الأسبق، عبد الحليم المتعافي، يمتلك أكثر من تسعين قطعة سكنية. عضو بارز في الحركة الإسلامية أخذ سلفية من بنك الثروة الحيوانية واشترى البنك ذاته ثم أعفى نفسه من دفع السلفية. والي الخرطوم لم يجد الميزانية الكافية لتصريف أعمال العاصمة فرهن كل مباني الوزارات للبنوك التجارية واستأجرت الحكومة المباني من البنوك.
السودان مليء بالذهب فسمحت الحكومة للمواطنين باستخراج الذهب باستعمال الزئبق الذي يضر بالبيئة، وكان بنك السودان يشتري من المواطنين الذهب بالعملة المحلية ثم يبيعه بالدولار للخارج. والغريب أن دخل البنك المركزي من الذهب ودخله من النفط قبل انفصال الجنوب لم يكن يدخل في الموازنة العامة، ولا أحد غير الحكومة يعرف كم دخل السودان من الذهب والنفط
بعد أن أفلست الحكومة في عام 2008 قامت باعتقال أعداد كبيرة من المستثمرين لأنهم كانوا يحصلون على قروض كبيرة من البنوك الإسلامية ثم يستعملون العملة المحلية في شراء الدولار من السوق السوداء ولا يسددون ما عليهم من ديون للبنوك. " شنت الحكومة السودانية حملة اعتقالات على عملاء البنوك السودانية المتعثرين في سداد ما عليهم من تمويل طالت حتى الان نحو 237 من كبار المستثمرين ورجال المال والاعمال في البلاد، ومنهم شخصيات لامعة وذلك بتهمة تخريب القطاع المصرفي. وقررت السلطات السودانية عدم الافراج عن رجال الاعمال البارزين هؤلاء الا بعد تسديد ما عليهم من متأخرات. وقال مسؤول في النيابة «انها حرب لن تنتهي الى ان تعود الامور الى نصابها».
وكشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الاوسط» عن «تحقيقات سرية» مع مسؤولين في المصارف بتهمة تورطهم في ازمة سداد التمويل، بينهم مديرو بنوك وموظفون في ادارات الاستثمار في البنوك"(104)
وعندما نجحت الثورة وزال حكم البشير، عثرت الشرطة على ملايين الدولارات وملايين من العملة المحلية في منزل البشير. وعندما حققت معه المحكمة قال إن الأمير محمد بن سلمان أرسل له خمسة وعشرين مليون دولار كاش بطائرة خاصة وطلب منه أن يتصرف بها فيما يراه مناسباً. وهذا أسوأ أنواع الفساد. الإسلاميون لا يعترفون بالحدود الجغرافية للبلاد ولا بالولاء للبلد لأن المسلم وطنه دينه، كما يزعمون. ولذلك يسهل عليهم بيع الأوطان لمحمد بن سلمان أو محمد بن زايد
تونس:
تونس الخضراء الجميلة شاء سوء طالعها أن يرجع إليها الغنوشي من لندن بعد إزاحة بن علي. أول ما رجع الغنوشي من لندن سافر إلى الخرطوم للاجتماع بحسن الترابي ليتعلم منه كيف يحكم تونس كما حكم حسن الترابي الخرطوم. الغنوشي عندما هرب من تونس أيام حكم بن علي ذهب أولاً إلى الخرطوم واحتضنه الترابي مع أسامة بن لادن وكل الإخوان المسلمين الهاربين من مصر، وكذلك أعضاء من حماس.

زعم الغنوشي أنه لا يرغب في أي مناصب حكومية ولكن بمجرد أن فاز حزبه بالغالبية في البرلمان أصر أن يكون هو رئيس البرلمان. وعندما اختاروه رئيسا للبرلمان أصر أن يملي شروطه على رئيس الحكومة. وأصبح البرلمان كالنادي الأدبي كل يوم يناقش الأعضاء الفضائح الجنسية للنواب.
الغنوشي ماهر في الخداع وهو يخطط لأن يحكم تونس كما حكم الترابي السودان. ولكن من المؤكد أنه لن ينجح فالشباب التونسي أوعى من أن يفرط في ثورته
يبدو أن الترابي ندم على تجربته الفاشلة في حكم السودان فتقدم بمذكرة تفاهم في جنيف مع الحركة الشعبية التي قادت إنفصال الجنوب، بتاريخ 19/2/2001م، أدان فيها النهج الانقلابي الشُّمولي، والمشاريع الأحاديَّة للحكم، والعدوان على الحريَّات، وانتهاكات حقوق الإنسان، وعدم الاعتراف بواقع التعدُّد والتنوُّع الدّيني والسّياسي والثقافي في السودان، والتنكر لحقّ تقرير المصير كحقّ إنساني مشروع، ونادت بتجاوز أجواء التفاوض السَّابقة مع النظام، ومقاومته، سلميَّاً، حتى يتخلى عن نهجه الشُّمولي، كما نادت بضرورة إلغاء القوانين المقيّدة للحريَّات (قوانين الترابي نفسه)، وعدم سَنّ أخرى جديدة، ورفع حالة الطوارئ، وإطلاق سراح المعتقلين، والتوصُّل لاتفاق سلام عادل، ووحدة طوعيَّة ، وحلّ وطنيّ للأزمة السودانية يقرُّه الشَّعب وقواه السّياسيَّة كافة، وكذا بناء ديموقراطيَّة حقيقيَّة تصون الحريَّات والحقوق، وتضمن التداول السّلمي للسُّلطة في إطار حكم لا مركزي، وطالبت، إلى ذلك، بالتراضي على عقد اجتماعي جديد لا يسمح بالتمييز بين (المواطنين) على أساس الدّين أو الثقافة أو العرق أو النوع أو الإقليم، وباعتبار المحاسبة على القمع والجرائم التي ارتكبت أمراً مشروعاً وضروريَّاً لمستقبل الحياة العامة، وبانتهاج سياسة خارجيَّة تقوم على مبادئ حسن الجُّوار، والتعاون الإقليمي والدولي، وعدم التدخُّل في شئون الآخرين" .
كلام الترابي أعلاه يوحي بأنه اقتنع أن الإسلام لا يصلح أن يكون حاكماً في أي دولة فيها مواطنون غير مسلمين. الإخوان المسلمون منذ تكوين جمعيتهم أو حزبهم ظلوا يقولون "الإسلام ديننا والقرآن دستورنا والنبي زعيمنا". فهل يصلح القرآن أن يكون دستوراً لأي أمة في القرن الحادي والعشرين؟
ليس هناك بلد في العالم الآن كل مواطنيه على دينٍ واحد ولهم نفس الآراء والأفكار. حتى الحرب العالمية الثانية كانت اليابان هي البلد الوحيد تقريبا الذي ينساب كل مواطنوه من إثنية واحدة ويعتنقون نفس الدين. ولكن تغير الوضع بعد الحرب العالمية الثانية.
نحن نعتقد أن القرآن حتماً لا يصلح دستوراً لأي مجموعة من الناس في زماننا هذا لأن تعريف الدستور حسب قاموس Merriam-Webster هو "القواعد الأساسية والقوانين التي تحكم أمة، أو دولة، أو مجموعة من الناس، ويتقرر على ضوء الدستور سلطات وواجبات الحكومة وتضمن حقوق معينة لمواطني تلك الدولة". فهل يضمن القرآن حقوق المواطنين؟
القرآن به أكثر من 6200 آية، عدد الآيات التي بها أي نوع من القوانين لا يتعدى عدد أصابع اليدين. بقية الآيات عبارة عن قصص وأمثال وأساطير
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق