كتب : صلاح الدين محسن
8-8-2020
سوف نعرض آراء بعض الشعراء , في الموت . اخترت منهم " أبو العتاهيّة " و" أبو القاسم الشابّي - التونسي .
وكذلك آراء بعض الأدباء والكتاب المعروفين .. وكذلك كيف استقبل اناس عاديين - عرفتهم , أو سمعت عنهم - الموت قبيل الرحيل ..
- وفي البداية نود القول : نعتقد ان غالبية الناس غير مقتنعين بوجود حياة بعد الموت , بمن في ذلك المؤمنين بالأديان .. لأن الموضوع غير مؤكد في بداهتهم , وغير معقول .. وأغلب الناس يفكرون في الموت , لكنهم لا يحبون إزعاج غيرهم بافشاء كل ما يدور بخواطرهم عنه . لعلمهم ان الموضوع مثير للسأم .. فان تطرقوا اليه مع أصدقاء أو مقربين , فانهم لا يوغلون في الحديث كثيراً ....
في بداية شبابي - أوائل العشرينيات من عمري , قرأت كتاباً عنوانه " الانسان روح لا جسد " يقول انه توجد حياة روحية - شفافة بعد الموت
, والكتاب بأجزائه الثلاث , يأتي بتفاصيل جمّة . ويقول انه يوجد علم , اسمه " علم الروح " وله معاهد تدرِّسه في أمريكا , والبرازيل , وبعض دول أوروبا .. ربما أكون قد كتبت عن ذاك الكتاب من قبل - لا أتذكر جيداً - وأهم ما في الكتّاب ويحسب له , انه أقرب الي البحث العلمي , اذا لا يقترب من الأديان , لا يحابيها ولا يصطدم بها .. وانما يقوم علي تجارب - كأي بحث علمي - وان كانت هي تجارب في " تحضير الأرواح " : ومخاطبتها , مع الاستشهاد بصور عديدة , تم التقاطها .. ..
الآن نقرأ أبياتاً مما قاله الشاعر الكبير " أبو العتاهية " - شاعر من العصر العباسي 747م - 826م " .. :
يا نَفسُ قَد أَزِفَ الرَحيلُ وَأَظَلَّكِ الخَطبُ الجَليلُ
فَتَأَهَّبي يا نَفسِ لا يَلعَب بِكِ الأَمَلُ الطَويلُ
فَلَتَنزِلِنَّ بِمَنزِلٍ يَنسى الخَليلَ بِهِ الخَليلُ
وَلَيَركَبَنَّ عَلَيكِ فيهِ مِنَ الثَرى ثِقلٌ ثَقيلُ
قُرِنَ الفَناءُ بِنا فَما يَبقى العَزيزُ وَلا الذَليلُ
لا تَعمُرِ الدُنيا فَلَيسَ إِلى البَقاءِ بِها سَبيلُ
يا صاحِبَ الدُنيا أَبِالدُنيا تُدِلُّ وَتَستَطيلُ
كُلٌّ يُفارِقُ روحَهُ وَبِصَدرِهِ مِنها غَليلُ
عَمّا قَليلٍ يا أَخا الشَهَواتِ أَنتَ لَها قَتيلُ
فَإِذا اِقتَضاكَ المَوتُ نَفسَ كَ كُنتَ مِمَّن لايُحيلُ
فَهُناكَ مالَكَ ثَمَّ إِللا فِعلُكَ الحَسَنُ الجَميلُ
إِنّي أُعيذُكَ أَن يَميلَ بِكَ الهَوى فيمَن يَميلُ
وَالمَوتُ آخِرُ عِلَّةٍ يَعتَلُّها البَدَنُ العَليلُ
-- وهذه كلمات عن الموت للشاعر التونسي " أبو القاسم الشابّّي " الذي مات في ريعان الشباب - عمر 25 سنة ! ( 1909 : 1934 م ) .. وهو هنا في هذه القصيدة يتكلم عن الموت بما أشبه بالفانتازيا الرومانسية .. بعكس ما لاحظناه من الواقعية الشديدة فيما قاله " أبو العتاهية " عن الموت .. لنقرأ بعضاً مما قاله " أبو القاسم " في قصيدته " الي الموت " :
صَبِيَّ الحَيَاةِ الشَّقِيَّ العنيدْ ** أَلا قدْ ضَلَلْتَ الضَّلالَ البعيدْ
أَتُنشدُ صوتَ الحَيَاةِ الرخيمَ ** وأَنتَ سجينٌ بهذا الوجودْ
وتَطْلُبُ وَرْدَ الصَّبَاحِ المخ ** ضَّبَ مِنْ كفِّ حَقْلٍ حَصِيدْ
إلى المَوْتِ إنْ شِئْتَ هَوْنَ الحياة ** فَخَلْفَ ظلامِ الرَّدى مَا تُرِيدْ
إلى المَوْتِ يا ابنَ الحَيَاةِ التعيسَ ** ففي الموتِ صَوْتُ الحَيَاةِ الرخيمْ
إلى المَوْتِ إن عَذَّبَتْكَ الدُّهورُ ** ففي الموتِ قَلْبُ الدُّهورِ الرَّحيمْ
إلى المَوْتِ فالموتُ رُوحٌ جميلٌ ** يُرَفْرِفُ مِنْ فوقِ تِلْكَ الغُيومْ
فَرُوحاً بفَجْرِ الخُلُودِ البهيجِ ** وما حَوْلَهُ مِنْ بَنَاتِ النُّجومْ
إلى المَوْتِ فالموتُ جامٌ رَوِيٌّ ** لمنْ أَظْمَأَتْهُ سُمُومُ الفَلاةْ
ولَسْتَ براوٍ إِذا مَا ظَمِئْتَ ** من المنبعِ العذْبِ قبلَ المَمَاتْ
فما الدَّمعُ إلاَّ شرابُ الدُّهورِ ** وما الحزنُ إلاَّ غِذَاءُ الحَيَاةْ
إلى المَوْتِ فالموتُ مهدٌ وَثيرٌ ** تَنَامُ بأَحضانهِ الكَائناتْ
إلى المَوْتِ إن حاصَرَتْكَ الخُطوبُ ** وسَدَّتْ عليكَ سَبيلَ السَّلامْ
ففي عالمِ الموتِ تَنْضُو الحَيَاةُ ** رِداءَ الأَسى وقِنَاعَ الظَّلامْ
وتبدو كما خُلِقَتْ غَضَّةً ** يَفيضُ على وَجْهِها الإِبْتِسامْ
تُعيدُ عليها ظِلالَ الخُلودِ ** وتهفو عليها قُلُوبُ الأَنامْ
إلى المَوْتِ لا تَخْشَ أعماقه ** ففيها ضياءُ السَّماءِ الوَديعْ
وفيها تَمِيسُ عذارى السَّماءِ ** عواريَ يُنْشِدْنَ لحناً بَديعْ
وفي رَاحِهنَّ غُصُونُ النَّخيلِ ** يُحَرِّكْنَها في فَضَاءٍ يَضُوعْ
تضيءُ بهِ بَسَمَاتُ القُلُوبِ ** وتخبو بهِ حَسَراتُ الدُّموعْ
هو الموتُ طيفُ الخلودِ الجميلُ ** ونِصْفُ الحَيَاةِ الَّذي لا يَنُوحْ
هنالكَ خلفَ الفضاءِ البعيدِ ** يَعيشُ المنونُ القَوِيُّ الصَّبُوحْ
يَضُمُّ القُلُوبَ إلى صَدْرِهِ ** ليأسوَ مَا مَضَّها مِنْ جُروحْ
ويبعثَ فيها رَبيعَ الحَيَاةِ ** ويُبْهِجُها بالصَّباحِ الفَرُوحْ
-----
ما هو شعور بعض الأدباء وهم يعرفون انهم جالسون في انتظار القادم بالتأكيد وعن قريب " الموت " .. !
الأديب توفيق الحكيم , ظل يكتب مقاله الأسبوعي كعادته بجريدة الأهرام .. ولكن بعنوان " في الوقت الضائع " - باعتبار ان حياته أشبه بمباراة لكرة القدم , قد انتهي وقتها , وقرر الحكم اضافة 5 دقائق عن الوقت الضائع , عسي أن تحسم نتيجة المباراة التي تكون عادة لم تحسم لأي الفريقين .. !
هكذا شبّه " توفيق الحكيم " الباقي من حياته وهو ينتظر مجيء الموت ..
- الأديب " يحيي حقّي " واصل الكتابة ونشر مقالاته أيضاً وهو في نهااية حياته ,, بمقالات تحت عنوان " كناسة الدكّان " أي شبه نفسه بصاحب دكّان إما أفلس - أو قرر التقاعد ووقف نشاطه - ولم يعد أمامه سوي أن يكنس دكّانه , لتسليمه لمن يشتريه .. !
يا له من شعور لا يحس بعمق مأساته الا من يعيشه بالفعل ..
انسان يدري انه ذاهب الي ما لا يدري بالضبط ! أو الي ما يرجح انه الي المجهول , أو اللاشيء أو الفناء .. ( وما أبشع كلمة : الفناء ) ...
نحن لا نجد أمامنا في مواجهة الموت .. سوي الشجاعة . فغيرها لن يفيد بشيء , اذ لا هروب . انتهي كل شيء ..
-- أحد معارفي عندما أحيل للتقاعد , بعد بلوغ السن القانوني , قال لي وهو يضحك , تظاهراً بالشجاعة : أنا الآن في انتظار الموت ..
مباراة الحياة قد انتهت .. وهذه ثمة استراحة أشقي من المباراة نفسها .. الفراغ مؤلم وقاتل .. متعب أكثر من العمل ..
واحد آخر من معارفي - جار سابق - كان في مثل أب - قال لي .. انني في النهاية .. حاولت أن أجامله وأشد من أزره , وأقول بل أنك بصحة جيدة . فقال :
لا .. أنا أشعر بجسمي
( يبدو أن الجسم يصدر اشارات , تدل علي قرب توقفه عن العمل .. عن الحياة )
-- وثالث .. حكي لي عن والده قبيل وفاته .. ماذا فعل .. ؟
شعر بتحرك أعضاء جسمه نحو التوقف , والاقتراب الشديد من ذاك التوقف .. فتوقف هو تماماً عن الطعام أوالشراب .. لمدة 3 أيام .
لماذا ؟
لأنه يريد عند غسل جثمانه بعد الموت , حيث يضغط مغسل الموتي علي بطن والمثانة البولية للميت , ويضعه في وضع معين ليخرج ما قيها من فضلات .. ثم يغسله . حتي لا يتفاجأ من يحملونه وينزلوا به للقبر , بتسرب مخلفات علي الكفن تلوثه وتلوثهم .. !
توجد معتقدات حذر مؤسسوها أتباعهم الموجودين معهم من أن نهاية الحياة وقيام القيامة قد افترب ودعاهم للتوبة ..
كمن قال " توبوا فقد اقترب ملكوت السماء "
ومن قال لأتباعه : اقتربت الساعة .. "
من يحذر انسان من اقتراب وقوع شيء .. فلابد وأن يكون احتمال وقوعه بعد يوم . أسبوع , شهر , سنة , خمسين سنة .. فتلك مدد جديرة بأن نتحسب لها , وجديرة بتحذيرنا ..
أما التحذير من وقوع شيء . تحذيراً عائماً سابحاً عابرا للعصور والدهور .. فلعل هذا شيء غير معقول !
الرئيس الفرنسي الراحل " فرانسوا ميتران " كان مريضاً بالسرطان . وبنتظر الموت . فسألوه : أنت ملحد لا تؤمن بإله , واقتربت من الموت ’ فماذا ستفعل لو فوجئت بوجود إله ؟ ماذا ستقول له وأنت ملحد ؟
فأجاب : سأقول له ان حياة أبدية هي شيء ممل ..
والحقيقة ان كل الناس ,, بعد تقدم العمر ,, يشعرون بالسأم من الحياة , بسبب تكرار كل شيء ,, تكرار الطعام حتي يرونه قد صار عبئاً , وتكرار العلاقة الحميمة , وفتورها بعد الشبع منها ومن تكرارها طوال عشرات السنين - لن يتوقفوا عنها , ولكنهم سيشعروا بالملل منها وانها عبء .. تفرضه عليهم بيوفسيولوجية الجسم .. ! بل هناك من يسأموا من النوم .. وخصوصاً في هذا العصر , ويتساءلون : ألا يمكن الغاء النوم .. ؟ ويكونوا - من تقدموا في السن - في ورطة .. لا يريدون تكرار روتينية أسلوب مقتضيات الحياة من أكل وتصريف للزوائد , ومن تعبير عن مشاعر ملّوا التعبير عنها , من كثرة ما عبّروا , وعن وعن كل شيء ملّوا من تكراره وروتينية تكراره كواجب سئموا من طول آدائه .. هذا من ناحية ,, ومن ناحية أخري لا يجدون بديلاً سوي الموت .. أي الذهاب للمجهول أو للفناء .. كثيرون بعدما تسقط أسنانهم , ويضعف بصرهم , ويضعف سمعهم , وتضعف قدرتهم علي المشي بسبب آلام المفاصل والعظام ... يتمنون الشيء الذي لا يعرفون معناه ولا كيف سيكون حاله وحالهم بعد الذهاب اليه وهو : الموت ... ؟؟
ويكون الخياران كلاهما أسوأ من الآخر .. وفي النهاية يتمنون ويقبلون شُرب كأس مر الموت أفضل من البقاء في الحياة الرتيبة المكررة لدرجة الممل والسأم . وعبر عن ذاك السأم من الحياة . الشاعر المصري الراحل صلاح عبد الصبور , بقوله :
" سأم سأم .. هذا زمان السأم , نفخ الأراجيل سأم . دبيب فخذي إمرأة بين إليتي رجل سأم " ..
أكثر عموم الناس التابعين لمعتقدات تزعم لهم وجود حياة لطيفة بعد الموت , غير مقتنعين .. ولكنهم مربوطين بمنظومة حياتية يقودهم بها كهنة - رجال أدين - , أو رجال معتقدات + حكومات متواطئة معهم .. لأن مصلحتها في وجود معتقدات ووجود كهنة .. وللكهنة مصالح بالطبع يخصصها لهم الحكام ..
ومن المؤمنين بعقائد تعطي وعوداً جميلة ومريحة بعد الموت , للتابعين لها .. من يأخذون الأمر علي سبيل الاحتياط الذي لن يضر , مالم يفيد ..
وعبر عن ذلك شاعر بالقول :
قال المعلم والطبيب كلاهما ** ألا إله , فقلت ذاك اليكما
ان صح قولكما فلست بخاسر ** وان صح قولي , فالوبال عليكما
ولعل هذا ما فعله أبو القاسم الشابي - شاعر تونس العظيم - بوصفه لما بعد الموت , بقوله :
إلى المَوْتِ فالموتُ رُوحٌ جميلٌ ** يُرَفْرِفُ مِنْ فوقِ تِلْكَ الغُيومْ
فَرُوحاً بفَجْرِ الخُلُودِ البهيجِ ** وما حَوْلَهُ مِنْ بَنَاتِ النُّجومْ
ففي عالمِ الموتِ تَنْضُو الحَيَاةُ ** رِداءَ الأَسى وقِنَاعَ الظَّلامْ
وتبدو كما خُلِقَتْ غَضَّةً ** يَفيضُ على وَجْهِها الإِبْتِسامْ
والبعض الآخر .. يري أن التفكير في الموت وما بعده .. يجعلنا نجد وجوهنا أمام حائط , هو الفناء واللافهم واللا اطمئنان .. وأن الصدام بذاك الحائط , يمكن الاستغناء عنه بوهم الأمل .. أو الأمل الواهم ..
وهذا ما دعا الفيسلوف والشاعر والعالم عمر الخيام ينصح بالقول :
لا تُوحِش النفسَ بخوفِ الظنون ** واغنم من الحاضر أمنَ اليقين
وجعل " مرسي جميل عزيز - الشاعر الغنائي المصري - " يقول :
لمِا لا أحيا وظل الورد يحيا في الشفاه .. ( ألحان الأخوين رحباني , وغناء السيدة فيروز ) ..
اذ قنع الشاعر , ودعا الناس بالقناعة بحياة الورد .. وبعدها يغادروا الحياة مثلما الورود والزهور .. ( انها فلسفة قلة الحيلة .. وحكمة الامتثال للواقع وللمكن , والرضا به , وإعتماد حكمة " السعادة هي الشعور بالرضا " .. فلا نفكر في مدي أو عمر السعادة , ولا نفكر في العمر القصير للورد , بل نحياه والسلام .. وهل نملك غير ذلك .. !؟ .. تلك هي فلسفة بعض الشعراء وكثيرين من عموم الناس )
-- " فيروز تغني , لما لا أحيا .. " :
https://www.youtube.com/watch?v=ZvOMGLSdVFw
==========
8-8-2020
سوف نعرض آراء بعض الشعراء , في الموت . اخترت منهم " أبو العتاهيّة " و" أبو القاسم الشابّي - التونسي .
وكذلك آراء بعض الأدباء والكتاب المعروفين .. وكذلك كيف استقبل اناس عاديين - عرفتهم , أو سمعت عنهم - الموت قبيل الرحيل ..
- وفي البداية نود القول : نعتقد ان غالبية الناس غير مقتنعين بوجود حياة بعد الموت , بمن في ذلك المؤمنين بالأديان .. لأن الموضوع غير مؤكد في بداهتهم , وغير معقول .. وأغلب الناس يفكرون في الموت , لكنهم لا يحبون إزعاج غيرهم بافشاء كل ما يدور بخواطرهم عنه . لعلمهم ان الموضوع مثير للسأم .. فان تطرقوا اليه مع أصدقاء أو مقربين , فانهم لا يوغلون في الحديث كثيراً ....
في بداية شبابي - أوائل العشرينيات من عمري , قرأت كتاباً عنوانه " الانسان روح لا جسد " يقول انه توجد حياة روحية - شفافة بعد الموت
, والكتاب بأجزائه الثلاث , يأتي بتفاصيل جمّة . ويقول انه يوجد علم , اسمه " علم الروح " وله معاهد تدرِّسه في أمريكا , والبرازيل , وبعض دول أوروبا .. ربما أكون قد كتبت عن ذاك الكتاب من قبل - لا أتذكر جيداً - وأهم ما في الكتّاب ويحسب له , انه أقرب الي البحث العلمي , اذا لا يقترب من الأديان , لا يحابيها ولا يصطدم بها .. وانما يقوم علي تجارب - كأي بحث علمي - وان كانت هي تجارب في " تحضير الأرواح " : ومخاطبتها , مع الاستشهاد بصور عديدة , تم التقاطها .. ..
الآن نقرأ أبياتاً مما قاله الشاعر الكبير " أبو العتاهية " - شاعر من العصر العباسي 747م - 826م " .. :
يا نَفسُ قَد أَزِفَ الرَحيلُ وَأَظَلَّكِ الخَطبُ الجَليلُ
فَتَأَهَّبي يا نَفسِ لا يَلعَب بِكِ الأَمَلُ الطَويلُ
فَلَتَنزِلِنَّ بِمَنزِلٍ يَنسى الخَليلَ بِهِ الخَليلُ
وَلَيَركَبَنَّ عَلَيكِ فيهِ مِنَ الثَرى ثِقلٌ ثَقيلُ
قُرِنَ الفَناءُ بِنا فَما يَبقى العَزيزُ وَلا الذَليلُ
لا تَعمُرِ الدُنيا فَلَيسَ إِلى البَقاءِ بِها سَبيلُ
يا صاحِبَ الدُنيا أَبِالدُنيا تُدِلُّ وَتَستَطيلُ
كُلٌّ يُفارِقُ روحَهُ وَبِصَدرِهِ مِنها غَليلُ
عَمّا قَليلٍ يا أَخا الشَهَواتِ أَنتَ لَها قَتيلُ
فَإِذا اِقتَضاكَ المَوتُ نَفسَ كَ كُنتَ مِمَّن لايُحيلُ
فَهُناكَ مالَكَ ثَمَّ إِللا فِعلُكَ الحَسَنُ الجَميلُ
إِنّي أُعيذُكَ أَن يَميلَ بِكَ الهَوى فيمَن يَميلُ
وَالمَوتُ آخِرُ عِلَّةٍ يَعتَلُّها البَدَنُ العَليلُ
-- وهذه كلمات عن الموت للشاعر التونسي " أبو القاسم الشابّّي " الذي مات في ريعان الشباب - عمر 25 سنة ! ( 1909 : 1934 م ) .. وهو هنا في هذه القصيدة يتكلم عن الموت بما أشبه بالفانتازيا الرومانسية .. بعكس ما لاحظناه من الواقعية الشديدة فيما قاله " أبو العتاهية " عن الموت .. لنقرأ بعضاً مما قاله " أبو القاسم " في قصيدته " الي الموت " :
صَبِيَّ الحَيَاةِ الشَّقِيَّ العنيدْ ** أَلا قدْ ضَلَلْتَ الضَّلالَ البعيدْ
أَتُنشدُ صوتَ الحَيَاةِ الرخيمَ ** وأَنتَ سجينٌ بهذا الوجودْ
وتَطْلُبُ وَرْدَ الصَّبَاحِ المخ ** ضَّبَ مِنْ كفِّ حَقْلٍ حَصِيدْ
إلى المَوْتِ إنْ شِئْتَ هَوْنَ الحياة ** فَخَلْفَ ظلامِ الرَّدى مَا تُرِيدْ
إلى المَوْتِ يا ابنَ الحَيَاةِ التعيسَ ** ففي الموتِ صَوْتُ الحَيَاةِ الرخيمْ
إلى المَوْتِ إن عَذَّبَتْكَ الدُّهورُ ** ففي الموتِ قَلْبُ الدُّهورِ الرَّحيمْ
إلى المَوْتِ فالموتُ رُوحٌ جميلٌ ** يُرَفْرِفُ مِنْ فوقِ تِلْكَ الغُيومْ
فَرُوحاً بفَجْرِ الخُلُودِ البهيجِ ** وما حَوْلَهُ مِنْ بَنَاتِ النُّجومْ
إلى المَوْتِ فالموتُ جامٌ رَوِيٌّ ** لمنْ أَظْمَأَتْهُ سُمُومُ الفَلاةْ
ولَسْتَ براوٍ إِذا مَا ظَمِئْتَ ** من المنبعِ العذْبِ قبلَ المَمَاتْ
فما الدَّمعُ إلاَّ شرابُ الدُّهورِ ** وما الحزنُ إلاَّ غِذَاءُ الحَيَاةْ
إلى المَوْتِ فالموتُ مهدٌ وَثيرٌ ** تَنَامُ بأَحضانهِ الكَائناتْ
إلى المَوْتِ إن حاصَرَتْكَ الخُطوبُ ** وسَدَّتْ عليكَ سَبيلَ السَّلامْ
ففي عالمِ الموتِ تَنْضُو الحَيَاةُ ** رِداءَ الأَسى وقِنَاعَ الظَّلامْ
وتبدو كما خُلِقَتْ غَضَّةً ** يَفيضُ على وَجْهِها الإِبْتِسامْ
تُعيدُ عليها ظِلالَ الخُلودِ ** وتهفو عليها قُلُوبُ الأَنامْ
إلى المَوْتِ لا تَخْشَ أعماقه ** ففيها ضياءُ السَّماءِ الوَديعْ
وفيها تَمِيسُ عذارى السَّماءِ ** عواريَ يُنْشِدْنَ لحناً بَديعْ
وفي رَاحِهنَّ غُصُونُ النَّخيلِ ** يُحَرِّكْنَها في فَضَاءٍ يَضُوعْ
تضيءُ بهِ بَسَمَاتُ القُلُوبِ ** وتخبو بهِ حَسَراتُ الدُّموعْ
هو الموتُ طيفُ الخلودِ الجميلُ ** ونِصْفُ الحَيَاةِ الَّذي لا يَنُوحْ
هنالكَ خلفَ الفضاءِ البعيدِ ** يَعيشُ المنونُ القَوِيُّ الصَّبُوحْ
يَضُمُّ القُلُوبَ إلى صَدْرِهِ ** ليأسوَ مَا مَضَّها مِنْ جُروحْ
ويبعثَ فيها رَبيعَ الحَيَاةِ ** ويُبْهِجُها بالصَّباحِ الفَرُوحْ
-----
ما هو شعور بعض الأدباء وهم يعرفون انهم جالسون في انتظار القادم بالتأكيد وعن قريب " الموت " .. !
الأديب توفيق الحكيم , ظل يكتب مقاله الأسبوعي كعادته بجريدة الأهرام .. ولكن بعنوان " في الوقت الضائع " - باعتبار ان حياته أشبه بمباراة لكرة القدم , قد انتهي وقتها , وقرر الحكم اضافة 5 دقائق عن الوقت الضائع , عسي أن تحسم نتيجة المباراة التي تكون عادة لم تحسم لأي الفريقين .. !
هكذا شبّه " توفيق الحكيم " الباقي من حياته وهو ينتظر مجيء الموت ..
- الأديب " يحيي حقّي " واصل الكتابة ونشر مقالاته أيضاً وهو في نهااية حياته ,, بمقالات تحت عنوان " كناسة الدكّان " أي شبه نفسه بصاحب دكّان إما أفلس - أو قرر التقاعد ووقف نشاطه - ولم يعد أمامه سوي أن يكنس دكّانه , لتسليمه لمن يشتريه .. !
يا له من شعور لا يحس بعمق مأساته الا من يعيشه بالفعل ..
انسان يدري انه ذاهب الي ما لا يدري بالضبط ! أو الي ما يرجح انه الي المجهول , أو اللاشيء أو الفناء .. ( وما أبشع كلمة : الفناء ) ...
نحن لا نجد أمامنا في مواجهة الموت .. سوي الشجاعة . فغيرها لن يفيد بشيء , اذ لا هروب . انتهي كل شيء ..
-- أحد معارفي عندما أحيل للتقاعد , بعد بلوغ السن القانوني , قال لي وهو يضحك , تظاهراً بالشجاعة : أنا الآن في انتظار الموت ..
مباراة الحياة قد انتهت .. وهذه ثمة استراحة أشقي من المباراة نفسها .. الفراغ مؤلم وقاتل .. متعب أكثر من العمل ..
واحد آخر من معارفي - جار سابق - كان في مثل أب - قال لي .. انني في النهاية .. حاولت أن أجامله وأشد من أزره , وأقول بل أنك بصحة جيدة . فقال :
لا .. أنا أشعر بجسمي
( يبدو أن الجسم يصدر اشارات , تدل علي قرب توقفه عن العمل .. عن الحياة )
-- وثالث .. حكي لي عن والده قبيل وفاته .. ماذا فعل .. ؟
شعر بتحرك أعضاء جسمه نحو التوقف , والاقتراب الشديد من ذاك التوقف .. فتوقف هو تماماً عن الطعام أوالشراب .. لمدة 3 أيام .
لماذا ؟
لأنه يريد عند غسل جثمانه بعد الموت , حيث يضغط مغسل الموتي علي بطن والمثانة البولية للميت , ويضعه في وضع معين ليخرج ما قيها من فضلات .. ثم يغسله . حتي لا يتفاجأ من يحملونه وينزلوا به للقبر , بتسرب مخلفات علي الكفن تلوثه وتلوثهم .. !
توجد معتقدات حذر مؤسسوها أتباعهم الموجودين معهم من أن نهاية الحياة وقيام القيامة قد افترب ودعاهم للتوبة ..
كمن قال " توبوا فقد اقترب ملكوت السماء "
ومن قال لأتباعه : اقتربت الساعة .. "
من يحذر انسان من اقتراب وقوع شيء .. فلابد وأن يكون احتمال وقوعه بعد يوم . أسبوع , شهر , سنة , خمسين سنة .. فتلك مدد جديرة بأن نتحسب لها , وجديرة بتحذيرنا ..
أما التحذير من وقوع شيء . تحذيراً عائماً سابحاً عابرا للعصور والدهور .. فلعل هذا شيء غير معقول !
الرئيس الفرنسي الراحل " فرانسوا ميتران " كان مريضاً بالسرطان . وبنتظر الموت . فسألوه : أنت ملحد لا تؤمن بإله , واقتربت من الموت ’ فماذا ستفعل لو فوجئت بوجود إله ؟ ماذا ستقول له وأنت ملحد ؟
فأجاب : سأقول له ان حياة أبدية هي شيء ممل ..
والحقيقة ان كل الناس ,, بعد تقدم العمر ,, يشعرون بالسأم من الحياة , بسبب تكرار كل شيء ,, تكرار الطعام حتي يرونه قد صار عبئاً , وتكرار العلاقة الحميمة , وفتورها بعد الشبع منها ومن تكرارها طوال عشرات السنين - لن يتوقفوا عنها , ولكنهم سيشعروا بالملل منها وانها عبء .. تفرضه عليهم بيوفسيولوجية الجسم .. ! بل هناك من يسأموا من النوم .. وخصوصاً في هذا العصر , ويتساءلون : ألا يمكن الغاء النوم .. ؟ ويكونوا - من تقدموا في السن - في ورطة .. لا يريدون تكرار روتينية أسلوب مقتضيات الحياة من أكل وتصريف للزوائد , ومن تعبير عن مشاعر ملّوا التعبير عنها , من كثرة ما عبّروا , وعن وعن كل شيء ملّوا من تكراره وروتينية تكراره كواجب سئموا من طول آدائه .. هذا من ناحية ,, ومن ناحية أخري لا يجدون بديلاً سوي الموت .. أي الذهاب للمجهول أو للفناء .. كثيرون بعدما تسقط أسنانهم , ويضعف بصرهم , ويضعف سمعهم , وتضعف قدرتهم علي المشي بسبب آلام المفاصل والعظام ... يتمنون الشيء الذي لا يعرفون معناه ولا كيف سيكون حاله وحالهم بعد الذهاب اليه وهو : الموت ... ؟؟
ويكون الخياران كلاهما أسوأ من الآخر .. وفي النهاية يتمنون ويقبلون شُرب كأس مر الموت أفضل من البقاء في الحياة الرتيبة المكررة لدرجة الممل والسأم . وعبر عن ذاك السأم من الحياة . الشاعر المصري الراحل صلاح عبد الصبور , بقوله :
" سأم سأم .. هذا زمان السأم , نفخ الأراجيل سأم . دبيب فخذي إمرأة بين إليتي رجل سأم " ..
أكثر عموم الناس التابعين لمعتقدات تزعم لهم وجود حياة لطيفة بعد الموت , غير مقتنعين .. ولكنهم مربوطين بمنظومة حياتية يقودهم بها كهنة - رجال أدين - , أو رجال معتقدات + حكومات متواطئة معهم .. لأن مصلحتها في وجود معتقدات ووجود كهنة .. وللكهنة مصالح بالطبع يخصصها لهم الحكام ..
ومن المؤمنين بعقائد تعطي وعوداً جميلة ومريحة بعد الموت , للتابعين لها .. من يأخذون الأمر علي سبيل الاحتياط الذي لن يضر , مالم يفيد ..
وعبر عن ذلك شاعر بالقول :
قال المعلم والطبيب كلاهما ** ألا إله , فقلت ذاك اليكما
ان صح قولكما فلست بخاسر ** وان صح قولي , فالوبال عليكما
ولعل هذا ما فعله أبو القاسم الشابي - شاعر تونس العظيم - بوصفه لما بعد الموت , بقوله :
إلى المَوْتِ فالموتُ رُوحٌ جميلٌ ** يُرَفْرِفُ مِنْ فوقِ تِلْكَ الغُيومْ
فَرُوحاً بفَجْرِ الخُلُودِ البهيجِ ** وما حَوْلَهُ مِنْ بَنَاتِ النُّجومْ
ففي عالمِ الموتِ تَنْضُو الحَيَاةُ ** رِداءَ الأَسى وقِنَاعَ الظَّلامْ
وتبدو كما خُلِقَتْ غَضَّةً ** يَفيضُ على وَجْهِها الإِبْتِسامْ
والبعض الآخر .. يري أن التفكير في الموت وما بعده .. يجعلنا نجد وجوهنا أمام حائط , هو الفناء واللافهم واللا اطمئنان .. وأن الصدام بذاك الحائط , يمكن الاستغناء عنه بوهم الأمل .. أو الأمل الواهم ..
وهذا ما دعا الفيسلوف والشاعر والعالم عمر الخيام ينصح بالقول :
لا تُوحِش النفسَ بخوفِ الظنون ** واغنم من الحاضر أمنَ اليقين
وجعل " مرسي جميل عزيز - الشاعر الغنائي المصري - " يقول :
لمِا لا أحيا وظل الورد يحيا في الشفاه .. ( ألحان الأخوين رحباني , وغناء السيدة فيروز ) ..
اذ قنع الشاعر , ودعا الناس بالقناعة بحياة الورد .. وبعدها يغادروا الحياة مثلما الورود والزهور .. ( انها فلسفة قلة الحيلة .. وحكمة الامتثال للواقع وللمكن , والرضا به , وإعتماد حكمة " السعادة هي الشعور بالرضا " .. فلا نفكر في مدي أو عمر السعادة , ولا نفكر في العمر القصير للورد , بل نحياه والسلام .. وهل نملك غير ذلك .. !؟ .. تلك هي فلسفة بعض الشعراء وكثيرين من عموم الناس )
-- " فيروز تغني , لما لا أحيا .. " :
==========


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق