09 مايو 2020

حقائق من تاريخ مصر القديم

منقول من :
مصر أرض الأنبياء ( 2 ) :
تحدثنا في البوست السابق عن المجهودات التي قام بها المؤرخ اليهودي ( يوسيفوس ) الذي عاش في القرن الأول الميلادي و عاصر أحداثا جساما كان أهمها تدمير معبد أورشليم على يد القائد الروماني ( تيتوس فسبسيانوس ) عام 70 م ، في سبيل إيجاد عمق تاريخي لأمته اليهودية و للأحداث التي أوردتها التوراة و ذلك في مواجهة تيار فكري في الإسكندرية كان يرفض التسليم بتاريخية هذه الوقائع بسبب عدم وجود ما يؤيدها من وثائق تاريخية.
كانت المشكلة قد بدأت كما ذكرنا منذ بدأت ترجمة أسفار التوراة من لغاتها الأصلية ( العبرية و الآرامية ) إلى اليونانية بداية من القرن الثالث ق.م في عهد ( بطليموس فيلادلفوس ) و هي الترجمة التي عرفت ب ( السبعينية Septuagent ) ، و منذ ذلك الوقت بدأ الجدال الفكري بشأن تاريخية ما ترويه من أحداث.
قبل ذلك التاريخ كان اليهود أمة خاملة تتقاسم الإقليم المعروف بإسم ( جوف سوريا Core Syria ) مع العديد من الشعوب الأخرى ، و لم تثر إنتباه الرحالة و المؤرخين الذين زاروا المنطقة إلا قليلا ، إذ نجد أن أقدم إشارة ذكرتهم بالإسم قد جاءت في كتاب الرحالة ( هيكاتيوس المليتي Hekataeus of Abdera ) في أواخر القرن السادس ق.م عندما تحدث في عبارات مقتضبة عن سلطة كهنة اليهود في الحكم و فض المنازعات بين شعبهم ، ثم جاء ( هيرودوت ) في القرن الخامس ق.م فلم يكتب عنهم حرفا واحدا برغم رحلاته المتعددة في المنطقة ، و عندما قام بتدوين كتابه الثاني الذي خصصه لمصر لم يشر من قريب أو بعيد إلى حدث الخروج أو غرق الجيش المصري برغم ميله إلى الإستطراد و الإغراق في التفاصيل.
أما بشأن معبود اليهود ( يهوه Yahweh ) فلم يتردد ذكره كثيرا هو الآخر إلا بعد انتشار الترجمة السبعينية من الإسكندرية إلى العالم الهلينستي و بداية الجدال الفكري حول ما جاء بها كما ذكرنا ، و إن كان لدينا دلائل أثرية تؤكد أنه كان اسما معروفا في إقليم فلسطين و سوريا منذ عصر الملك المصري ( أمنحتب الثالث ) على الأقل ، فلدينا نقش من معبده بمنطقة صولب ( بالسودان حاليا ) جاء فيه ذكر من يدعون ( شاسو يهوه ) = بدو يهوه.
لم يكن ( يوسيفوس ) أول مفكر يهودي يحاول إيجاد عمق تاريخي لأمته ، فلقد سبقه إلى هذه المحاولة كل من ( أرسطوبولوس ) في القرن الثاني ق.م و الذي حاول إثبات أن الفلسفة الإغريقية مستوحاة من شريعة اليهود ، ثم ( فيلو السكندري ) في القرن الأول ق.م و الذي بذل جهودا جبارة للتوفيق ما بين رواية الخلق التوراتية و ما بين الفلسفة الإغريقية.
و عندما بدأ ( يوسيفوس ) عمله كانت أمامه مشكلة ذات 4 أوجه:
1- إثبات قدم الأمة اليهودية في إقليم جوف سوريا و تفسير سبب صمت المؤرخين و الرحالة عن ذكرها.
2- إثبات تاريخية حدث الخروج من مصر برغم صمت الوثائق المصرية تماما عن ذكره ، لا من الناحية الرسمية و لا في التراث الشعبي للمصريين وقتها.
3- تفسير سبب صمت الوثائق الأشورية و البابلية تماما هى الأخرى عن الحديث عن حدث الخروج المهول و ما صاحبه من واقعة غرق الجيش المصري أو جزء منه برغم الخصومة العسكرية و السياسية و صراع النفوذ ما بين المملكتين الأشورية ثم البابلية ( و قبلهما المملكتين الميتانية ثم الخيتية ) و ما بين مصر ، إذ كانت هذه الممالك المتعاقبة تنظر لمصر بإعتبارها الغريم الأوحد جهة الجنوب ، و كانت تتربص بها الدوائر.
و مما زاد من صعوبة الأمر أن الملك السلوقي ( أنطيوخوس الأول ) في إقليم جوف سوريا قد حذا حذو قرينه في مصر ( بطليموس الأول ) ، فقام بتكليف كاهن كلداني يدعى ( بيروسوس الكلداني Berossus Caldeus ) بتدوين تاريخ العراق القديم من أقدم العصور تماما كما طلب ( بطليموس ) من كاهننا المصري ( مانيتون السمنودي ) ، فقام ( بيروسوس ) بكتابة سفر نفيس حمل اسم ( بابلونيكا Babylonica ) أي ( البابليات ) على غرار كتاب ( ايجيبتاكا ) الذي دونه ( مانيتون ) ، و لم يرد فيه أي ذكر لليهود سوى في موضع واحد عند حديثه عن غزو الملك البابلي ( نبوخذنصر ) لأورشليم عام 586 ق.م ، و لا حديث على الإطلاق عن الخروج من مصر.
4- رد موجة ( معاداة السامية ) و كراهية اليهود و التي بدأ ظهورها في العالم الهلينستي و بخاصة الإسكندرية منذ القرن الثاني ق.م ، و التي بلغت ذروتها عام 167 ق.م عندما أمر الملك السلوقي ( أنطيوخوس الرابع أبيفانيوس ) بذبح خنزير على مذبح الهيكل اليهودي بأورشليم و وضع تمثال له بداخل قدس الأقداس ، مما أدى لإندلاع الثورة المكابية التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من اليهود.
ثم بدأت شكاوى أهل الإسكندرية من المواطنين اليهود الذين كانوا يقطنون بالحي ( دلتا D ) منذ بداية العصر البطلمي ، و كانت غالبية الشكاوى ضدهم تدور - كالمعتاد - حول ميلهم لممارسة الربا و إيقاع الفتنة ما بين أهل الإسكندرية من الإغريق و ما بين المواطنين السكندريين من ذوي الأصل المصري ، و كذلك غموض طقوس عبادتهم و غرابتها ( مع بعض الأكاذيب أحيانا بشأن تقديمهم للأضحيات البشرية أو شرب الدماء ) ، و أخيرا رفضهم لصنع الصور و التماثيل للإمبراطور ، و كان قائد هذه الموجة من الهجوم على اليهود هو العالم اللغوي المصري ( أبيون النحوي ).
فمن هو ( أبيون ) الذي صار الخصم اللدود ليوسيفوس ؟
ولد أبيون ( و الإسم يعود للأصل المصري "حب" أي أبيس ) في القرن الأول ق.م في إحدى الواحات التي تقع غرب صحراء طيبة على طريق الأربعين ، و لذلك تلقب بلقب ( أبيون الواحاتي ) ، ثم إرتحل للإسكندرية ليدرس علوم اللغة و الفلسفة اليونانية في مكتبتها العظيمة ، حيث أظهر نبوغا في أبحاثه مما ساعد على منحه المواطنة السكندرية ليصبح ( أبيون السكندري ) ، و هو شرف لم يكن يناله سوى القليلين من المصريين وقتها.
و مع الوقت ذاعت شهرة ( أبيون ) في العالم الهلينستي حتى تلقب بلقب mocthos أي ( المجتهد ) ، ثم أطلق عليه الإمبراطور الروماني ( تيبيريوس ) نفسه لقب ( cymbalum mundi ) أي ( ناقوس العالم ) كدلالة على فصاحته و مهارته في الخطابة.
كان ( أبيون ) خصما متحمسا ضد يهود الإسكندرية إذ كان يعتبرهم مثيري فتن و دسائس ، مما دعاه لتشكيل وفد مصري توجه إلى البلاط الإمبراطوري في روما لتقديم شكوى بليغة ضد يهود الإسكندرية أمام الإمبراطور الروماني ( كاليجولا ).
و عندما أمر الإمبراطور بالتحقيق في الشكوى و قام بإستدعاء الطرف الآخر لسماع دفاعه عن نفسه لم يجد يهود الإسكندرية أفضل من فيلسوفهم ( فيلو السكندري Philo of Alexandria ) ليرأس الوفد اليهودي المتوجه إلى روما ، حيث دارت أمام ( كاليجولا ) مرافعات بليغة بين الطرفين انتهت بتفوق واضح ل ( أبيون ) بسبب مهاراته الخطابية و سرعة بديهته.
كانت هذه هي التحديات الأربعة التي واجهها ( يوسيفوس ) و هو يبدأ في كتابة دفاعه ، فماذا كان تصرفه حيالها ؟
نتابع في البوست القادم .
الصورة لنقش معبد أمنحتب الثالث في ( صولب ) بالسودان و الذي يذكر قوما بإسم ( شاسو يهوه )

=

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق