25 يوليو 2026

مختارات - غزة بانتظار حكومتها.. والحكومة تنتظر في القاهرة

منقول من موقع الحرة - الامريكي " - هدي البوكيلي - يوم 25-7-2026

بعد 6 أشهر على إعلانها، لا تزال اللجنة الوطنية لإدارة غزة في القاهرة، لم تدخل القطاع ولا تملك فيه مقراً أو جهازاً إدارياً أو قوة شرطة تعمل تحت سلطتها.

وفي المقابل، لم تلتزم حماس بنزع سلاحها ولم تظهر مؤشرات على انتقال الأجهزة الأمنية أو المالية أو حتى سلسلة الأوامر البيروقراطية إلى الهيئة الجديدة.
حين رعت الإدارة الأميركية إطاراً انتقالياً لحكم غزة بعد وقف إطلاق النار، استندت الخطة إلى تسلسل واضح: انسحاب حماس من الإدارة المدنية، وتولي لجنة فلسطينية من التكنوقراط المؤسسات والخدمات، وإشراف “مجلس السلام” على الانتقال السياسي والأمني وتأمين التمويل.

لكن مقابلات أجرتها “الحرة” مع محللين تشير إلى مشكلة أساسية، فالتخطيط اعتمد على تنازلات متزامنة من أطراف متعارضة، دون تسلسل تنفيذي واضح أو ضغوط تضمن امتثال الأطراف.

ومثل تأسيس اللجنة محاولة لتجاوز 3 معضلات: منع عودة حماس إلى الحكم، وتجنب إدارة إسرائيل المباشرة لسكان غزة، وعدم تسليم القطاع إلى سلطة فلسطينية تواجه بدورها أزمة شرعية وانقساماً سياسياً.

لكن هذا الحل تعثر عند سؤال بديهي: هل تستطيع هيئة أن تحكم أرضاً لا تستطيع دخولها؟

يجيب ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، عن السؤال بـ”لا”، ويقول إن المسألة تتجاوز العوائق اللوجستية، فقد أنشأت الخطة هيئة تتمتع بسند دولي دون أن تحدد بوضوح من أين تستمد سلطتها.

وتحتاج اللجنة، إذا كان القانون الأساسي الفلسطيني هو المرجعية، تفويضا من الرئاسة الفلسطينية وإلى الارتباط بمسار يعيد المؤسسات المنتخبة. أما الدعم الأميركي والعربي والدولي، فلا يكفي لمنحها شرعية سياسية أمام الفلسطينيين.

وقد تكتسب قبولا إداريا إذا تمكنت من تقديم خدمات. لكن هذا القدر المحدود من الشرعية يعتمد بدوره على عملها داخل غزة، وهو ما لم يحدث بعد.

ويلفت أحمد فؤاد الخطيب، الزميل في المجلس الأطلسي ومدير مشروع Realign for Palestine، إلى أن اللجنة لا تزال جهازاً أولياً يملك أسماء وخططا، لا مؤسسات للتنفيذ، وقد اصطدمت خططها بالفعل بجدار، لأنها لم تتمكن من العودة إلى غزة أو إنشاء مقر وأذرع إدارية فيها.

إعلان يحتاج إلى تقييم
في مطلع يوليو، أعلنت حماس حل لجنة الطوارئ الحكومية ونقل المسؤوليات المدنية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة.

وبدا الإعلان، ظاهرياً، خطوة نحو تطبيق الخطة الأميركية، رغم أنه لم يتضمن التزاماً أحادياً بنزع السلاح، ولم تتبعه مؤشرات واضحة على انتقال الشرطة أو الإيرادات أو القيادة الإدارية.

وقتها قال مجلس السلام إنه سيقيّم التسليم بالأفعال لا بالوعود، مكرراً مبدأ “سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد”.

وبالنسبة إلى براون، يمكن قياس جدية حماس بطريقة عملية: هل تتعاون مع السلطات المدنية والأمنية الجديدة؟ وهل تبلغ الموظفين والأنصار داخل الجهاز البيروقراطي بأنهم يتلقون أوامرهم من السلطة الجديدة، لا من قيادة الحركة؟

وقد يبدأ الانتقال قبل حسم ملف السلاح بالكامل، لكنه “لن يتقدم بعيداً” في هذه الحالة، فوجود حكومة رسمية إلى جانب قوة مسلحة تحتفظ بقيادة مستقلة يعني أن احتكار السلطة سيظل شكلياً.

وإذا أصبح نزع السلاح الكامل شرطاً مسبقاً، فقد يتجمد الانتقال إلى أجل غير محدد. أما إذا دخلت اللجنة قبل توحيد القيادة الأمنية، فقد تنشأ إدارة مدنية تعمل في ظل قوة مسلحة موازية.

يرى براون التناقض دليلا على أن الإطار لم يكن قابلاً للحياة منذ البداية. أما الخطيب، فيعتقد أن الخطة ليست ميتة بالضرورة، لكن الإدارة الأميركية لم تعد تخصص لها ما يكفي من الاهتمام والموارد السياسية.

وأضاف أنه لا يرى فريقاً أميركياً مخصصاً بما يكفي لمتابعة تفاصيل الانتقال، وأن تعدد الأزمات والملفات الأخرى دفع غزة إلى مرتبة أدنى في سلم الأولويات.

لكنه يرى، مع ذلك، أن واشنطن ما زالت تملك نفوذاً، خصوصاً في علاقتها بإسرائيل وإمكانية الضغط عليها.

ويقول الاقتصادي الفلسطيني رجا الخالدي، الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطينية (ماس)، في مقابلة مع “الحرة”، إن إسرائيل ربطت دخول اللجنة بإتمام نزع السلاح، بينما ظلت حركة المساعدات ومواد البناء خاضعة لقيود الوصول والموافقات الأمنية.

ولا يثبت ذلك أن الإدارة الأميركية تفتقر إلى القدرة على التأثير في إسرائيل. لكنه يطرح سؤالاً عن مدى استعدادها لاستخدام نفوذها لضمان تنفيذ الإطار الذي رعته.

وحتى الآن، لم يؤد الدعم الأميركي للخطة إلى دخول اللجنة إلى غزة، أو إلى جدول واضح لنقل المسؤوليات، أو إلى ترتيب يحسم العلاقة بين الانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح وانتشار السلطة الجديدة.

وتظهر كلفة هذا التعطل بوضوح في ملفي المساعدات وإعادة الإعمار.

وتعمل الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية في غزة قبل تأسيس اللجنة، وستبقى بعد دخولها، لأن أي حكومة فلسطينية جديدة لن تستطيع سريعاً تلبية احتياجات أكثر من مليوني شخص.

لكن استمرار عمل المنظمات لا يضمن وصول الإغاثة بشكل فعال، ويعتمد حجم المساعدات وانتظامها على فتح المعابر، ودخول الغذاء والدواء والوقود، وتأمين حركة الموظفين.

ويرى الخالدي أن الصناديق الدولية يمكنها استقبال التعهدات ومراقبة الإنفاق، لكنها لن تحل محل حكومة تحدد الأولويات، وتوقع العقود وتباشر تنفيذها.

وأشار إلى تقديرات تتجاوز 71 مليار دولار لاحتياجات التعافي وإعادة الإعمار خلال عشر سنوات، علما بأن تلك الأموال لابد أن تتحول إلى مساكن وطرق ومستشفيات.

ودعا إلى اعتماد مبدأ “التعافي قبل الإعمار”، أي استعادة المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والنشاط الاقتصادي الأساسي قبل الانتقال إلى مشروعات طويلة الأجل.

تختلف تقديرات المحللين الثلاثة بشأن ما يمكن إنقاذه من إطار السلام: براون يراه معيباً منذ البداية لأنه لم يحسم مصدر الشرعية ولا العلاقة بين الإدارة والقوة، والخطيب يراه قابلاً للتحريك إذا استعادت الإدارة الأميركية اهتمامها واستخدمت نفوذها. أما الخالدي، فيركز على أن التمويل لن يتحول إلى تعافٍ ما دامت السلطة والوصول غير محسومين.

لكنهم يلتقون عند نتيجة واحدة: لا يمكن للجنة أن تتحول إلى حكومة من القاهرة، ولا تستطيع الصناديق الدولية أن تعوض غياب سلطة تعمل من داخل غزة.
 ------



____________________________

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق