20 يوليو 2026

محاكم شرعة = سياسة تنافق وتهادن الاديان والمتدينين . وتكرس للاعلمانية واللاعلمية

إعداد : صلاح الدين محسن
-----


لماذا توجد محاكم شرعية في إسرائيل
ليس بالضرورة أن تكون الديمقراطيات الليبرالية والشريعة الإسلامية على طرفي نقيض.
 
مصطفى أكيول

20 يوليو, 2026

مصطفى أكيول - كاتب في شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN)، وزميل أول في معهد كاتو – المركز العالمي للحرية والازدهار. تتركز أبحاثه على تقاطعات السياسات العامة والإسلام والحداثة. يمكن متابعته على منصة «إكس» عبر الحساب: 
------
 
في الأسبوع الماضي، وتحديدًا في التاسع من يوليو/تموز، نشر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ رسالة عادية على منصة “إكس”، لم يكن يتوقع على الأرجح أن تحصد 1.6 مليون مشاهدة. فقد أعلن أنه أدى اليمين الدستورية لخمسة قضاة شرعيين جدد “للعمل في المحاكم الشرعية في إسرائيل”. وكان من بينهم رولا مصلحة زحالقة، وهي امرأة مسلمة ترتدي الحجاب، أصبحت أول امرأة تتولى هذا المنصب. واختتم هرتسوغ منشوره بكلمة “مبروك!” باللغة العربية.


لكن ردود الفعل روت قصة مختلفة. فقد أبدى كثير من القراء، ولا سيما في أوساط اليمين الأميركي الذي يربط إسرائيل بالدفاع عن الغرب في مواجهة الإسلام السياسي، دهشتهم. وتساءل أحدهم: “لماذا توجد محاكم شرعية في إسرائيل أصلًا؟” بينما قال آخر إن الإسرائيليين “فقدوا عقولهم!”.

والواقع أنهم لم يفقدوا عقولهم، على الأقل في هذه المسألة. بل إن حالة الدهشة نفسها تستحق التأمل، لأنها تكشف إلى أي مدى أصبح كثيرون في الغرب ينظرون إلى التقاليد القانونية الإسلامية من زاوية ضيقة.

إرث عثماني

أولًا، قليل من التاريخ: فالمحاكم الشرعية في إسرائيل ليست ابتكارًا إسرائيليًا، وإنما هي امتداد لنظام “الملل” العثماني”، الذي كانت الإمبراطورية العثمانية تدير من خلاله مجتمعاتها الدينية المتعددة، من مسلمين ويهود ومسيحيين أرثوذكس وأرمن وغيرهم. ولم تكن الدولة تطبق قانونًا موحدًا على الجميع، بل كانت تسمح لكل جماعة دينية بتنظيم شؤونها الدينية والأسرية الداخلية بنفسها.

فكانت مسائل الزواج والطلاق والإرث وغيرها من قضايا الأحوال الشخصية تُترك للسلطات الدينية الخاصة بكل جماعة، بينما ظلت القضايا العامة، مثل الضرائب والقانون الجنائي والأراضي والتجارة، خاضعة للإدارة المدنية التابعة للسلطان. وقد شكل هذا النظام مثالًا بارزًا على ما يسميه الباحثون المعاصرون “التعددية القانونية“، وهو ما أتاح لإمبراطورية شاسعة ومتعددة الأديان أن تستمر قرونًا دون أن تفرض على جميع رعاياها قالبًا قانونيًا واحدًا.

وعندما انهارت الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، أبقت سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين إلى حد كبير على هذا النظام، ثم ورثته دولة إسرائيل بعد إعلان قيامها عام 1948.

وبناءً على ذلك، أصبح للمواطنين اليهود محاكم حاخامية، فيما احتفظ الدروز والطوائف المسيحية المختلفة بمحاكمهم الدينية الخاصة. والأمر نفسه انطبق على المواطنين المسلمين داخل إسرائيل، الذين يختلف وضعهم القانوني بصورة كبيرة عن وضع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بعد عام 1967، إذ واصلوا الفصل في قضايا الأحوال الشخصية أمام محاكم شرعية تديرها الدولة، ويُنتخب قضاتها من خلال عملية رسمية يشارك فيها الكنيست.

ويقتصر اختصاص هذه المحاكم، بحسب ما توضحه وزارة العدل الإسرائيلية على موقعها الإلكتروني، على “قضايا الأحوال الشخصية الخاصة بالمسلمين فقط”. ولذلك فهي تنظر في مسائل مثل الزواج والطلاق والنفقة والعلاقات المالية بين الزوجين، إضافة إلى “منع العنف الأسري”.

الشريعة الليبرالية في اليونان

وليست إسرائيل حالة فريدة في هذا المجال. فاليونان، وهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، ذات أغلبية مسيحية وبعيدة تمامًا عن الصورة النمطية المرتبطة بالشريعة الإسلامية، لديها أيضًا صيغة خاصة بها لتطبيق الشريعة، وذلك في منطقة تراقيا الغربية شمال شرقي البلاد.

على نحو يثير المفارقة، توجد اليوم محاكم شرعية في إسرائيل ذات الأغلبية اليهودية، وفي اليونان ذات الأغلبية المسيحية، بينما لا توجد مثل هذه المحاكم في تركيا ذات الأغلبية المسلمة.

وترجع هذه القصة أيضًا إلى انهيار الإمبراطورية العثمانية، وما أعقبه من توقيع معاهدة لوزان عام 1923 بين تركيا واليونان. وبموجب هذه المعاهدة وافقت اليونان على أن تتيح لأقليتها المسلمة التاريخية، التي يتراوح عددها بين 100 ألف و120 ألف نسمة ومعظمهم من الأتراك، تسوية قضايا الأسرة والإرث وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، على أن يتولى ذلك مفتون تعينهم الحكومة في مدن كوموتيني وكسانثي وديديموتيخو.

واستمر هذا النظام حتى اليوم، لكنه شهد إصلاحًا ليبراليًا عام 2018، عقب قضية حاتجة مولا صالح، وهي أرملة مسلمة اعترضت على حصولها على حصة أقل من تركة زوجها بسبب تطبيق أحكام المحاكم الشرعية.

وقضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بصحة اعتراضها، فاستجابت أثينا بجعل اللجوء إلى المحاكم الشرعية اختياريًا. وأصبح بإمكان المسلمين في اليونان الاختيار بين المحاكم الشرعية والمحاكم المدنية اليونانية في هذه القضايا، بحيث صار الاحتكام إلى الشريعة خيارًا طوعيًا لا إلزاميًا.

وبعبارة أخرى، انتهى الأمر بالنظام الشرعي في اليونان إلى أن يكون أكثر ليبرالية من نظيره في إسرائيل، حيث تظل المحاكم الدينية الخيار الوحيد المتاح في قضايا الأحوال الشخصية، سواء بالنسبة لليهود أو المسلمين أو غيرهم. أما في اليونان، فالقانون المدني متاح لجميع المواطنين، بينما أصبحت الشريعة خيارًا اختياريًا لمسلمي تراقيا الغربية.

وفي الوقت نفسه، وبفضل بقاء بعض ملامح التعددية القانونية العثمانية، انتهى الأمر بكل من إسرائيل واليونان إلى إفساح مجال للشريعة الإسلامية أكثر مما هو موجود في تركيا نفسها، التي تبنت العلمانية بصورة كاملة مع الثورة الكمالية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. وهكذا، وعلى نحو يثير المفارقة، توجد اليوم محاكم شرعية في إسرائيل ذات الأغلبية اليهودية، وفي اليونان ذات الأغلبية المسيحية، بينما لا توجد مثل هذه المحاكم في تركيا ذات الأغلبية المسلمة.

ماذا عن الرجم والجلد والإعدام؟

لكن ماذا عن كل تلك الجوانب المثيرة للقلق المرتبطة بالشريعة، والتي صدمت الجمهور الغربي لعقود، من خلال القصص القادمة من أفغانستان في ظل طالبان أو من الجمهورية الإسلامية في إيران؟ وماذا عن الأحكام القاسية، مثل رجم الزناة، وقطع أيدي السارقين، وجلْد شاربي الخمر؟ وماذا عن أحكام إعدام المرتدين أو من يُتهمون بالتجديف، والتي تمثل انتهاكًا صارخًا لحرية الدين والتعبير؟


هذه أسئلة مشروعة. أولًا، لا شك أن مثل هذه التفسيرات العنيفة والقمعية للشريعة موجودة بالفعل. وهي، في الواقع، تمثل إلى حد كبير آراء سائدة في كتب الفقه الإسلامي في العصور الوسطى، سواء في التقليدين السني أو الشيعي. كما توجد جماعات إسلامية تسعى إلى تطبيقها في العصر الحديث بقدر ما تستطيع. ومن الواضح أن النظم السياسية التي تطمح هذه الجماعات إلى إقامتها تتعارض مع بعض المفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان والحريات.

وفي كتابه الجديد «الشريعة في مواجهة الدستور الأميركي» (Sharia Versus the U.S. Constitution)، يسلط الباحث الأميركي من أصل مصري أيمن س. إبراهيم الضوء على هذه التناقضات الصارخة. وهو يشير إلى مشكلات حقيقية، إلا أن طرحه يغفل أيضًا بعض السياقات المهمة.

ومن الجدير بالملاحظة أن معظم هذه الجوانب المثيرة للجدل في الشريعة تندرج ضمن قانون العقوبات، الذي ينص على معاقبة عدد من “الجرائم” الدينية والأخلاقية بعقوبات بدنية قديمة. غير أن قانون العقوبات لا يمثل سوى جزء صغير نسبيًا من الشريعة. فهناك أيضًا أحكام المعاملات التجارية، وقانون الأسرة، والعبادات والممارسات الدينية الشخصية، وهي مجالات يستطيع المسلمون الالتزام بها دون انتهاك حريات الآخرين، وهو ما يفعلونه بالفعل.

وبالنسبة للمسيحيين في الغرب، الذين قد لا يكونون على دراية كافية بمفهوم القانون الديني، فهناك مقارنة مفيدة مع الهلاخاه، أو الشريعة اليهودية، التي تعد أقرب نظير للشريعة الإسلامية. وليس من المستغرب أن يفهم الإسرائيليون هذه المسألة بصورة أفضل من بعض مؤيديهم في الغرب.

فكما تنظم الشريعة الإسلامية حياة المسلمين الشخصية، وأخلاقيات المجتمع، وقوانين الدولة الدينية المثالية، فإن الهلاخاه أيضًا تنظم حياة اليهود، وكانت تتضمن هي الأخرى في الماضي أحكامًا مثل رجم الزناة أو من يُتهمون بالتجديف.

لكن الفارق الأساسي هو أن الدولة الدينية اليهودية لم تعد موجودة منذ زمن بعيد، وأصبحت أحكامها الجنائية معطلة منذ ما يقرب من ألفي عام، بينما يلتزم المؤمنون اليوم بجزء كبير من الهلاخاه طوعًا، باعتبارها مسألة تقليد وتقوى.

أما في العالم الإسلامي، فلم تكتمل بعد عملية الفصل بين الشريعة والسلطة القسرية للدولة الحديثة، لكنها تبقى ممكنة. (وهو النوع من الإصلاح الذي أدعو إليه شخصيًا، كما أوضحت، على سبيل المثال، في كتابي « لا إكراه في الدين… بلا استثناءات»).

والخبر الأكثر إيجابية هو أن هذا الفصل بين الشريعة وسلطة الدولة يمثل بالفعل الواقع المعيش لأكثر من مليار شخص في العالم ذي الأغلبية المسلمة.

فلا يُطبَّق قانون العقوبات المستمد من الشريعة إلا في نحو اثنتي عشرة دولة تُعرّف نفسها بأنها “إسلامية”، مثل أفغانستان وإيران واليمن والسعودية.

يوجد مصطلح يطلق على أولئك الذين يسعون إلى هذا الانتصار السياسي للشريعة، وهو “الإسلاميون”. وبينما قد يشكل هؤلاء تهديدًا محتملًا للحريات، شأنهم في ذلك شأن دعاة التفوق الديني من المسيحيين أو اليهود أو الهندوس أو غيرهم، فإن الغالبية الساحقة من المسلمين ليست كذلك، حتى وإن كانت تحترم الشريعة.

أما بقية العالم الإسلامي، الذي يضم نحو أربعين دولة، فإما أنه علماني بالكامل، مثل تركيا وأوزبكستان، أو يطبق الشريعة في نطاق الأحوال الشخصية فقط، مثل الأردن وإندونيسيا، باستثناء إقليم آتشيه.

ورغم أن المواطنين المسلمين المتدينين في هذه الدول قد يحرصون على أن يتم زواجهم أو طلاقهم وفقًا لأحكام الشريعة، لأسباب دينية خاصة بهم، فإن كثيرين منهم لا يسعون إلى فرضها على الآخرين عبر تحويلها إلى قانون ملزم للدولة.

ولهذا السبب يوجد مصطلح يطلق على أولئك الذين يسعون إلى هذا الانتصار السياسي للشريعة، وهو “الإسلاميون”. وبينما قد يشكل هؤلاء تهديدًا محتملًا للحريات، شأنهم في ذلك شأن دعاة التفوق الديني من المسيحيين أو اليهود أو الهندوس أو غيرهم، فإن الغالبية الساحقة من المسلمين ليست كذلك، حتى وإن كانت تحترم الشريعة.

الحرية في مواجهة الإكراه

المعيار الأساسي هنا هو الحرية في مقابل الإكراه.

فعندما يمتنع مسلم عن شرب الكحول أو ترتدي مسلمة الحجاب بإرادتهما الحرة، دون فرض ذلك على الآخرين، فإنهما يمارسان الشريعة ولا يفرضانها.

وبالمثل، عندما يرغب زوجان مسلمان في إتمام زواجهما أو طلاقهما أمام قاضٍ شرعي بدلًا من قاضٍ مدني، فإنهما يطبقان الشريعة على نفسيهما، لا على غيرهما.

وتمنحنا المحاكم الشرعية في إسرائيل، وكذلك في اليونان، فكرة عن الكيفية التي يمكن بها تنظيم هذا النوع من التعايش المؤسسي القائم على مبدأ “عش ودع غيرك يعيش”.

أما مجالس الشريعة في المملكة المتحدة، فهي لا تُعد “محاكم” تصدر أحكامًا ملزمة، بل تمثل صيغة أقل رسمية، إذ تعمل في إطار قانون التحكيم البريطاني، الذي يسمح أيضًا بوجود المجالس الدينية اليهودية المعروفة باسم بيت دين.

وفي الولايات المتحدة، يكفل الدستور بالفعل حماية قوية للحرية الدينية.

وكما قال أحد الأئمة الأميركيين مؤخرًا خلال جلسة استماع في الكونغرس بعنوان «الإسلام والشريعة والدستور الأميركي»: “هذا كل ما نطلبه.”

إن مثل هذه الصيغ التي توفق بين الدولة الليبرالية الحديثة والتدين الإسلامي، إلى جانب النقاشات الصريحة حولها، أصبحت اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.

فهي قد تساعد على تجنب أن يقضي العالم بقية هذا القرن في صدامات بين الأديان والحضارات.

كما أنها قد تساعد مزيدًا من المسلمين على إدراك قيمة الحرية، وهي كل ما يحتاجونه لممارسة دينهم.

 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN)
.----
https://alhurra.com/27690
----

____________________________

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق