من موقع صحيفة القدس يوم 2-7-2026
إنخيدونا… الشاعرة السومرية التي وقّعت أول نص أدبي في التاريخ
-
تعليق صلاح : يا لحسرة " انخيدونا " 😕 ! ضاعت لغتها السومرية تحت أقدام الزمن , وصارت اللغة الرسمية لبلادها الآن , هي لغة بدو الصحراء الملاصقة لبلادها !
![]() |
شاكر لعيبي - كاتب ومترجم عراقي
إنخيدونا (المعروفة في السومرية باسم En-hedu-ana التي تُترجم عموما إلى «الكاهنة العظمى زينة السماء» كانت أميرة من سلالة الأكاديين، عاشت في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد. ابنة الملك سرجون الأكدي، نصّبها والدها كاهنة عظمى للإله نانا (أو سين) في مدينة أور، موطن أحد أهم معابد الإله في سومر. نانّا (Nanna) أو سين أو سوين (Suen/Sin) هو إله القمر والحكمة في أساطير بلاد ما بين النهرين (السومرية، الأكدية، البابلية، والآشورية). يُعد من أقدم آلهة المنطقة، وتتجلى مكانته كرمز للخصوبة والوقت. كما عُرفت في التراث الرافديني اللاحق كشاعرة مرموقة كتبت باللغة السومرية، ونُسبت إليها ثلاث ترانيم على الأقل، اثنتان منها في مدح الإلهة إنانا (أو عشتار). وبذلك، تُعدّ أقدم من أنتج عملا أدبيا وصل إلينا اسمه وجزء كبير منه. مع ذلك، لا يزال الباحثون يناقشون نسبة هذه الأعمال إليها، إذ لم تصلنا أي نسخ من عصرها. الرأي السائد هو أن الكاهنة هي بالفعل مؤلفة الترانيم الثلاث المنسوبة إليها تقليديا، على الرغم من أنها ربما عُدّلت بعد وفاتها. لكن بعض المتخصصين يشككون في كونها كاتبة، بينما يرجح آخرون أنها ربما ألّفت أعمالا أخرى.
أدى اكتشاف نصوص إنخيدونا من قِبل متخصصين في الأدب السومري إلى تسليط الضوء على هذه المؤلفة المحتملة. عُرف اسمها منذ عام 1927 عندما تم اكتشاف القرص الذي يحمل اسمها في أور، ولكن لم يُؤخذ دورها الأدبي بعين الاعتبار، إلا مع تقدم عملية فك رموز النصوص السومرية. في عام 1950، كان آدم فالكنشتاين Adam Falkenstein أول من خصّص لها مقالا. ثم، بدءا من أواخر الستينيات، وفرت ترجمات أناشيدها التي قام بها كل من ج. ج. فان دايك J. J. van Djik وويليام و. هالو William W. Hallo (تمجيد إنانا) وآكي و. سيوبرغ Åke W. Sjöberg وإ. بيرغمان E. Bergmann (أناشيد المعابد وترنيمة إنانا) أساسا لإعادة اكتشاف هذه الشخصية المنسية.
في عام 1978، كانت عالِمة الأنثروبولوجيا الأمريكية مارتا ويجل (Marta Weigle) أول من جعلها رمزا نسويا، وشخصية تقف في وجه النظام الأبوي، وكان يُتوقع منها أن تنتزع مكانة الشاعرة سافو الإغريقية، كأقدم شاعرة معروفة. لاحقا، نُشرت ترجمات غير أكاديمية لأعمال إنخيدونا، بهدف إثبات نسبتها إليها. وهذا يُشير إلى فكرة قدرتها على التأثير في أحداث عصرها وأيديولوجيته، وبالتالي يثير تساؤلات حول دور المرأة في المجتمعات القديمة التي هيمن عليها النظام الأبويّ. على الرغم من أنها لا تزال شخصية غير معروفة نسبيا مقارنة بغيرها من الكاتبات القديمات، فقد أصبحت إنخيدونا مرجعا يُستشهد به أقلها في موطنها، العراق الحالي.
كانت إنخيدونا ابنة سرجون الأكادي، وهو حاكم يُؤرَّخ لحكمه تقريبا من عام 2334 (أو 2316) إلى عام 2279/2277 قبل الميلاد. سرجون شخصية غامضة الأصل، حكم مدينة أكاد، التي كانت قبله ذات شأن ضئيل، ولا يزال موقعها الدقيق مجهولا: يُرجَّح أنه على نهر دجلة، في وسط بلاد ما بين النهرين، بين سامراء وبغداد في العصر الحديث. حوالي عام 2300 قبل الميلاد، تمكن سرجون من السيطرة على كامل بلاد ما بين النهرين السفلى، وهو إنجاز لم يسبقه إليه أي ملك. وحّد مجموعة من دويلات المدن المستقلة، وحوّلها إلى ولايات. ثم قاد حملات عسكرية أوصلته إلى أبعد مما وصله أسلافه، فوصل إلى وسط سوريا، وجبال زاغروس، وأرض عيلام. ولذلك، يُعدّ سرجون شخصية استثنائية، اكتسبت مكانة بارزة في بلاد ما بين النهرين القديمة، تُشبه إلى حد ما مكانة الإسكندر الأكبر في العالم اليوناني الروماني. تشير النقوش المتعلقة بإنخيدونا إلى نسبها إلى الحاكم، حيث تُقدّم فيها بصفتها «ابنة سرجون». ويبدو أن العديد من الترانيم المنسوبة إليها تعكس السياق السياسي والأيديولوجي لتلك الحقبة، إذ يُعتقد أن إنخيدونا ألّفتها لدعم السلالة من خلال اللاهوت.
ربما كانت إنخيدونا على قيد الحياة في بداية عهد الحاكم الرابع للسلالة: ابن أخيها نارام سين Naram-Sin d’Akkad الأكدي (ابن مانيشتوسو، الذي حكم حوالي 2261-2206 أو 2253-2198 قبل الميلاد). وربما شاركت في أحداث الثورة الكبرى التي اجتاحت بلاد ما بين النهرين السفلى في وقت غير محدد خلال فترة حكم ابن أخيها الطويلة (37 عاما على الأقل). ويعتقد مؤرخو تلك الفترة أن إنمينانا Enmenanna، الكاهنة العظمى (حوالي 2200 قبل الميلاد) (وهي أيضا أميرة وكاهنة) التي عينها نارام سين في أور، كانت الوريثة المباشرة لإنخيدوانا.
المصدر الرئيسي المتعلق بإينخيدونا ككاهنة عظمى للإلهة نانا هو قرص من المرمر، قطره 25.6 سم وسمكه 7 سم، عُثر عليه في أور بمنطقة جيبارو (مقر كاهنة نانا) علينا معرفة أن جيبارو (Gipar) هو الجناح أو المعبد المقدّس المخصّص لسكن الكاهنة العليا (أو الكاهن الأعلى) لمعبود أو إله بلاد ما بين النهرين القديمة، وتحديدا في مدينة أور السومرية. هذا القرص يحمل نقشا بارزا، بالإضافة إلى نقش على وجهه الخلفي، طُمِسَ معظمه، ولكن يمكن إعادة بنائه من نسخة نُقشت على لوح في القرن الثامن عشر قبل الميلاد (إذا كان هذا اللوح هو بالفعل الذي يحمل هذا النقش). النقش البارز عبارة عن إفريز مركزي يصور الكاهنة مع ثلاث شخصيات أخرى. الشخصية الموجودة في أقصى اليسار هي كاهن عارٍ (ربما هو المشار إليه في النصوص بلقب لاغار lagar) يسكب قربانا على دعامة طُمِسَ معظمها على القرص. تقف إنخيدونا خلفه، مرتدية رداء مُهدّبا وعمامة. تتبعها شخصيتان أخريان محفوظتان بشكل سيئ، يُحتمل أنهما مساعدتان تحملان أشياء تُشبه نوعا من الآلات الموسيقية وإناء. ويظهر بناء مُدرّج، يُعتقد أحيانا أنه زقورة، على يسار المشهد. ويُترجم النقش (مع إعادة بناء اللوح المنسوخ) إلى: «إنخيدونا، زيرو نانا، زوجة نانا، ابنة سرجون، ملك كيش، بنت قاعدة في معبد إنانا- زازا، وأطلقت عليها اسم: «مظلة، مائدة الإله آن». وهكذا، تُقدّم الصورة والنص معلومات أساسية عديدة حول دور الكاهنة الكبرى للإله نانا: فهي تُعتبر زوجته الأرضية (دام)، ويُستخدم لقب (الأكادي) زيرو كلقب لزوجته الإلهية، الإلهة نينغال. تتبع مم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق