اقتصاديات الهيدروجين النظيف: الفرصة الجيواقتصادية المنسية للعراق في عصر ما بعد النفط
الكاتبة : زينب حسين صبيح
الحوار المتمدن : 8761 - 2026 / 7 / 9
في وقت يتركز فيه النقاش الأكاديمي والسياسي في العراق حول كيفية إدارة الأزمات المالية الناتجة عن تذبذب أسواق النفط، يمر العالم بتحول صامت لكنه جذري في بنية الطاقة العالمية. هذا التحول لا يقتصر على الطاقة الشمسية والرياح فحسب، بل يرتكز على ولادة عملاق طاقوي جديد يُعرف بـ "اقتصاد الهيدروجين النظيف"
وبينما تتسابق القوى الإقليمية والدولية لحجز مقاعدها في سلاسل توريد هذا الوقود المستقبلي، يبرز تساؤل جوهري مغيب أكاديمياً: أين يقع العراق –الذي يمتلك كافة المقومات الهيكلية ليكون لاعباً عالمياً في هذا القطاع– من خارطة الاستثمار في الهيدروجين؟
الميزة النسبية الكامنة: أكثر من مجرد نفط
تُجمع الدراسات الاقتصادية الحديثة على أن إنتاج الهيدروجين النظيف (سواء الأخضر الناتج من الطاقات المتجددة، أو الأزرق الناتج من الغاز الطبيعي مع احتجاز الكربون) يتطلب ثلاثة عناصر أساسية: وفرة مصادر الطاقة (الهيدروكربونية والمتجددة)، ومساحات شاسعة من الأراضي، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً يربط أسواق الاستهلاك الكبرى.
وهنا تبرز الميزة النسبية المطلقة للعراق؛ فالبلد لا يمتلك فقط احتياطيات ضخمة من الغاز المصاحب والطبيعي الذي يمكن تحويله إلى هيدروجين أزرق، بل يمتلك أيضاً مؤشرات إشعاع شمسي هي الأعلى عالمياً في مناطقه الصحراوية، مما يجعله بيئة مثالية لإنتاج الهيدروجين الأخضر. هذا التمازج الهيكلي يمنح العراق فرصة نادرة للتحول من "دولة ريعية نفطية مهددة" إلى "قوة طاقوية مرنة متعددة المصادر".
معضلة سلاسل الإمداد وإعادة توظيف البنية التحتية
العقبة الأكبر التي تواجه اقتصاد الهيدروجين عالمياً ليست الإنتاج، بل اللوجستيات وسلاسل الإمداد؛ نظراً لكلفة النقل المرتفعة وحاجة الهيدروجين إلى ظروف تبريد وضغط معقدة. وهنا تكمن العبقرية الاقتصادية التي لم تُستغل بعد في العراق: إعادة الهندسة الوظيفية للبنية التحتية القائمة.
من المنظور الأكاديمي الوصفي، يمكن للعراق تقليل كلفة الاستثمار الأولي بشكل هائل عبر:
تطوير شبكات الأنابيب الحالية: بدلاً من بناء شبكات نقل جديدة بمليارات الدولارات، يمكن دراسة خلط الهيدروجين بالغاز الطبيعي وضخه عبر شبكات الأنابيب القائمة للتصدير أو الاستهلاك المحلي.
الموقع الجيوسياسي ومنافذ التصدير: يتيح القرب الجغرافي للعراق من الأسواق الأوروبية والآسيوية المتعطشة للطاقة النظيفة، بناء خطوط إمداد حيوية تجعله ممرًا استراتيجيًا لنقل الطاقة من الخليج نحو أوروبا، مما يمنحه عوائد "ترانزيت" جغرافية تفكك اعتماده الكلي على الممرات البحرية الحرجة.
التحديات التمويلية والفجوة الاستثمارية
على الرغم من هذه الآفاق الواعدة، فإن ولوج العراق هذا المضمار يصطدم بعقبة التمويل؛ إذ إن مشاريع الهيدروجين تعد من المشاريع الكثيفة رأس المال. وفي ظل العجز الهيكلي للموازنة العامة العراقية المزحومة بالإنفاق التشغيلي، يصبح الاعتماد على التمويل الحكومي أمراً مستحيلاً.
لذا، يتطلب هذا التحول ثورة في فلسفة الاستثمار الوطنية، ترتكز على:
1. عقود الشراكة الدولية بعيدة المدى: جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة عبر تقديم تسهيلات استثمارية في المناطق التنموية الخاصة بإنتاج الطاقة.
2. أدوات التمويل الأخضر المبتكرة: السعي لربط العراق بالصناديق الدولية للمناخ، واستصدار سندات بيئية مخصصة حصراً لتمويل مشاريع الهيدروجين والغاز المصاحب، مما يقلل من تكلفة رأس المال الناتجة عن التصنيف الائتماني المنخفض للدولة.
خاتمة: خيار الوجود التنموي
إن التغاضي عن إدراج اقتصاد الهيدروجين في الخطط الاستراتيجية العراقية يعد قصوراً تنموياً قد يدفع البلد ثمنه غالياً خلال العقود القادمة. إن النفط لن يختفي فجأة، لكن قيمته الجيو سياسية والاقتصادية ستتراجع حتماً لصالح البدائل النظيفة. وتحويل العراق إلى مركز إقليمي لإنتاج وتصدير الهيدروجين ليس مجرد مشروع اقتصادي عابر، بل هو طوق النجاة الهيكلي الذي سيضمن استدامة الإيرادات العامة، ويخلق فرص عمل معرفية وتقنية نوعية، ويحفظ للعراق مكانته كلاعب لا يمكن الاستغناء عنه في أمن الطاقة العالمي
-------
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق