كتابات مختارة - الاعجاز العلمي في ألف ليلة وليلة


الاعجاز العلمي في ألف ليلة وليلة



"عندما تتوقف قدرة الأمة على الابداع فإنها تلجأ الى نصوصها القديمة تستنطقها ما ليس فيها ولا تدري انها بذلك تظلم نفسها وتظلم النص وتدلس على القارئين"

جاء في "حكاية الحمال مع البنات"، التي بدأتها شهرزاد في الليلة الثامنة من ليالي ألف ليلة وليلة، ".... أن بنت الملك أخذت بيدها سكينا مكتوبا عليها أسماء عبرانية، وخطت بها دائرة في وسط وكتبت فيها أسماء وطلاسم وعزمت بكلام وقرأت كلاما، لا يفهم، فبعد ساعة أظلمت علينا جهات القصر، حتى ظننا أن الدنيا قد إنطبقت علينا وإذا بالعفريت قد تدلى علينا في أقبح صفة بأيد كالمداري ورجلين كالصواري وعينين كمشعلين يوقدان نارا، ففزعنا منه. فقالت بنت الملك لا أهلا بك ولا سهلا، فقال العفريت وهو في صورة أسد يا خائنة كيف خنت اليمين أما تحالفنا على أن لا يعترض أحدنا للآخر فقالت له يا لعين ومن أين لك يمين فقال العفريت خذي ما جاءك ثم انقلب أسدا وفتح فاه وهجم على الصبية. فأسرعت وأخذت شعرة من شعرها بيدها، وهمهمت بشفتيها فصارت الشعرة سيفا ماضيا وضربت ذلك الأسد فقطعته نصفين، فصارت رأسه عقربا، وانقلبت الصبية حية عظيمة وهمهمت على هذا اللعين وهو في صفة عقرب، فتقاتلا قتالا شديدا، ثم انقلب العقرب عقابا فانقلبت الحية نسرا وصارت وراء العقاب واستمرا ساعة زمانية ثم انقلب العقاب قطا أسود، فانقلبت الصبية ذئبا فتشاحنا في القصر ساعة زمانية وتقاتلا قتالا شديدا فرأى القط نفسه مغلوبا فانقلب وصار رمانة حمراء كبيرة ووقعت تلك الرمانة في بركة وانتثر الحب كل حبة وحدها وامتلأت أرض القصر حبا فانقلب ذلك الذئب ديكا لأجل أن يلتقط ذلك الحب حتى لا يترك منه حبة فبالأمر المقدر، تدارت حبة في جانب الفسقية فصار الديك يصيح ويرفرف بأجنحته ويشير إلينا بمنقاره ونحن لا نفهم ما يقول، ثم صرخ علينا صرخة تخيل لنا منها أن القصر قد انقلب علينا ودار في أرض القصر كلها حتى رأى الحبة التي تدارت في جانب الفسقية فانقض عليها ليلتقطها وإذا بالحبة سقطت في الماء فانقلب الديك حوتا كبيرا ونزل خلفها وغاب ساعة وإذا بنا قد سمعنا صراخا عاليا فارتجفنا ..."

ومن المثير للاهتمام ان كلا من طرفي الصراع قد مر بعدة تحولات. فالعفريت الشرير تحول الى اسد ثم الى عقرب ثم الى عقاب ثم الى قط ثم الى رمان. وبالمثل تحولت بنت الملك الى حية ثم الى نسر ثم الى ذئب ثم وأخيرا الى ديك. الا ان هذه التحولات المتتالية في "هيئة" طرفي الصراع لم تؤثر على "جوهر" أيا منهما فظلت بنت الملك هي بنت الملك وظل العفريت هو العفريت.

ظهر في عام 1973 كتاب صغير الحجم عظيم الشأن، عنوانه غير مألوف وقراءته ليست بالأمر اليسير حتى للمتخصصين....!.... والكتاب هو "الأوتوبويزس: تنظيم الحياة" Autopoieseis: The Organization of Living الذي ألفه عالما البيولوجيا التجريبية التشيليان همبرتو ماتورانا Maturana و فرانسيسكو فاريلا Varela. وقد خصص المؤلفان كتابهما الفريد للإجابة على السؤال الذي طالما حير علماء البيولوجيا والفلاسفة سواء بسواء، وهو "ما هي الخاصية الرئيسية التي تميز الكائنات الحية عن غيرها من الموجودات؟". هل هي وجود مادة البروتوبلازم Protoplasm في ثناياها ؟ ... أم هي قابليتها للنمو؟ ... أم هي قدرتها على التكاثر؟ ... أم هي متصلة كل هذه الخصائص مجتمعة؟. وكانت إجابة ماتورانا وفاريلا غير المسبوقة على السؤال كلمة واحدة هي الـ "أوتوبويزيس" Autopoieseis ... ؟ . والكلمة، التي قد لا تجد لها أثرا في المعاجم العامة أو حتى المتخصصة منها، قد سكها ماتورانا من كلمتين يونانيتين هما: كلمة Poiesis (ποτευτν) بمعنى "الخلق" أو "التوالد" ، وكلمة Auto (αντοο) بمعنى "الذاتي" أو النابع من الذات. وعلى الرغم من أن كلمة "أوتوبويزيس" تعنى حرفيا "التخلق – الذاتي" أو "التوالد – الذاتي" ، إلا أن المؤلفين لم يستخدمها بمعناها الحرفي بل استعملاها كتسمية للخاصية الأساسية التي تميز "ظاهرة الحياة" بكافة أشكالها ومستوياتها وتشتق منها كافة الصفات الأخرى التي تتمتع بها الكائنات الحية بمختلف أصنافها وأجناسها.

وهذا بالضبط ما فعله ماتورانا و فاريلا في تعريفهما للأوتوبويزيس، إذ فرقا في البداية بين "جوهر" الكائن الحي أو "انتظامه"Organization ، وبين الـ "هيئة" أو "البنية"Structure التي يظهر عليها هذا الانتظام ويتبدى فيها للعيان. فـ "جوهر" الكائن الحي كما عرفه العالمان، يتمثل في مجموع وطبيعة العلاقات التي تربط بين مكوناته فتكسبه "هوية" متفردة تفرق نوعه عن بقية الأنواع الأخرى للكائنات. أما "الهيئة" فهي التجسيد الملموس لهذه العلاقات في بيئة مادية بعينها توفر المادة اللازمة لتشكل جوهر الكائن الحي فيبرز فيها ككيان متميز محدد الملامح والقسمات. وتشبه العلاقة بين جوهر الكائن الحي وهيئته في كثير من نواحيها تلك التي تربط بين الفكرة الواحدة وبين الأشكال المختلفة المستخدمة في التعبير عنها والتي قد تكون نصا يتشكل في البيئة اللغوية بما تقدمه من حروف وكلمات وقواعد، وإما رسما يتشكل في البيئة التصويرية بما تقدمه من أشكال وألوان، أو لحنا يتشكل في البيئة الموسيقية بما تقدمه من نغمات ومقامات. وهكذا وبعد أن بين ماتورانا و فاريلا الفروق الدقيقة بين جوهر الكائن الحي وبين هيئته وأوضحا العلاقة بينهما، و بعد استقراء عميق نتائج بحوثهم التجريبية في مجال بيولوجيا الخلية، خلصا إلى نتيجة مهمة مفادها أن "الكائن الحي" يسعى دوما للحفاظ على بقاء جوهره (أو انتظامه الداخلي) على حاله دون تبدل و تغيير وبغض النظر عما قد يحدث لهيئته (أو بنيته الظاهرة) من تغيرات وتبدلات. وهو الأمر الذي يعرف في لغة أهل الصنعة بخاصية "الانغلاق التنظيمي"Organizational Closure (ثبات الجوهر) و"الانفتاح البنيوي"Structural Openness (القابلية لتغيير الهيئة). 

وقد يدفع التشابه بين ما جاء في حكاية الصراع بين بنت الملك والعفريت وما جاء في كتاب "الأوتوبويزس: تنظيم الحياة" يدفع البعض للقول بان مؤلفوا الف ليلة وليلة قد توصلوا ، منذ اكثر من 1000 سنة، لما توصل ماتورانا و فاريلا سنة 1973. ويتغافل هؤلاء عن حقيقة ان خيال الادباء ليس من مصادر المعرفة العلمية وان انتاج هذه المعرفة يتطلب تبني طرقا مقننة ومنضبطة لاستخلاصها من الواقع وللتحقق من صحتها.
===========

تعليقات