كتابات مختارة - الشاعر الزهاوي



الزهاوي يدعونا للثورة على الجحيم.. كما ثورته (1)


الزهاويّ كما كل شعراء العراق تقريبا مدح وذمّ وأشتغل بالسياسة، أمّا "كمعارض" أو جزء من نسيج السلطة. إلا أنّه تميّز عنهم كونه تطرّق الى أبواب لم يتطرق إليها غيره من الشعراء، أو تطرّقوا إليها لمامّا. فالزهاويّ الذي دخل الكتّاب في سن الرابعة لينهي فيه حفظه للقرآن، ولينتقل بعدها لحفظ بعض العلوم وهو مازال فتى، بدأ الدراسة على يد العلّامة الشيخ عبد الرحمن القره داغي الذي قام "بتدريسه بعض العلوم العقليّة والنقليّة، وقد إستفاد من هذا الأستاذ فائدة تامّة، على الرغم ممّا قام بين الأثنين من مجادلات حول قضايا البعث والنشور ويوم الحساب وأصل الأنسان، إذ كان الزهاوي يشك في كل هذه الغيبيات" (1) . عند هذه النقطة تحديدا علينا التوقف مليّا، لأننا هنا أمام مشروع شاعر متمرّد على مفاهيم عصره، تلك المفاهيم التي ظلّت ولليوم محاطة بهالة من القدسيّة، كونها منطقة حرام ذات مليون خط أحمر ولم يتجاوزها أحد الّا وأُتّهم بالزندقة والكفر والإلحاد وليدفع جرّائها حياته أو حريّته ثمنا. ويبدو أنّ المجادلات بينه وبين أستاذه تحوّلت الى إيمان مطلق بالعلم والفلسفة واللتان كانتا سلاحه في شعره وهو يقف بوجه الغيبيات التي كانت تشع جهلا وتخلفا ولليوم، خصوصا وأنّه كان قارئا نهما لكل ما يصل للعراق وقتها من كتب ومجلات. لذا نراه وهو في سنّ الواحد والخمسين من عمره ينشر قصيدته "الدمع ينطق" وهو في مصر ما أثار عليه علماء الأزهر متّهمين إياه بالكفر والألحاد والزندقة، والتي يقول في بعض أبياتها متأثّرا بتلك الإرهاصات الأولى والتي لازمته كظلّه الى آخر حياته قائلا: 

وسائلة هل بعد أن يعبث البلى .......... بأجسادنا، نحيا ونرنو وننطق؟
فقلت مجيبا إنني لست واثقا ................. بغير الذي حِسّي له يتحقق
وهيهات لا ترجى الحياة لميْت ............... إليه البلى في قبره يتطرق
تقولين يفنى الجسم والروح خالد ...... فهل بخلود الروح عندك موثق؟

وقد كان الزهاوي وهو يتابع الحركة الثقافيّة والعلمية والفلسفيّة في شتّى البلدان، متأثّرا بكل ما هو جديد وتقدّمي من أفكار ورؤى ، تلك التي تواجه أفكار ورؤى متخلفة من تلك التي كان يعيشها العراق وقته ولليوم، فتراه يقول باحثا عن جديد في مجتمعه لينقله "المجتمع" للأمام:

سئمت كلّ قديم ........ عرفته في حياتي
إن كان عندك شئ ..... من الجديد فهات

في هذه المقالة المتواضعة، لا أريد الغوص في شعر الزهاويّ، فأنا لست بشاعر أو ناقد ولا حتّى ضليع باللغة ودهاليزها لأقيّم شاعرا كالزهاوي ولا أيّ شاعر غيره. لكنني سأركّز على أمرين مهمّين من شعره وهما ما نحتاجه كشعب عراقي يعاني الأمّرين تحت سلطة الإسلام السياسي والمؤسسات الدينيّة. أولّهما المرأة وحقوقها وتطلعاتها والتي لم تكن سوى بضاعة عند أولياء أمورها، هذه المرأة التي أصبحت اليوم ضحيّة لترّهات الفتاوى الدينية وإرهاب ميليشيات القوى الإسلاميّة المنفلتة، والثاني هو موقفه من الجهل والتخلف الذي كان يلفّ المجتمع العراقي في حياته، هذا الجهل والتخلف اللذان أصبحا اليوم أكثر شدّة وقتامة مقارنة مع تطور البلدان والشعوب التي كانت دون وطننا وشعبنا تقدّما وثقافة الى ما قبل ثلاثة عقود تقريبا. إنني ومن خلال هذه المقالة والتّي أريدها أن تكون سياسيّة وليست نقديّة، أود أن أقارن حالة الجحيم التي أعلن فيها الزهاوي ومعه كبار الفلاسفة والمفكرّين ثورتهم ضد زبانيته من خلال ملحمته الخالدة "ثورة في الجحيم"، وإحتلالهم للجنّة التي يسكنها التنابلة. وبين شعبنا وهو يعيش جحيمه الإسلامي، دون أن يرفّ له جفن ليعلنها ثورة ضد زبانية الإسلام السياسي من أحزاب وعمائم من الذين دمّروا حياته ومستقبله ومستقبل أجياله. هؤلاء الزبانيّة التنابلة والمجرمون الذين يعيشون في جنّة المنطقة الخضراء، وجنان مدن وعواصم خارج العراق. 

لم يألوا الزهاوي جهدا في دفاعه عن المرأة، مستثمرا كل ما عنده من طاقات على شحتّها كونه كان وحيدا تقريبا في غابة من مجتمع رجولي يكره المرأة ويستخفّ بها، لإنقاذها من ذلّها الذي كانت تعيشه. فكان بحق من أكثر الشعراء جرأة وجسارة وهو يواجه ليس أفراد قلائل أو مجتمع وسلطة، بل جميع من يدين بالإسلام حينما قال:
هزأوا بالبنات والأمّهات ......... وأهانوا الأزواج والأخوات
هكذا المسلمون في كل صقع ....... حجّبوا للجهالة المسلمات
سجنوهنّ في البيوت فشلّوا ..... نصف شعب يهمّ بالحركات

والزهاويّ وهو يراقب حال المرأة في مجتمعه نراه يعود ليحاكم الإسلام الرسمي والدارج من خلال وأده للمرأة، التي نهى القرآن عن وأدها. لكنّه لا يعني في شعره الوأد بمعناه الذي كان عليه عصر تحريمه، بل بمعنى يومه والذي لازال مستمرا. إذ تُزوج المرأة دون إرادتها، وتعتقل في البيت دون إرادتها، وتُضرب دون أن يكون لها الحقّ في الدفاع عن نفسها، ويحجّبوها دون أن ترضى، فنراه يقول:
غصبوا النساء حقوقهنّ ......... فلا تُصان ولا تؤدّى
القوم يا إبنة يعرب .......... من جهلهم وأدوك وأدا
ظلموك ظلما ما رأيت ........... له لعمر الحقّ حدّا
حجّبوك عن أبناء نو ........ عك حاسبين الغيّ رشدا
سجنوك في بيت أُريد ............. بضيقه ليكون لحدا

ولمعرفته بدور المرأة في تقدّم المجتمع نتيجة لدورها التربوي كأم، وخطورة جهلها وتخلفّها في دفع أبنائها الى مستنقع الجهل والتخلّف التي تعيشها نفسها، ما يؤدّي الى تخلف المجتمع بأكمله، نراه يدعو الى رقيّ الأبناء من خلال رُقّي المرأة، والذي من وجهة نظره يبدأ بسفورها فيقول:
ليس ترقى الأبناء في أمّة ما ......... لم تكن قد ترّقت الأمّهات
أخّر المسلمين عن أُمم الأر ..... ض حجاب تشقى به المسلمات

لم يفقد الزهاويّ جرأته ورباطة جأشه وهو يواجه سؤال أحد الملكين في قبره وهو يسأله عن سفور المرأة في ملحمته "ثورة في الجحيم"، فدار بينهما الحوار التالي:

قال هل في السفور نفع يرجّى ..... قلت خير من الحجاب السفور
إنمّا في الحجاب شلّ لشعب ............ وخفاء وفي السفور ظهور
كيف يسمو الى الحضارة شعب ...... منه نصفه عن نصفه مستور
ليس يأتي شعب جلائل ما لم ...................... تتقدم إناثه والذكور
أنّ في رونق النهار لناسا ............... لم يزل عن عيونها الديجور

في المؤتمر النسوي الذي إنعقد في نادي لورا خضوري عام 1932 ، وبحضور وفود نسويّة عربيّة من مصر وسوريا ولبنان وفلسطين، أُثيرت من المؤتمِرات مسألة الحجاب والسفور، والذي واجهته القوى المحافظة وصحفها ومنها صحيفة الإستقلال بشدّة، ما دفع القائمات عليه الى عدم مناقشة المسألة درءا للمشاكل. الّا أنّ الزهاويّ إستبق المعركة هذه بقصيدته (تباشير الإنقلاب)، والتي هاجم فيها كعادته الحجاب والنقاب داعيا المرأة الى المضي في معركتها من أجل السفور، فأنشد في الحفل الذي أُقيم للمؤتمر:

من بعد ما أنتظرت حقابا ..... ثارت فمزّقت الحجابا
عربيّة عرفت أخيرا ............... كيف تنبذ ما أرابا
كان الحجاب يسومها .......... خسفا ويرهقها عذابا

ولم يتوقف الزهاويّ عند هذه النقطة، بل تحرّك نحو المنطقة الممنوعة، حينما طلب من المرأة البحث عن حريّتها بعيدا عن قشور الدين فخاطبها قائلا: 

الحقّ حقّك فأنشديه ............... في محاولة طلابا
وإذا أبو فخذيه منهم ............... في مكافحة غلابا
لا تعبئي أبدا بغر ............... بان يواصلن النعابا
وذري من الدين القشو ..... ر جميعها وخذي اللبابا
عزوا الحجاب الى الكتا ...... ب فليتهم قرأو الكتابا

كان من الطبيعي أن يتعرّض الشاعر الى هجوم عنيف من مختلف الإتجّاهات وهو يدافع عن المرأة وحريّتها، لكنّه كان مؤمن من أنّ الصواب والحقيقة الى جانبه فكتب خلال محنته تلك قصيدته (هي الحقيقة)، والتي قال فيها:

هي الحقيقة أرضاها وإن غضبوا ..... وأدّعيها وإن صاحوا وإن جلبوا
أقولها غير هيّاب وإن حنقوا ........... وإن أهانوا وإن سبّوا وإن ثلبوا
إن يقتلوني فكم من شاعر قتلوا .......... أو ينكبوني فكم من عالم نكبوا
جاؤوا إليّ غضابا يسرعون ضحى .......... فما رأيتهم الّا قد إقتربوا
هذا يسير على مهل ويشتمني ........... وذاك يحبو وذا يعدو وذا يثب

ولم يكتف الزهاويّ وهو يدافع عن المرأة العراقيّة وحقوقها بالشعر فقط، فقد كتب في جريدة "المؤيّد الأسبوعي" القاهريّة في السابع من آب / أغسطس سنة 1910 مقالا تحت عنوان (المرأة والدفاع عنها) ، فما أن قرأه رجال الدين والمحافظين (حتّى ثارت ثائرتهم على ما جاء فيه من آراء جريئة وأحكام تناقض ما جاءت به الشريعة)(2). وعلى الرغم من عزله من وظيفته حينها ، الّا أن الشيخ سعيد النقشبندي وكرأس رمح لبقية رجال الدين والشخصيّات المحافظة ألّف رسالة بحقّ الزهاويّ أسماها (السيف البارق في عنق المارق) ، ما دفع الزهاوي كما كل الأحرار الذين يدافعون عن الحقيقة الى ملازمة داره خوفا. وكأنّه يرى واقعنا المؤلم اليوم والرصاص يغتال كل ما هو مثقف ووطني وجميل في هذا الوطن المحكوم بأمثال النقشبندي وغيره من المجرمين، فكتب يخاطب زوجته شعرا:

أبثين إن أدنى العدوّ حمامي ........... بمسدس يوريه أو بحسام
فتجلّدي عند الرزية وأحسبي..... إنّي إجتمعت إليك في الأحلام
            
                               جنازة الزهاوي  عام 1936

إننّا اليوم لبحاجة الى أمثال الزهاوي، ليدافع عن المرأة العراقية بوجه خفافيش الظلام. هؤلاء الذين تركوا كل مشاكل بلدنا دون حلول، ليتشبثوا بمسألة الحجاب، وكأنّ مشاكل شعبنا ووطننا مرتبطة به. وإن كان الحجاب هو الوسيلة لإنهاء مشاكل شعبنا ووطننا المبتلى بفتاواهم الشيطانيّة، فلم فرض الحجاب على نساء إيران والسعوديّة وأفغانستان والسودان وغيرها من البلدان المتخلّفة والقمعيّة، لم ينهي مشاكلها التي تتناسل وتكبر كل يوم!؟ 
هوامش :
(1) ديوان جميل صدقي الزهاوي الصفحة د.
(2) المصدر السابق الصفحة ن.
=====

تعليقات