مقالات مختارة


الصراع فى مجلس النواب ومجلس العائلة



كنت أشهد فى طفولتي، الصراع الذى يدور فى بيتنا، كلما تجمع الأقارب من عائلتى أبى وأمى فى الأعياد، ضحكاتهم وقهقهاتهم أو أصواتهم العالية الغاضبة، تصلنى الى غرفتي، نساء ورجال من الطبقتين العليا والدنيا، مثقفين وفلاحين، البهوات والفقراء، يتجمعون فى الشرفة الكبيرة، عائلة شكرى بيه سليلة المجد حتى طلعت باشا فى إسطنبول، وعائلة السعداوي، من كفر طحلة، تختلط رائحة العرق فى الجلاليب البالية مع رائحة العطور الفرنسية فى الفساتين الحريرية, والبدل الإفرنجية من الصوف الإنجليزي، تفوح رائحة الويسكى ودخان البايب مع رائحة الطين والروث.

كنت طفلة بالمدرسة الابتدائية أعشق الموسيقى والرقص وقراءة الشعر والروايات الأدبية وقصص الحب، وكلها أمور تندرج، فى نظرهم جميعا، تحت بند قلة الأدب وفساد الأخلاق، إلا أمى وأبي، كان الاثنان لحسن حظى يختلفان تماما عن الأقارب، كأنما من فصيلة بشرية أخري. كانت مصر تنوء تحت نير الاحتلال البريطانى وحكم الملك فاروق، أسمع أبى يحكى عن الصراع الدائر فى مجلس النواب حول التعليم المجانى للفقراء، أحد البشوات اسمه البدراوى عاشور، يرفض هذا التعليم لأنه يؤدى الى تحويل أصحاب الجلاليب الزرقاء الى أصحاب جلاليب مكوية، سوف يتعلم أولاد الفلاحين ويصبح من الصعب أن يمسكوا الفأس بعد ذلك، أحد البشوات الآخرين اسمه وهيب دوس، يؤكد أن تعليم أولاد الفقراء خطر اجتماعى هائل يؤدى الى ثورات نفسية، ويرفض طلعت حرب باشا تعليم الفقراء لأنه يؤدى الى تفتيح أذهانهم وهذا خطر على الحكومة.

يرتفع صوت أبى منددا بأحزاب الأقلية والبشوات من حزب الأحرار الدستوريين اللى عاوزين الفلاحين يموتوا من الجوع، ويؤيد حكومة الوفد والنحاس باشا، بسبب تقديمهم مشروع قانون لمجلس النواب عام 1940 ينص على عدم الحجز على بيت الفلاح المفلس العاجز عن دفع الضرائب. وصاح إقطاعى بمجلس النواب هذه بلشفية, يعنى إيه بلشفية يا باشا؟ يعنى شيوعية، ويعنى إيه شيوعية؟، لا أحد يعرف إلا جدتى الفلاحة، تقول: يعنى كل حاجة تبقى على المشاع. ويضحك عليها البهوات من عائلة أمي، ترد عليهم بغضب، وهى تشوح بيدها الكبيرة المحروقة بالشمس المشققة بالفأس: الباشا بتاعكم زى العمدة بتاعنا فى كفر طحلة لا يمكن يرتاح إلا لما الفلاحين يموتوا من الجوع لكن ربنا مع الفقرا دايما. ويدور الصراع فى بيتنا كما فى مجلس النواب، ينضم الفلاحون من عائلة أبى الى حزب الوفد والنحاس، وتنضم عائلة أمى الى البشوات وأحزاب الأقلية.

لم يكن أبى وفديا، كان يدرك تلاعب الأحزاب جميعا بالشعب تحت اسم الدستور والديمقراطية، ويدرك أيضا تعاون مشايخ الأزهر والإخوان المسلمين مع الملك والإنجليز تحت اسم الدين: تصوروا هذا المراغي، الشيخ المرائي، يقول للملك الله معك، ويقول لنا أطيعوا أولى الأمر منكم، تصوروا الخداع!. كانت الخالات، خاصة طنط هانم، تحب الملك فاروق، تؤمن بأن الله معه فعلا ، لكن عمتى رقية ترى أن الله مع النحاس والوفد، ويشمخ خالى زكريا بأنفه مؤكدا أن الله مع الملك طبعا، تنفعل جدتى مبروكة وتشوح بيدها المعروقة فى وجه خالى زكريا قائلة: وماله يا خويا خليه معاه لكن النحاس معاه كل الناس. ينفجر الجميع بالضحك، وتضحك جدتى حتى تدمع عيناها، تمسحهما بطرف الطرحة السوداء وهى تهمس: أستغفر الله.أدت ظروف الحرب العالمية الثانية الى ارتفاع الأسعار، أجبر الإنجليز الفلاحين فى مصر على زراعة مساحات أكبر من القمح والحبوب لإطعام جيوش الحلفاء، تدهور إنتاج القطن، زادت المضاربات فى البورصة لصالح الإنجليز والبشوات، وازداد فقر الفقراء وثراء الأثرياء. فى الأعياد كان أخى طلعت يتلقى الامتيازات والابتسامات من الأقارب والقريبات، لأنه الولد، وينطلق يركب البسكليتة ويلعب، وأبقى بالبيت لأساعد أمى فى الطبخ، تتآمر الخالات والعمات على تقديمى للعريس الجديد قبل أن أبلغ العاشرة، أهرب منهم فى غرفتى أكتم الغضب والحزن، كانت غرفتى بجوار المطبخ لها نافذة حديدية، من خلال القضبان أرى حمارة الحاج محمود، راقدة فى بير السلم، ترمقنى بعينين دامعتين، أتسلل من غرفتى الى الحمام لأغسل وجهي، ألمح الخادمة سعدية، منكفئة على بلاط المطبخ تدعكه بالفرشة، طفلة من عمري،عيناها دامعتان حزينتان. نعم، كان هناك من هم أكثر تعاسة منى فى الأعياد: الخادمات.
======                                     

تعليقات