منقول - صحوة موت الإمبراطورية المصرية
فى الوقت الذى إزينت فيه الإمبراطورية المصرية بثوب عزتها ومجدها
وقد غُزل بأيدى فراعين عظام نراها وقد بدأت تترنح
ويصيبها الإعياء الشديد .. وتتذوق الموت بسكراته بل
ويُكتب لها الموت المحقق لُنصبح الأن فى ذيل الأمم بل سخرية الأمم ..
و بعد أن كانت هذه الارض مقبرة الغزاة أصبحت مقبرة أبناءها ..
ف قد أخذ نجم الامبراطورية فى الهبوط والأحوال تسير من سيىء إلى أسوأ
مع نهاية عصر مرنبتاح رابع ملوك الأسرة ال19.
ف قد إستنفذ رمسيس الثانى ثالث ملوك الأسرة ال19 موارد البلاد
فى إقامة المبانى الدينية والتماثيل الهائلة التى ملاء بها البلاد
من أقصاها إلى أقصاها
حتى إن إبنه ” مرنبتاح ” لما تولى العرش لم يجد من المال
ما يمكنه من تشييد اثار لنفسه
ف إغتصب اثار أسلافه
كما أعقب موت ” مرنبتاح ” فترة إضطرابات وقلاقل داخل البلاد
وتطاحن على العرش بالإضافة إلى الحروب
التى إضطر ” رمسيس الثانى ” و” مرنبتاح ” لخوضها ..
ف قد تولى الحكم بعد ” مرنبتاح ” مجموعة من الملوك الضعاف
ومع نهاية الأسرة ال19 تولت الملكة ” تاوسرت ” الحكم لسنوات قليلة
ليستمر التدهور فى أوضاع البلاد
ويستولى على العرش شخص سورى يدعى ” ارسو ” ….
ولكن يتمكن ” ست نخت ” أن يخلص البلاد من الحكم الأجنبى
ويتولى الحكم موسسًا الأسرة ال20
ليتسلم من بعده إبنه ” رمسيس الثالث ” البلاد فى حالة متردية ….
وليكن هو ” رمسيس الثالث ” صحوة الموت للإمبراطورية المصرية …..
لقد كانت فترة حكم ”رمسيس الثالث” أخر نفس تنفسته الإمبراطورية المصرية
.. بل هى حلاوة الروح والقوة التى تدب فى الجسد قبل الرحيل …..
لم يكن هذا الفرعون بأى حال من الأحوال أقل شأنًا وعظمة من أسلافه أمثال
” تحتمس الثالث ” و ” رمسيس الثانى ”
وفى الوقت الذى نرى فيه شهرة الملك ” توت عنخ أمون ”
ملىء السمع والبصر رغم مدة حكمه القصيرة
والتى لم يقدم فيها أى إنجازات أو إنتصارات عسكرية
نجد أن ” رمسيس الثالث ” لم يبلغ ما بلغ ” توت ” من شهرة …
وفى الحقيقة أن هذا الفرعون لم ينقصه شيئًا فى قدرته ونشاطه
ومع ذلك لم يفلح كل الفلاح فى وضع نفسه بين أعاظم الملوك الطبيين
رغم أن ما أنجزه من أعمال لم تكن أقل عظمة من غيره من
الملوك البارزين فقد تسلم البلاد بلا جيش .. بلا إسطول ..
بلا موارد فى خزائنه والأخطار والأطماع تحيط بالبلاد من كل حدب وصوب
ولكن لم يمضى 15 عامًا من فترة حكمه التى دامت 32 عامًا
حتى قضى على جيرانه المغيرين ونظم جيشًا وبنى أسطولًا
وأعاد سلطانه فى الخارج وأقر النظام الإدارى على أسس متينة
مما جعل البلاد مدينة له بالسلام التى تمتعت به زمنًا طويلاً
فى ظل إسمه وقوة نفوذه …
كما إنه شيد معبد مدينة هابو غرب طيبة
والذى يعتبر مثال فى العمارة المصرية والفن المصرى
وقد سجل على جدرانه كثير من الأحداث التاريخية التى جرت فى عهده
كذلك معبد للإله أمون ضمن مجموعة معابد الكرنك
ومعبد اخر للإله خونسو
بجانب اثار اخرى كثيرة فى أماكن عديدة مثل منف وأبيدوس وغيرها…
ولكن السؤال الذى يطرح نفسه ..
ما الذى منع هذا الرجل برغم كل ذلك
من أن يجد له مكانًا بين الملوك العظام …
هل هى الظروف السالفة الذكر والتى سبقت توليته العرش
والتى إمتد تأثيرها ؟؟
أم هو نفوذ الكهنة الذى وصل مداه فى عهده ؟
أم الإضطرابات السياسية والتطاحن على العرش الذى صاحب نهاية حكمه والتى أوت بحياته ؟؟
أم كل هذه الظروف مجتمعة وأحوال مصر المحزنة والفاسدة
والتى حدت من تحقيق مساعيه ومراميه ….
ف لنتعرف على حياة هذا الفرعون والظروف والتحديات التى واجهت جكمه
ونحاول أن نلقى الضوء على الأسباب التى عرقلت مسيرته ..
تولى ” رمسيس الثالث ” حكم مصر بعد وفاة والده ” ست نخت ”
فى فترة كانت مصر فى أشد الحاجة لإبن من أبناءها الأقوياء
لحمايتها من زحف الغزاة متخذًا من ” رمسيس الثانى ” مثلاً أعلى له
يحاكيه فى إسمه ولقبه وفيما شيده من معابد ..
إعتبره ” ماتنيون ” المؤسس الحقيقى للأسرة العشرين
لم يقم فى بداية حكمه بأى حروب
كما جرت العادة عند معظم ملوك مصر
لكنه عنى بتنظيم الجيش وتقويته والإصلاح الداخلى ووضع أسس معابده
ولكن لم يدم هذا الحال طويلاً فقد بدأت الأخطار تحيط بالبلاد
ففى العام الحامس من حكمه واجه جيش من اللبيين وحلفائهم
الذين سبق وهزمهم مرنبتاح من قبل ولكنه إستطاع هزيمتهم ..
وفى العام الثامن من حكمه واجهت مصر خطر شعوب البحر
الذين نجحوا فى تحطيم الإمبراطورية الحيثية
ولم يستطيع أحد التصدى لهم
وكان الهجوم عن طريق البر والبحر
لكن رمسيس الثالث استطاع كسر شوكتهم وهزيمتهم
وقتل أعداد كبيرة منهم وأسر الكثير
وإستولى على الكثير من السفن والمؤن ….
وفى العام الحادى عشر من حكمه ظهرت مشاكل اللبيين
الذين اتحدوا بزعامة أميرهم ” مششر ” ابن ملك المشواشين
وكان هدفهم الإنتقام لما حل بهم من هزيمة من قيل والهجرة
والإستيطان فى الدلتا ولكن تصدى لهم ” رمسيس الثالث ”
ونزل بهم الهزيمة وتتبعهم بجيوشه حتى تأكد من خروجهم من مصر
وقد سجلت أخبار هذه الحروب فى مناظر ونقوش معبده الشهير
معبد مدينة هابو فى غرب طيبة ….
هكذا يومًا بعد يوم كان هذا الملك يثبت نفسه
ويثبت قوته التى لا تقهر
وقد جعلته هذه الإنتصارات فى نظر معظم المؤرخين أخر ملوك مصر العظام
وجعلت مصر بعد العام الحادى عشر من حكمه تنعم
بفترة من السلام والإستقرار تحدثت عنها بردية هاريس …
ولكن لم يقدر للبلاد أن تنعم بهذا الهدوء و الاستقرار طويلاً
فلم تكن تلك الحروب أخر ما واجه ” رمسيس الثالث ” من تحديات
هددت حكمه ومكانته كفرعون
فقد توالت على هذا الملك عده ضربات إستطاعت أن تهز عرشه.
فقد وصفت بردية هاريس رقم (1)
المحفوظة الأن فى المتحف البريطانى
بالاضافة لنتائج الحفائر ما وصلت إليه
الحالة الإقتصادية فى البلاد بسبب الحروب المتكررة
ومشاريع البناء الكثيرة
بالإضافة إلى المنح الهائلة والهدايا والتى ذكرتها بردية هاريس
والتى أغدقها الفرعون على المعابد المختلفة
والتى كان للاله أمون ومعابده النصيب الأكبر منها
بصفته الإله الرسمى للدولة
وهذا إن دل إنما يدل على مدى تعاظم نفوذ كهنة أمون فى عهد رمسيس الثالث …
وهذا بدوره أدى إلى حدوث إضطرابات سياسية بدأت تظهر
فى أواخر عهد الملك
وذلك بحدوث أول إضراب وصلتنا أخباره فى التاريخ ذلك الإضراب
الذى قام به عمال الجبانة الملكية فى دير المدينة
لعدم صرف مخصصاتهم التمونية
وذلك فى العام 29 من حكم ” رمسيس الثالث ” …
ثم تأتى الضربة القاضية
والتى أرى إنها قتلت الملك معنويًا قبل قبله قتله فعليًا …
إنها المؤامرة الكبرى ” مؤامرة الحريم ”
والتى تدل على ما وصلت له البلاد من اضطرابات سياسية وتطاحن
على العرش ..
وما وصلت إليه مكانة سيد الأرضين المبجل ..
لقد دبرت زوجة الملك الثانوية ” تى”
مؤامرة لقتله يشاركها حريم ورجال من القصر
وذلك لتوليه إبنها ” بنتاؤر” العرش بدلاً من رمسيس الرابع
ابن الملك من زوجته الرئيسية ” ايزيس ”
والوريث الشرعى وكان للسحر نصيب فى المؤامرة كتعويذة للمتأمرين
وشل حركة المناصرين
ولكن شاء القدر أن تفشل هذه المؤامرة
وينكشف أمرها وتم معافبة المتأمرين
ومعاقبة ” بنتاؤر” بشنق نفسه
أما مصير ” تى ” مجهول لا نعلم عنه شيئاً ….
وقد تضاربت الأقوال والأراء نتيجة إختلاف وجهات النظر
فى ترجمة متن قصة المؤامرة فى بردية تى والبردية القضائية
حول مدى نجاح هذه المؤامرة فى قتل الملك
هل أودت بحياتة مباشرة ؟؟
أم توفى متأثرًا بجراحه بعد فترة ؟؟
أم لم يستطيع المتأمرون أن ينالوا منه ..
إلى أن تم الكشف على مومياء الملك بالإشعة المقطعية
وذلك فى عام 2012 م ليُعلن أن ” رمسبس الثالث ”
قًتل بسكين حاد النصل
بسبب قطع ذبحى فى الرقبة أحدثه القاتل الذى فاجأه من الخلف …
فقد قُتل الفرعون قاهر الغزاة غدرًا
ولم يمهله سلاح الغدر أن يدافع عن نفسه …
ولتكن هذه النهاية المؤسفة هى نهاية أخر ملوك مصر العظام
الذين حاربوا ولم بفرطوا فى الإمبراطورية
وأخر من تركوا أثار خالدة فى البلاد ..
والذى لم يكن من المتصور له أن تأتيه الضربة من الداخل
بعد أن قضى على كل أعداؤه ….
هكذا أرى أن كل الظروف مجتمعة كانت ضد ” رمسيس الثالث ”
ولم تهيىء له المناخ لتحقيق مقاصدة وأن يتمتع بمكانه أسلافه
ولكن كل ذلك لم يمنع أن يظل إسم هذا الفرعون لامعًا حتى بعد مماته
إذ حُفظت لنا أعماله العظيمة إلى الأن من خلال
معبده فى هابو وبردية هاريس …
وليبدأ العد التنازلى للإمبراطورية المصرية
ولكن هكذا هى سنة الحياة …
ما طار طيرُ وإرتفع إ لا كما طار وقع
إمبراطورايات تهوى وتقع
يونان رومان وفراعين على مدى الزمان
والذى يبقى هو إرادة الشعوب .
 --- من الفيسبوك . موقع علم المصريات - Ägyptischer Kultur Club DA 4-1-2014
باحثة فى التاريخ ونائب مدير فسم الدراسات التاريخية

تعليقات