كتابات - عن تنوير صار قضية لا تنتهي بحل - كما قضية الحجاب



تمهيد - صلاح الدين محسن 11-8-2018  - هل نبدأ من حيث بدأ الآخرون , فنتاخر عنهم بأكثر مما نحن عليه من التأخر ؟؟
أم نبدأ من حيث انتهوا ..؟؟
الاغريق الذين اخذ الأوروبيون عنهم النهضة .. أخذ هؤلاء الاغريق عن مصر
والاوربيون عندما بدأوا نهضتهم , كانت أعينهم أيضاً مسلطة علي تراث حضارات الشرق ومنها مصر والعراق
فهل نبدأ من حيث بدأوا - نعيد اختراع الكهرباء - كمثال - لقد عرفها قدماء المصرين وقدماء العراقيون .. وعنهما أخذها وطورها الغربيون - أوروبا وأمريكا -  !!؟؟
 نبدأ من حيث هم الآن .. وندرس و- ننشر بين الاجيال - لغة حضارتنا القديمة للبحث الدائم فيها , عما غاب عن عقول وأيادي الباحثين الغربيين .. فلا يزال باطن حضارة مصر القديمة زاخراً بخبايا يجب استخراجها والاستفادة منها لأجل مزيد من التقدم
التنوير قام وتم واكتمل في أوربا - منذ 200 عام - علي قاعدة حضارة اغريقية - أخذت من حضارات شرقية - منها مصر - وأدوات التنوير موجودة .. ونقلتها دول شرقية كثيرة - اليابان والصين  والهند  وسنجابور , وغيرها ... فلماذا لا نحذو حذوهم .. ولماذا ؟ نُصِرّ علي رحلات ودورانات لا تنتهي لأجل الوصول لشيء هو واصل وموصول ومتواصل ؟؟  
-----كان تمهيدنا بمثابة تعليق علي المقال التالي .. لا نقصد مصادرة حق صاحبه في قراءته . فلا نحن ولا أحد يحتكر الصواب - ونوجه له مقدماً : الشكر والتحية 

الي المقال :
                    التنوير الآتي من طيبة وليس من آثينا 



   استلهمت الحداثة الغربية معظم قيمها الرئيسية من الفكر الإغريقي القديم عبر عملية أحياء كبري بعد انقضاء مرحلة العصور الوسطي فعمل مفكر مثل ديدرو علي إحياء فلسفة ديمقريطس، فيما انشغل ساجندي بإحياء الابيقورية، وظلت أفكار أفلاطون وسقراط وأرسطو حاضرة بقوة في فكر النهضة ومرحلة التنوير في إطار المشروع الحداثي الغربي، وانطلق مشروع هيجل وماركس ونيتشه وغيرهم من مقدمات فلسفية لتقييم او تقدير الثقافة الإغريقية وخاصة الأثينية. ما يعني أن أثينا كانت بؤرة التنوير في الفكر الغربي الحديث، بما قدمته للإنسانية من منصات استنارة وتعلي من شأن الإنسان وتبلور نظرة فلسفية فاحصة للوجود، وتضع بذور نظرية المعرفة التي سارت أوربا علي طرقاتها في القرون الأربعة الأخيرة، سواء كانت نظرية المعرفة المثالية التي أسس لها أفلاطون، او نظرية المعرفة المادية التي وضعت أسسها المدرسة الذرية عبر ديمقريطس وابيقور ولم يكن مشروع التنوير الفرنسي وإسهامات الفلاسفة الألمان وتجارب الفكر الانجليزي والهولندي والايطالي والهللنستي سوي إعادة إنتاج المقولة الفلسفية بصورة تناسب العصر المركنتلي ومقدمات مرحلة التحول الصناعي في أوربا، لقد كان تأثير تلك التحولات جذريا لدرجة انه أطاح بسلطة الكنيسة وقدم بديلا دينيا معدلا عبر اللوثرية والكالفينية.كانت أثينا هي نقطة الإشعاع الأولي في تاريخ أوربا الحديث والقديم علي السواء، وكان العقل الأوربي الحديث من الوعي بحيث أدرك فور إسقاط ولاية الكنيسة ان البداية من نقطة الصفر لن تجدي نفعا، فاسترشدت بمنابر الفكر الأوربي القديم وطورت منه بما يتناسب مع نمط الإنتاج الرأسمالي الذي يتشابه في كثير من منطق عمله مع ذلك المجتمع العبودي الذي كان سائدا في عصر أفلاطون وأرسطو، ولذلك يمكن لنا بسهول تفسير لماذا انزوي الفكر المادي الإغريقي تحت رماد الثقافة الغربية الحديثة ؟ 
لقد كانت أثينا – كقيمة ثقافية وحضارية كبري في التاريخ الإنساني – هي نقطة ارتكاز ومنشئ لنظرية القيم ونظرية المعرفة ومحدد لكثير التعريفات القاموسية في الفكر الفلسفي والسياسي الغربيين، ومن ثم فانها بحق مهد التنوير الأوربي، ذلك أن تحديدها لمفهوم العقلانية وقواعد المنطق الصوري كانوا من الكفاية بحيث يمكن التأسيس عليهم في صياغة مشروع تنويري غربي، مشروع حافظ علي منزلة الميتافيزيقا ودور العقل وذاتية الفرد والتأكيد علي الحقوق الطبيعية للبشر، لقد كانت مقولات فلاسفة الإغريق كامنة خلف كل مقولة فلسفية غربية بصورة ما أو بأخري.
السؤال: هل تصلح أثينا ( كمعني وقيمة) كنقطة انطلاق جديدة لمشروع تنوير أخر في بيئة مختلفة وحالة تطورية متباينة عن حضارة شمال البحر المتوسط ؟ الإجابة ليس هناك ما يمنع ذلك، طالما بقيت مساعي الاستنارة واحدة لدي كل الأمم، واقصد بمساعي الاستنارة هنا ، تمكين العقل وتحجيم الغيبيات والإيمان بالقانون الطبيعي كمعيار للفهم والقانون الإنساني كأداة للتحكم والسيطرة.وإذا امكن لنا قبول إمكان الاستنارة القادمة من أثينا فعلينا أيضا أن نقبل تلك الاستنارة القادمة من مؤلفات مفكرين إسلاميين حاولوا تغليب سلطان العقل علي سلطة النص ولكن لا قيم الاستنارة الآتية من أثينا ولا تلك المؤسسة علي نقد الخطاب الديني الإسلامي الرسمي كما ورد إلينا من شبه الجزيرة العربية وتطبيقاتها المختلفة في الدولتين الأموية والعباسية وما بعدهما، ولا محاولات الفرق الإسلامية كالمعتزلة والمرجئة والحشاشين وغيرهم، كل هذا لن يكون كافيا لبناء مشروع تنوير مصري ما لم يستند هذا المشروع علي مجمل التاريخ المصري الممتد لسبعة آلاف عام..فجذور هذا الشعب الذي تستهدف تنويره وبث قيم الاستنارة بداخله لا تتوقف عند 1400 سنة،" كما في حالة التنوير بنقد الخطاب الديني الإسلامي" ولا تتوقف عند استلهام تجربة تعود الي 2600 سنة "كما في حالة الحضارة الأثينية التي تستمد رصيدها الثقافي من إنتاج الفلاسفة الإغريق ابتداء من 600 ق.م" ، وإنما يزداد عمق الحضارة المصرية لما هو أبعد من ذلك بكثير .. وكل تجاهل للفترة التاريخية المنسية في خطاب التنوير المصري، " أعني ما قبل الحضارة اليونانية" هو سلوك غير منهجي وغير علمي في التعامل مع الظواهر الاجتماعية. وبناء عليه، لن يصلح أي تنوير اسقط عمدا الأسس العلمية والأدبية والفنية والتاريخية والحضارية لمصر القديمة، لأنه سيصبح تنويرا بلا جذور، تنويرا بلا قيم أصيلة، تنويرا مستوردا ، او بصورة أخري تنوير ناقص ومنقوص، يري العقل المصري في أواخر تاريخه، يري العقل المصري في لحظات انهزامه، والأصل في التنوير والاستنارة هو إعادة إنتاج أهم القيم التي أبدعها المجتمع وإحداث حالة توافقية بينها وبين الواقع المعاصر.
لقد كان إبداع المصريون القدماء ملهما لحضارات العالم المختلفة، ولا ينكر التاريخ ريادتهم في كثير من العلوم كالهندسة والفلك والرياضيات والطب والتحنيط والجراحة وعلوم الزراعة وعلم السياسة والنحت والرسم والأدب وعلوم الإدارة وفنون الكتابة وادب الحكمة وتأسيس الكثير من القيم والمفاهيم الدينية، ان المصريون القدماء هم من أسس مبادئ العلوم.إضافة الي ما قدمته التجربة المصرية تاريخيا من انجازات في اتجاه تأسيس مفهوم الهوية حتي علي الصعيد الديني،ابتدءا من وحدة المصريين علي يد مينا، والإصلاحات الدينية التي قام بها اخناتون 1328 ق.م بعد ان كان الفرعون يطلق عليه رب الأرض. والدفاع عن القومية المصرية بطرد أحمس للهكسوس 1539 ق.م، وظهور الكتابة الهيروغليفية عام 3100 ق.م.ولكن منذ غزو الفرس لمصر وحتي عام 1952 كانت مصر تحيا تحت استعمار دائم ومتواصل..
وبناء علي ذلك .. تمتلك الخصوصية المصرية مقومات بناء مشروع تنويري ينطلق من عمقها الحضاري، ويتأسس علي قيمها العلمية والمعرفية التي أبدعتها منذ آلاف السنين، ولكنه ليس إبداعا فرعونيا خالصا، ذلك أن نقد وتحليل وإعادة تركيب منظومة الأفكار وايديولوجيا السلطات الخراجية التي حكمت البلاد بعد الأسرة 30 وثقافتها الدينية سواء مسيحية او إسلامية عملية ضرورية في سياق إنتاج تنوير مصري مرتبط بهوية لا يمكن تجاهلها. ان التنوير الأتي من طيبة هو المدخل الحقيقي لتنوير عضوي مستمد من تربة صالحة جدا وكاشفة جدا للأصول المستنيرة في التاريخ البشري.. واعتقد أن مصر هي صاحبة أول مشروع استنارة في التاريخ.. وعندما نتجاهل تلك القيمة وهذه الحقيقة فإننا نكون قد ظلمنا أنفسنا، وبدأنا طريق التنوير من تراث " الأخر" وليس من تراث الـ " نحن" ..
كيف نفعل ذلك.. ؟ وكيف نؤسس لمشروع استنارة مصري من حكمة الفلاح الفصيح ومكانة المرأة في التاريخ الفرعوني، وقدرة المصري علي إبداع رؤي دينية تتوافق مع مجتمع زراعي تحكمه عوامل جغرافية وتتحكم فيه ؟؟؟ تلك هي التساؤلات التي تحتاج الي إجابات مستفيضة وجهد علمي متواصل.
=====                             

تعليقات