حوار عن بعد مع كاتب - حول مقاله : إلى ماو تسي تونغ

حوار عن بعد مع كاتب - حول مقاله : إلى ماو تسي تونغ

إعداد : صلاح الدين محسن
16-4-2020

مقال الكاتب اللبناني  الأستاذ سمير عطا الله " إلى ماو تسي تونغ " المنشور بصحيفة الشرق الأوسط - لندن - يوم 16-4-2020 .
فكرت في أن أعقب عليه بمقال .. ولكنني فضلت أن أنقل المقال كاملاً وأدخل بين السطور التي أريد , وأكتب تعليقي عليها . فبدا في شكل حوار . علي النحو الذي سنراه . 
وأنا هنا لا أدافع عن الشيوعية , بل أناقش فكر , فالشيوعية كانت قد أعجبتني عندما كنت شاباً , وبعد فشل كل تجاربها وإعادة تأملي لها , وجدت ان الشيوعية ليتم تطبيقها بشكل يرضي , فانها تحتاج الي قادة وشعوب من جنس الملائكة الاطهار الابرار - لو لكان هناك ملائكة - .. وان النظام الرأسمالي بالدول المتقدمة أقل سوءا بكثير من النظام الشيوعي .. ولا اقول أفضل , لأن الأفضل الذي يحلم به الانسان لم يُؤلّف بعد .. وقد يؤلف بعد تغيير طبيعة الانسان , عن طريق هندسة الوراثة - وهو ما أعتقد فيه بقوة .. : والآن نبدأ مع مقال أ . سمير عطا الله " :
 إلى ماو تسي تونغ
يقول الأستاذ سمير عطا الله . مخطبا " ماو تسي تونج " - الزعيم الصيني الراحل - : 
  حضرة التشرمان ماو... ربما تقضي العادات بمخاطبتك «عزيزي»، لكني لا أجد مبرراً لذلك. لا يمكنني أن أتخيل نفسي أهين نحو 70 مليون بشري من أهلك ورفاقك أزهقت أرواحهم. 

  رد من : صلاح محسن : كانت حرب .. إما أن يكون , أو يكونوا .. إما أن ينتشل مئات الملايين من شعب الصين من إدمان الأفيون والمرض والجهل .. وإما أن يقتله السياسيون الصينيون المحافظون , الكارهون لأي تغيير بطبعهم .. ولم يكن ازهاق الأرواح هواية ومتعة كما متعة صيد الطيور واصطياد الأسماك .  وكل نعيم الحريات وحقوق الانسان والعدالة  التي تنعم بها الدول الحرة وشعوبها - أوروبا وأمريكا وكندا واستراليا , ومن سار علي خطاهم من دول آسيا .. أساس كل ذلك الثورة الفرنسية التي قامت بالمقصلة وقطع الرؤوس . و  و حتي استقامت الأمور ورسيت مبادئها في الديموقراطية والعدالة والمساواة . 


الأستاذ سمير عطا الله : أكتب إليك متمنياً لو كنت هنا، تشاهد كيف تحرص الصين اليوم على أرواح الناس،- الكلام , لماو تسي تونج -  

 ((  صلاح محسن : بعدما وضع لهم ماو حجرالأساس , وحفر وطهر ومهد للعمل .. ان ماوتسي تونج أشبه برجل أراد أن يبني ناطحة سحاب  .. فحفر في الأرض بعمق يكفي لوضع أساس مبني من 120 طابق .. وبني هو 5 طوابق من البرج ثم مات .. وخلفاؤه اليوم يبنون الطابق الثمانين .. فاذا بواحد فصيح يحدث روح ماوتسي تونج قائلاً.. انظر يا من كنت تحفر في الأرض ..! ها هم القادة الآن قد بنوا الطابق الخامس والسبعين بدون أي حفر في الأرض .. غافلاً انه هو الذي وضع لهم الأساس ..وبدون حفر الأرض ما كان بمقدورهم تعلية المبني بزيادة عشرات الطوابق  .. ))

الأستاذ سمير : وكيف يتفقد رئيسها - رئيس الصين حاليا - مستشفياتها بنفسه، وكيف تستفظع موت مائة إنسان وتغلق البلاد خوفاً من مائة إصابة أخرى. 

(( صلاح : ماو .. كان مثل الطبيب الجراح .. يشق جسد الوطن المعتل بمختلف العِلل , بالمشرط , ويستخرج الحصو والقيح والصديد والدم الفاسد ويطهر الجرح ويضمده .. أما هؤلاء القادة الحاليون .. فهم أشبه بأطباء الرعاية الصحية وعلاج الأمراض الظاهرة .. بعدما تم علاج الباطنية , ما بداخل جسد الوطن بمعية الجراح - ماو تسي  ))

الأستاذ سمير : 
- لماو تسي تونج - أنت كنت تقول: « يجب أن يدمّر البلد من أجل أن تعيد إصلاحه من جديد». الذين جاءوا بعدك فوراً، بنوا ثاني أهم دولة في العالم من دون «ثورة ثقافية»

(( صلاح : لأن ماو كان قد هدم بالفعل الخرابات بأنواعها .. وقضي علي الأمية , وقضي علي ادمان الأفيون . وأسس لأشياء ايجابية كثيرة في كافة المجالات .... فمثلاً , من تعاليمه - البسيطة - يجب عدم ترك شبر واحد بالأرض قابل للزراعة إلا ونزرعه .. في المقابل كان صديقه " عبد الناصر " يبني المباني فوق الأراضي الزراعية الخصبة ! وأمامه صحراء بلاده شاسعة - 96 % من مساحة مصر ! .
وعندما زار جمال عبد الناصر الصين . قدموا له هدية عبارة عن مروحة مصنوعة من الريش .. فلما عبرعن انبهاره  بجمالها وبذوق ورقة ودقة الصناعة .. قال له ماو : " انه ريش البطة التي عزمناك عليها في طعام الغذاء ,,,,  بسرعة تم تصنيع والاستفادة من ريشها ..نحن لا نرمي شيئاً في المهملات " .
لقد كان درساً , لم يعمل به عبد الناصر , ولا أوصي خلفاءه بالعمل به . وتلك الواقعة رواها الصحفي المقرب جداً من عبد الناصر  . والذي رافقه في تلك الزيارة للصين "محمد حسنين هيكل " , ونشرها في جريدة الأهرام . التي كان يرأس تحريرها . وعرفناها منه , أنا وأبناء جيلي - وقتما كنت في عمر 16 : 18 سنة - ))

 الأستاذ سمير : ثورة ثقافية تافهة مليئة بالرعب والدماء.

صلاح محسن : لعلّنا بيّنّا - ضمناً - بعض الأدلة علي كيف ان الثورة الثقافية لم تكن تافهة . بل كانت لها أخطاء وتجاوزات . ويكاد لا يوجد شيء بلا عيوب أو حتي تفاهات - بما في ذلك مقالاتك  ومقالاتي - ..
ألا يكفي ماو .. محو الأمية , وانهاء ادمان الشعب للأفيون  , وإشاعة النقد والنقد الذاتي ؟؟ هكذا أسس لبناء مستقبل لدولة ولشعب قوامه ربع تعداد الدنيا  .  

الأستاذ سمير : - الكلام ل : ماو تسي تونج - ليتك كنت  هنا اليوم، تشعر بالطمأنينة مثل خَلفَك، ولا تنام كل ليلة في مكان، ولا تملأ البلد عسساً وجواسيس وشايات ومعسكرات اعتقال. حتى في المزاح والمبالغة 

(( صلاح : لأنه كان في حالة حرب مع الأعداء بالخارج , ومع أعدي الأعداء " أعداء الداخل " , أعداء النهوض والتغيير .. وانتصر عليهم .. هزمهم  , ولو تراخي معهم لهزموه وقتلوه ولما رأينا الصين التي نراها اليوم . بل لبقيت كما كانت قبل " ماو " و رفاقه ..))


(( صلاح  : وأضيف " أمريكا التي هي الآن في قمة العالم في كل شيء , خاضت حرب لأجل الاستقلال .. لم تستقل بالتفاوض السلمي .. ويا حبذا ويا ليت الاستقلال كان قد تم سلمياً ..

أمريكا لكي تلغي العبودية وتحرر العبيد .. خاضت حرب .. توجد ولايات أمريكية كانت ترفض تحرير العبيد ,, ولم يكن بالامكان اقناع زعامات رفض الحرية للعبيد بارسال باقات من الورود والأزهار , ولا نجحت المفاوضات معهم ..
انجلترا ,, التي تمتلك أنت فيها منزلاً .. نهبت وسلبت الكثير من قوت الشعوب التي استعمرتها . ودارت معارك للاستقلال راح فيها ملايين القتلي .  وعلقت المشانق في العديد من الدول ..
فرنسا الجميلة .. وباريس الرائعة .. خاضت ضد الشعوب الطالبة للاستقلال عنها حروباً وفي الجزائر وحدها مليون شهيد .. عدا الآلاف - وحتي اليوم -  ضحايا للتشوه نتيجة التجارب النووية التي أجرتها فرنسا بصحراء الجزائر .. ". لكن كلنا نحب باريس عاصمة الفن والجمال

الأستاذ سمير : - مخاطباً ماو تسي تونج - لا يمكن لخلفك أن يقول اليوم: «ليس مهماً أن يموت نصف الشعب الصيني في هجوم نووي»، 

(( صلاح : لأنها كانت مرحلة . وانتهت بسلام وبحنكة سياسية تجنب فيها " ماو تسي تونج " قيام حرب نووية .. رغم ما قاله , كان بمقدوره شن حرب لاعادة فرموزا - تايوان - , وشن حرب أخري لاعادة هونج كونج . لكن بسياسته في النفس الطويل والصبر , أعاد  خلفاؤه " هونج كونج " بدون حرب , واضطرت أمريكا لطرد فرموزا - تايوان - من الأمم المتحدة , وحلت الصين محلها , مع حق الفيتو كدولة عظمي - بدون حرب - .. ويمكن اعتبار قوله محض مناورة سياسية ليظهر لمن يهددوا الصين بالحرب النووية , انه لا تراجع , ومستعدون للتضحية , ولن نخاف من نوويتكم . ولعله قبل أن يموت كان قد جعل بلاده مالكة للنووية والهيدروجينية ))

(( صلاح : أنا ضد العنف , وضد الحروب , وضد حل الخلافات والقضايا بالحروب والقتل .. لكنه صراع بين الراغبين في النهوض والتقدم .. وبين المحافظين . الذين يدافعون باستماتة عن الواقع بكل قبحه وبشاعته .. وليت وحبذا لو أفلحت معهم التوعية أو أفادت المفاوضات , ولكن في الغالب , كل طرف جاهز لقتال الآخر والتضحية , والمنتصر أياً كان - بكل أسف - يفعل ما يشفي غليله من الآخر .. ! ))


الأستاذ سمير : الصين تحصي اليوم ضحايا الوباء بالعشرات.

(( صلاح :  شيء طبيعي .. بعدما أسس لها " ماو " أساساً للمستقبل  . لكي لا يكون الضحايا بالملايين مرة أخري .. )) .


الأستاذ سمير  : هل تعرف - الكلام لماو تسي تونج - من يستخدم لغتك اليوم عن موت عشرات الآلاف؟ البورجوازيون في الغرب. إنهم يخاطبون شعوبهم عن أعداد الموتى القادمة وكأنهم يتلون عليهم نشرة الطقس .


(( صلاح : الصراع بين التناقضات هكذا في كثير من الأحوال , يُخَلِّف آلاف وملايين الضحايا .. و من تكون له الغلبة سواء البرجوازيون أو نقيضهم .. لا يقولوا لمن حاربهم وانتصروا عليه : " سماح يا أهل السماح يا بخت من سامح " بل يعلقوا المقصلة لطغاة الحكام , أو ينصب المشانق للعمال الذين تظاهروا - مجرد تظاهر - ضد سياستهم ....  ))

الأستاذ سمير : لغة الواقعية العملية التافهة. هل تعرف ( مخاطباً ماو ) ماذا تعني أن تكون عملياً؟ أن تكون وقحاً وقليل الإنسانية ومجرداً حتى من آداب الكلام وتقدير مشاعر البشر.


(( صلاح : ماو .. كان يحارب ضد الواقع الكئيب لشعب الصين .. لو كان واقعياًُ محافظاً لوقف ضد , وحارب من يدعو لتغيير الواقع والواقعية المظلمة .ولكنه استطاع تغييرالواقع المتخلف بالفعل .. ووضع حجر الأساس لمزيد من التغيير ومزيد من التقدم))


الأستاذ سمير : هل تعرف - مخاطباً ماو - من هو البلد الوحيد الذي لم يتحدث عن حجم الحزن الآتي؟ الصين. إنها لا تزال تحت حكم الحزب الشيوعي. ولا تزال دولة مخابراتية إلى بعيد. لكن التغيير الكبير الذي حدث هو غيابك.

((  صلاح  : هذا صحيح .. فالصين الآن لا هي شيوعية كما الحلم النظري بالشيوعية . ولا هي رأسمالية كما مزايا الرأسمالية بالغرب .. .. لكنها كشعب .. أفضل حالاً مما كان عليه الحال قبل ماو تسي تونج , وحزبه .. والدولة الصينية التي كانت مستعمرة لمن يشاء - انجليز أو 

يابانيين - .. صارت دولة عظمي .. هناك فرق .. ))

الأستاذ  سمير : لست حاضراً ( الكلام ل ماو )اليوم إلا كنصب حجري، 

(( صلاح : أرسطو - المُعلِم الأول .. تجاوزته الفلسفة والفلاسفة الآن .. والنُصب الحجري له .. جدير بالاحترام , لا بالسخرية . لأنه وضع حجر الأساس لكل من جاءوا بعده من الفلاسفة ))


الأستاذ  سمير : لكي لا يقال إن الصينيين فعلوا بالعتاة ما فعله الروس. ألغوا ستالين من كتب التاريخ، وأبقوا جثمان لينين محنطاً من أجل السيّاح، وأرسلوا إلى المتحف خطبته الشهيرة عام 1918: «يجب أن يُقتل واحد من كل عشرة مدانين بالطفيلية... يجب أن نستغل طاقة الرعب في أن نقتل وننفي وأن نشن حملات الرعب ضد الكولاك (الفلاحين الأغنياء) والرهبان والحرس الأبيض».


(( صلاح  :  ألا يُمارَس رعب وخطر وظلم واستغلال بأنواع 
وبدرجات أخري  .. بمعية الطفيليين والفلاحين الأغنياء الاقطاعيين والرهبان وأعوانهم والمدافعين عنهم ؟؟ ))

الأستاذ سمير: إن بلادك - يخاطب ماو تسي تونج - منذ اللحظة التي انتهى فيها حكمك، تسير على خطى الذروة بين بلدان العالم، من دون توقف. والغرب يخاف للمرة الأولى، وليس عندما كنت تكتب ذلك الشعر المدرسي الممل. 


(( صلاح : شِعرُه صار مُمِلاً .. لأنه سياسي مرحلي , الشعوب التي لا تزال أوضاعها كما الصين قبل ماو تسي تونج .. شيوعيوها يرون شعره - وتعاليمه - لا يزال حياً نابضاً .. .. لكن في زمنه هو كانت ملايين من مختلف أنحاء العالم تتلقف شعره وتعاليمه - و كان كثيرون من الشعب الروسي  يجلّون ماو تسي تونج . وعندهم لينين وستالين .. )) .


الأستاذ سمير :- الغرب - يخاف الإنتاج والتقدم والصناعة والمنافسة. ويرتعد من فكرة أن أكبر ثلاث شركات تجزئة في العالم صينية. هل تعتقد - مخاطباً ماو - أن هناك من لا يزال يقرأ كتابك الأحمر؟ 


(( صلاح : قليلون .. هم الشيوعيون الماويون المحافظون ..أما الغالبية فلا .. لأن الظروف تغيرت والحياة لا تتوقف عند وضع ثابت ولا نظرية ثابتة , ورفاقه وتلاميذه أخذوا يجتهدون , وأكرر : هو  وضع حجر أساس لدولة عظمي , ولشعب عظيم - 

  لأنهم تجاوزوا تعليمات مرحلية .. وانطلقوا بمرحلة جديدة . بل ومراحل .. فتقدموا .. أما بلدك - لبنان - وباقي دول المنطقة من العراق حتي المغرب . فبسبب تمسكهم بقراءة كُتُب تتراوح أزمانها ما بين 14 قرن , 20 قرن . وأكثر من 30 قرن من الزمان .. !  فهم لا يتقدمون البتة .. بل العكس باستمرار .. والصينيون يتقدمون لأنهم هجروا كل الكتب القديمة . من كونفوشيوس , لبوذا , وحتي .. ماوتس نونج )) .

الأستاذ سمير : ماذا سوف تجد - الكلام موجه  لماو تسي تونج - فيه لو أعدت قراءته اليوم؟ وهل تدري لماذا لا تزال الناس تقرأ صديقك ماركس؟ لأنه لم يتخلَّ عن الإنسان في نفسه. لم يطلق عليه الرصاص في مهرجانات الإعدام الجماعية.


(( صلاح  : ماركس كان رجل فكر وتنظير ,  وحسب . لا رجل تطبيق أو تنفيذ .. ولو حاول ماركس تنفيذ فكره لفشل أو قُتِل . أو لاضطر للمواجهة المسلحة مع أعداء فكره . مثله مثل ماو , و لينين , وستالين .. وآخرين .. ولكانت نفس النتيجة  ..  حتي الديانات المنسوبة للسماء , دُعاتُها , إما صنعوا - أو تركوا تعاليماً أجازت لخلفائهم صناعة - بحيرات من الدماء  .. رغم انهم - وبدرجات - تركوا أيضاً , تعاليماً جميلة تدعو للعكس ! أي للحب , و الكلمة الطيبة التسامح والسلام والوئام .. !! .- ناسخ ومنسوخ -. )) .

وفي الختام .. لك مني التحية والسلام
صلاح
=========

تعليقات