الإنجاب - بين العقاد , و أبي العلاء المعرِّي .. وغيرهما

 الإنجاب - بين العقاد , و أبي العلاء المعرِّي .. وغيرهما

إعداد : صلاح الدين محسن

26-3-2021

عامة الناس يقولون " اللي خَلَّف ما مات " 

ويقولون " أولادي يحملون اسمي من بعدي "

ولكن أمثال العقاد وأبي العلاء المعرّي , وكل من خلدوا أسماءهم بأعمالهم . لا يحتاجون أولاداً ليحملوا أسماءهم ويخلدونهم .. بل هم الذين يحملون أبناءهم , ويمنحوهم من شهرتهم ..

طه حسين أنجب ابناً وابنة .. الابن حصل علي درجة الدكتوراة , والابنة .. زوجها صار وزيرَ خارجية مصر " محمد حسن الزيات " ..

لكن قلما يتذكر أحدٌ الابن أو الابنة .. لقد اشتهرا علي أكتاف شهرة والدهما . الأديب الكبير , وصاحب المؤلفات الهامة " طه حسين" .. 

والعقاد وأبي العلاء .. رفض كل منهما فكرة أن تكون له أسرة وذرية من بعده . وما كان لأحدهما - فيما لو أنجب -, أن يكون له ابناً أو ابنة , في مثل شهرة مؤلفاتهما .. أي أن أولادهما وبناتهما هم : مؤلفات خالدة ..

أنا كنت أضعف وأضأل من أن أكون مثل العقاد وأبي العلاء المعري . وكان يجب عليّ عدم الانجاب .. لأن كل همي كان منصباً علي القراءة والاطلاع . والكتابة .. ومشاهدة معارض الفن التشكيلي . وحضور ندوات ثقافية وأمسيات شعرية وموسيقية . وبعض المؤتمرات - سياسية , علمية , ثقافية - كان يجب عليّ أن أجعل حياتي قاصرة علي ذاك المجال وحسب , دونما انجاب أطفال . فالانجاب مسؤولية .

وأعرف مثقفين كانوا أكثر مني حكمة . اذ قرروا ألا ينجبوا . لكونهم دراويش ثقافة . ولا وقت عندهم لتحمل مسؤولية الانجاب .. 

مهما أعطيت لأولادي , أظل أشعر بأنني مدين لهم .. فأنا مديون بقدومهم للحياة . والحياة أعباءها كثيرة . ودروبها وجبالها ومخاطرها كثيرة . لذا فأنا دائما مديون لهم . وان أضرني أحدهم في يوم ما . أشعر بأن اضراري له أكبر . أولستُ أنا المسؤول عن قدومه للحياة ؟ فقد جنيت عليه مثلما جني عليّ أبي . ( أبو العلاء المعري " جني عليّ أبي , وما جنيت علي أحد " ) 

بالطبع هذه ليست دعوة لعدم الانجاب . وإلا فكيف تستمر الحياة وتتواصل كما يجب . ولكنني أتكلم عن حالات استثنائية . حالات من يجدوا أنفسهم  ذهنياً ومعنوياً لا يمكنهم تحمل مسؤولية الانجاب . 

هناك من رفضوا الانجاب وقالوا بصراحة انهم لم ينجبوا لعدم قدتهم علي تحمل مسؤولية أولاد . لشدة انشغالهم بأعمالهم - ولاسيما من يعملون في السينما . لعل منهم الفنانة الرائعة المونولوجست والممثلة " لبلبة " وكان ذاك هو سبب طلاقها من النجم حسن يوسف - ولم تتزوج مرة أخري , تلك المرأة الفائقة الروعة - . وغيرها من الحديثات ..

نجوم فن - سينما وغناء - .. كثيرون لم ينجبوا . ومنهم من كان دونجوان عصره وصال وجال وتعددت زيجاته من الشهيرات النجمات , ولم ينجب سوي ابنة واحدة - رشدي أباظة -  ! ,, أو لم ينجب سوي ابناً واحداً - عمر الشريف - النجم العالمي - وآخرون لم ينجبوا البتة - سليمان بك نجيب , ومحمود المليجي , وعبد السلام النابلسي . جميل راتب .... و يوسف بك وهبي . لم ينجب , من 3 مرات زواج ..

والممثلة الشهيرة الفاتنة " مديحة يسري " تعددت زيجاتها من المشاهير الكبار . ولم تنجب سوي ابناً واحداً وتوفي في شبابه المبكِر , وكذلك المطربة والممثلة الكبيرة " ليلي مراد " لم تنجب سوي ابناً واحداً  ..  .. ومطربات وممثلات لم ينجبن - عامدات - 

الفنانة الكبيرة - الحسنة السمعة - أمينة رزق .. آثرت ألا تتزوج أو تنجب ..

وليس لديّ مثل قلب الممثل العالمي عمر الشريف . الذي تكلم - عند استضافته في قنوات الاعلام - عن ابنه طارق فقط . ولما سألوه عن ابنه غير الشرعي " دانيال " - الذي يشبهه تماماً - بعكس ابنه " طارق " , دانيال ابن غير شرعي من صحافية ايطالية , تكلم عنه بلا اهتمام . قال " ابني هو من أحببت أمه ". ثم أضاف ببساطة وهو يشير بيده " و فيه بقي ...   ... "  - معبراً عن كثرة غير معلومة لأبناء وبنات بيولوجيين أنجبهم ولا يعلم عنهم شيئاً . نتيجة علاقات عابرة مع نساء مختلفات . ولا يعنيه مثل ذاك الأمر . ولا يبدي ندماً ....  ... ( من ضمن من قابلتهم أنا خلال مدة السجن السياسي من عام 2000 : 2003 - في ليلة قضيتها في مستشفي سجن الاستقبال بالقاهرة . شاب - مسجون في قضية مخدرات - يشبه عمر الشريف - تماماً تماماً , وحتي له نفس صولة الممثل الكبير .. عندما يغضب ! ... بالطبع عمر الشريف لم يكن يعلم عنه شيئاً , ولا يهمه أن يعلم ... ! ولكنه يعرف - كما قلنا - أن له أبناء وبنات بيولوجيين كثيرين لا شأن له بهم - كما ذكرنا )

أما سيد درويش - فنان الشعب - فزوجته الأولي كانت قريبته , أنجب منها ابنه الأكبر محمد البحر , و تم الطلاق بينهما .. زوجته الثانية - في المسلسل المذاع عن حياته . قال " انه يخاف عليها من نفسه ! - لانشغاله الدائم بموسيقاه واغانيه - وفي ليلة زفافهما جاءها بعد منتصف الليل . اذ انشغل بفنه , ولم يتذكر وجود عروس تنتظره .. !  قرأت من قبل أن نفس الشيء تكرر من الأديب المصري " يحي الطاهر عبد الله " عندما تزوج من شقيقة صديقه الناقد المعروف .. وفي ليلة عُرسِهِ , جاء للعروس في ساعة متأخرة من الليل ! ) .. 

ومات سيد درويش , بعد أن انجب منها ولداً - وتركه طفلاً صغيراً " حسن درويش " الذي صار فيما بعد أستاذاً بمعهد الموسيقي . رأيته عدة مرات في جمعية أصدقاء موسيقي سيد درويش . التي كانت تعقد جلساتها الغنائية مساء كل خميس , بغرفة بمبني " جماعة الفنانين التشكيليين والكُتاب " التي كنت عضوا بها ككاتب -.. وذات ليلة بغرفة جمعية موسيقي سيد درويش . ( كان رئيسها الناقد الصحفي عبد الفتاح البارودي . ونائب الرئيس حسن درويش )  دار حديث عن سيد درويش وأعماله وتراثه .  عندما جاء دور ابنه حسن درويش , في الكلام ,  تأثرت جداً .. لأنه بدأ حديثه عن والده بالقول : أنا ما رأيت سيد درويش ... ! ... فيا لها من مأساة انسانية . سيد درويش لم يكن لديه وقت لعروسته , في ليلة زفافهما ! - نسي الزواج وليلة الدخلة , وجاءها بعد منتصف الليل !  فكيف كان يمكن له - لو لم يَمُتّ - أن يوفِّر وقتاً لابنه منها " حسن " ومنحه حقه من الرعاية .. !؟ 

وفي الدول المتقدمة يقل الانجاب الي درجة الاعراض عنه . أو طفل واحد - في الغالب - وكثيرون يُعرضون عن الانجاب .. لكونه مسئولية كبيرة - لا تناسب و طبيعة الحياة العصرية . و السبب هو انغماسهم وتفضيلهم للنهل من متع وملذات ترف حياة العصر الحديث . وهذا يهدد استمرارية وجود البشر . لأن الإعراض عن الانجاب عند الأمم المتحضرة لم يعد استثناءً قاصراً علي نفر قليل من فئة أو أخري .. بل اتجاهاً عاماً أو شبه عام .. ! ... ولحاجة تلك الدول لأيادي عاملة , اتجهوا لفنح أبوابهم لراغبي الهجرة , وأغلبهم يأتون من دول العالم الثالث..بعضهم يحمل ايجابيات وغالبيتهم حملوا معهم سلبيات العالم الثالث / هنا تكون قلة الانجاب عند الشعوب المتقدمة مشكلة تهدد بانقراض نوع من الأمم - المتقدمة - ! .. وتوجد مشكلة أخري : كثرة الانجاب عند الأمم والشعوب المتخلفة , فيزحف مهاجرون غالبيتهم متخلفون حاملين معهم فيارس وبكتيريات أنواع من التخلف , فتقضي أو تتسبب في تراجع الحضارة بدول العالم المتقدم .. !

لا أقول لابني الأصغر انه جاء بطريق حمل خطأ ( وأشفقت علي أمه من عمل اجهاض , لعلمي ان الاجهاض متعب للمرأة بأكثر من الولادة ) .. وأري من غير اللائق أن أخبره بذلك .. بالطبع سيؤلمه .. 

نصحت أولادي بعدم كثرة الانجاب .. ولكن ان جاء مولوداً بالخطأ أو بالقصد , لا أري مبرراً لاظهار أسفي لخوفي علي القادم الجديد من مصاعب الحياة وآلامها .. لذا أتظاهر بالفرحة , وأهنيئ الأب والأم .. !

أحدهما حملت زوجته - في أوج أزمة الكورونا ! - ( لهما ابن واحد , وانا مع الاكتفاء بواحد , سواء جاء بنتاً أو ولداً ) فطالبها ابني - زوجها - بالاجهاض ( هو نفسه جاء للحياة بطريق الحمل الخطأ ) .. .. فلجأت الزوجة اليّ للشكوي , متعللة بان الدكتور حذرها من خطورة الاجهاض علي صحتها - قد تكون صادقة -.. فكان رأيي : " هذا شأنكما معاً " - حيث لم أكن راضياً عن مزيد من الانجاب.. وأعرف خطورة الاجهاض / وفي النهاية أنجبت ابنة جميلة .. فهل يفيد أو يليق مني سوي التهنئة والتمني للمولودة حظاً ومستقبلاً سعيداً ولها ولأبويها عمراً مديداً .. !؟ فهل يفيد أن أقول غير ذلك ؟؟ رغم انني أفكر مهموماً في كيف سيكون مستقبلها - وأنا في خريف العمر - هل ستعيش طويلاً أم قصيراً , هل سيكون رزقها وفيراً , أم قليلاً , أم شحيحاً !؟ هل ستعيش حتي نهاية عمر طويل بصحة جيدة أم بصحة معتلّة !؟ هل سيكون حظها كما أتمني هانئاً وسعيداً أم غير ذلك ؟؟ كل هذا أفكر فيه .. وأري نفسي شريكاً مع أبويها  في المسؤولية عن حياتها القادمة , وعن مستقبلها .. 

أحد معارفي من المثقفين . كنا معاً بأحد أماكن التقاء المثقفين بوسط القاهرة - في منتصف التسعينيات من القرن الماضي . وجاءني  ابني الأصغر - كان في عمر 14 عاماً - .. سألني ذاك المثقف المُعرِض عن الزواج ولا يفكر في الانجاب : هذا ابنك !؟

قلت : نعم 

ففاجأني بالقول : كنت أتمني أن يكون لي ابن مثله .... ! 

( بينما أنا أشفق علي ابني ذاك - وقتها , وللآن - من أهوال وغدر الحياة . وشعرت وأشعر بذنبي في الانجاب .. ) وهكذا .. لا من أنجب مرتاح .. ولا من لم ينجب راضِ ومرتاح .. ! ) .

عامة الرجال - خاصة بعد سن التقاعد , يعتبرون قضاء الوقت بين أحفادهم , سلوي وسعادة .. ومن أسعد مباهج الحياة

ولا أظنني أقدر علي البقاء مع أحفادي أكثر من نصف ساعة . أما اذا قضيت بينهم نصف يوم - ان وجدت الحاحاً منهم - , فلأنه واجب - قد لا أقدر علي تكراره - ,  اذ أري ذلك من حقهم عليّ - فقط - مثلما كنت أري ان ابني الأصغر- وهو الآن أب لولد وبنت - عندما كان طفلاً في الثالثة من عمره , كانت هوايته أن يصحو مبكراً ويأتي ليجلس بجانبي , حيث أكون لم أنهض بعد من السرير . ويظل يحكي لي عما دار معه في اليوم السابق , ماذا أكل , شرب , لعب , ومع من لعب . وأشياء كثيرة , يريد أن يحكيها لي . وكنت أستمع له للنهاية . لشعوري ان ذاك حقه عندي .. لكنني عموماً لا أحتمل الحديث مع الأطفال أكثر من دقائق قليلة .. أحب فقط مشاهدتهم عن قرب . وتحليل سلوكياتهم  - تأملاً وبحثاً عن الموروث منها - .

كنت أشعر بضآلتي وتفاهتي , عندما يبكي طفلي الرضيع . بعد منتصف الليل . وتجرب أمه كل الطرق لراحته واسكاته , وعندما تنفذ الحِيل والمحاولات  !  تجلس لتبكي .. وأتمني لو باستطاعتي نقل ما به من الألم الي جسمي بدلاً منه . ولكن هذا ليس ممكناً . فأشعر بضآلتي , وبحماقتي في ارتكاب خطيئة الانجاب , وأكاد أن أشارك أمه في البكاء من قلة الحيلة .. .. نفس تلك الورطة الانسانية حكي لي عنها صديق , عندما صحي في جوف الليل ليجد زوجته البروفيسورة في الجامعة , تبكي بحرقة , لأن طفلهما الأول - الرضيع - يبكي , وفشلت محاولاتها لتهدئته وجعله ينام مرتاحاً .. فراحت تبكي ! وهي عالمة في مجال تخصص علمي بحثي عملي معملي !...  فيا لتلك الحالات من ورطة انسانية .. تجعل من يتعرضون لها يشعرون بضآلتهم وتفاهتهم . وبندمهم علي ارتكاب حماقة الانجاب . بعدما وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام العجز عن معرفة سبب وجع وبكاء المولود الرضيع . والعجز عن منحه الراحة والوئام .. ! 

------

ولأن الغناء يسمعه العليل يشفيه - ويعزِّيه - كما قالت أم كلثوم باحدي اغانيها .. فلنستمع لما قاله العندليب " عبد الحليم " : أندم لو حبيت وقاسيت ... وأندم لو عمري ما حبيت ..  ! - كذلك يندم من جني علي غيره كما جني عليه أبوه .. وقد يندم لو انه لم ينجب - لم يجنِ علي أحد  وكفاية أن أباه قد جني عليه  .. ! - ندم في الحالتين ! .

ثم نستمع لما قالته نجاة الصغيرة " لا العاشق مرتاح , ولا الخالي مرتاح ( لا من أنجب مرتاح , ولا من لم ينجب راضي ومرتاح .. ! ) .. ..

مع عبد الحليم وأغنية " خايف مرة أحب , وعارف ليه أنا قلبي خايف " . كلمات مأمون الشناوي . لحن بليغ حمدي .  :

ومع نجاة الصغيرة وأغنية ع اليادي ( وقولها : لا العاشق مرتاح , ولا الخالي مرتاح ! ) . الأغنية لحن عبد الوهاب . كلمات حسين السيد :
-------------------------- 

تعليقات