مقتطفات - الإنفصال عن القطيع و برودة القمم

 

مقتطف من مقال  محمد حسين يونس ( كاتب مصري ) . المنشور بالعنوان أعلاه . بموقع الحوار المتمدن يوم 12-3-2021 :

( ... يقول نيتشة أنه عند مستوى معين من إرتقاء البشر في المعرفة تقل الصحبة وتزداد الغربة و ينعزل الافراد في وحدة تفتقد لحرارة التلاحم .. لقد إنفصل الشخص عن القطيع ليجد نفسة بعيدا عن مجتمعه .. يعاني من التفرد و التجاهل و عدم الفهم إنها برودة القمم

في بلاد اعلي أصوات أهلها .. للاغبي منهم والاقل تعليما و ثقافة و وعيا .. حيث المنطق عبئا جالبا للمصائب و الاخطار ودافعا لان يلح الاخرون في تحذير صاحبه من سوء المآل .. و يصر الجهال علي معارضته و تسفيهه و قذفه بحجارة من سجيل السنتهم و أيديهم وأسلحتهم في بعض الاحيان لانه يخالف ما يعتقدون..تنحدرتلك القمم ..لتنتشر البرودة حتي في السفوح .. حيث يسكن أمثالي .

جويا .. فان جوخ ..شارلي شابلن ..موتسارت ..إيزادورا ...عمر الخيام ..مارتن لوثر كينج ..توم بين ....غاندى ..جيفارا ..إبن رشد ..البير كامي ..إنجلز ..نيتشة.. نصر حامد أبو زيد . ..جاليليو .. دارون ..فرويد ..جمال حمدان .. كلهم عاشوا علي القمم في وحدة و برودة .. و كانت نهايتهم درامية..لا تختلف عن ما حدث لسقراط أو كوبرنيكس أو عبدالله بن المقفع...أى الاتهام بالكفر و الزندقة و الخروج عن المألوف .. و التغريد خارج السرب ..

في عام 299 قبل الميلاد .. كان علي سقراط أن يتجرع السم و يموت بسبب أن معاصريه لم يستطيعوا إستيعاب فكرة وإرشاداته وكانوا يعتبرون تعاليمه عن معرفة الإنسان لنفسه والسعي إلى تهذيبها بالفلسفة و المنطق إهانة للأرباب وحط من قيمتها أى كفر و إلحاد ..

وهكذا قبل سقراط الموت منتحراً نزولا على أحكام القضاء وتنفيذا للشريعة فتجرع السم باطمئنان وبقي يلقي تعاليمه على الذين حضروا مأساته إلى اللحظة الأخيرة عندما توقف عن النطق واضطجع ضجعة الموت عن سبعين عاما

في عام 415 ميلادى تم إغتيال عالمة الرياضيات السكندرية هيباتيا عن 45 سنة .. لقد كانت من طلاب المدرسة الافلاطونية الفلسفية التي تتبع المنهج الرياضي في التفكير و الدراسات المبنية علي المنطق.. و تعيش طبقا لما يملية عليها العقل..ومعطيات الفلسفة الهلينية التي كانت سائدة بين المثقفين و العلماء...الأمر الذى لم يتفق مع البعض من مسيحي مصر المتعصبين فإتهموها بالسحر و الالحاد و التسبب في إضطرابات دينية و سحلوها في شوارع الاسكندرية كبداية لإنحدار دور المدينة في الحياة الفكرية .

في عام 759 ميلادى توفي عبد اللة بن ابن المقفع بعد أن قطعوا لحمه وشوي في النار أمامه حيا

((لقي الشاعر العربي ابن المقفع مصرعه في أبشع ميتة، حيث وثق بالحبال ثم انهالت عليه سكين جزاره تقطع في لحمه وتلقي بها في النار أمام ناظريه، فلم يتخاذل أو يستعطف، بل قال بيتين شعر مع أخر أنفاسه

إذا ما مات مثلي مات بموته خلق كثير...وأنت تموت ليس يدري بموتك لا الصغير ولا الكبير))

ما السبب في هذه القسوة!!.

وجد ابن المقفع أن الفساد يتغلغل في الدولة، فالأموال تحمل من الأمصار والولايات إلى بغداد عاصمة الخلافة بدون سجلات تضبطها أو دفاتر، والقضاة يتضاربون في أحكامهم في القضية الواحدة من بلد إلى آخر لعدم وجود قانون موحد يرجعون إليه، وقادة الجند ينشرون بين العامة دعاوى الذل والخنوع للحاكم المستبد تحت ستار الطاعة لولي الأمر.

فكتب رسالة اسماها "رسالة الصحابة" يعني بها صحابة الخليفة وبطانته، وقد وجه فيها نقدا مريرا، ولكي يحتاط للأمر قال إن من تحدث عنهم وارتكبوا أعمالا قبيحة، كانوا قبل خلافة المنصور.. ذلك أن الخليفة كان يقرب أوغاد الناس وسفلتهم، فهرب الخيار .. من صحبة الولاة .

كذلك انتقد ابن المقفع مغالاة قادة الجند في فهم معنى الطاعة للخليفة.

وينصح الكاتب أمير المؤمنين بأن يعيد النظر في اختيار رؤوس الدولة

يروي جمال بدوي في كتابه (مسرور السياف وإخوانه) الصادر عن دار الشروق

((أن ابن المقفع كان معارضا، لكنه لم يملك إلا الكلمة الصادقة، فقدم النصح للخليفة، وأشار عليه بما ينبغي عليه أن يفعله ليجتث جذور الفساد، ويتخلص من بطانته الفاسدة، ولم يبخل على الخليفة بمقترحات محددة لتنظيم الإدارة وضبط أموال الدولة.لكن الحاكم، وهو أبو جعفر المنصور، لم يكن ممن يستمعون النصح أو يتقبلون النقد، بل يعتبر كل نصيحة تطاولا على مقامه، وكان يأخذ بالشبهة عملا بوصية أخيه الإمام إبراهيم " من اتهمته فاقتله " والاتهام في ذلك العصر يعني الشك، فالشك في الولاء للنظام قرينة تكفي لقطع الرقاب دون تحقيق أو مساءلة ))

في المجتمعات التي يحكمها الإستبداد الشرقي الذى يتجسد في ملك أو سلطان أو خليفة .. أو رئيس .. سنجد أن الأكثر عهرا و خسة و قسوة .. و إنحطاطا يفوق الطاغية .. هم أدواته .. من مرتزقة حراس السجون والذين يقومون بالتعذيب ..والعسس و الجند و الجباة الذين يرهقون البشر بطلباتهم .. و الكهان .. والمطبلتية من الشعراء قديما و رجال الإعلام حديثا .

الطاغية يصدر أوامرة ..و أدواته من الوحوش يقومون بالتعذيب والنهب و السرقة و التجبر علي الضعفاء . . حتي ينتشر الخوف و المذلة بين المحكومين .و يخضعون لحكم المجانين أو المعوقين ذهنيا .

هذا هو ما عاني منه المصري لأجيال طويلة .. حقا لم تنتهي بعد ..و لكن أكثرها قسوة كان في زمن تجبر الإنكشارية العثمانية .. و سوق البلاد إلي مخاضة التخلف و الإنحطاط

في القرن السادس عشر (عام ) 1517 دارت معركة الريدانية بين جيوش سليم الاول السلطان العثماني من جهة والمماليك بقيادة طومان باى من جهة أخرى ، إنتهت بهزيمتهم و شنق قائدهم و تعليق جثته علي باب زويلة .

ودخلت مصر فى حوزة الحكم العثمانى التي إستمر ظلامها لمدة 267 عاما

في نفس الزمن ..كانت أوروبا تخطو للخروج من دياجير العصور الوسطي إلي زمن النهضة عن طريق صراعا ضاريا مع الافكار الكنيسة علي كل المستويات .. سواء العلمية أو الفنية أو السلوكية أو القيمية أو الفكرية ..قادة العديد من المفكرين و العلماء و الفلاسفة الذين لازلنا ندين لهم بفضل تنوير البشر و إرشادهم لطريق العلم و المعرفة القويم ..

24 مايو 1543 توفي كوبرنيكس بعد طبع كتابه (( حول دوران الاجرام السماوية )) بعدة أيام .. لقد حجزة دون نشر لسنين فقد كان يهاب رد فعل الكنيسة وغضبها عندما تكتشف أن تعاليم بطليموس - أرسطو عن مركزية الارض التي تبنتها لمدة 12 قرنا غير سليمة وأن الارض تدور حول نفسها وفي نفس الوقت تدور هي وباقي الكواكب حول الشمس.

لقد كانت فجر سطوع نجوم عصر النهضة الاوربية

ففي ذلك الزمن.. بعد كوبرنيكس.. يسطع جاليليو..الاكثر معاناة و إضطهادا و تهميشا

كان احدهما صاحب الانفجار الاول الذى زلزل الجمود الكنسي في عصرة ثم تلاة بعد قرن جاليليو الذى أسقط بدون تردد نظريات العصور الوسطي عن الكون و حركتة رغم أنف محاكم التفتيش .

نظريات كوبرنيكوس و جاليليو تخطت حدود الفلك لتؤثر في الدين والسياسة والفلسفة والثقافة الإنسانية كلها.. فيما عدا تلك البقعه الصحراوية التي لازال رغم مرور القرون بقايا فكر الإنكشارية يتحكم في سكانها ويدعي مرشديها بيقين الجهال (( بل هي مسطحة)) .. و من يقول عكس ذلك كافر .

ولد جاليليو الايطالي ((15 فبراير 1564 )) . أى بعد وفاة كوبرنيكس.

و كان من المؤمنين بمركزية الشمس و دوران الارض حولها ولا يهاب التصريح بذلك حتي رأت الكنيسه أن نظريته هذه تتعارض مع المزمور 104: 5 ((المؤسس الارض على قواعدها فلا تتزعزع الى الدهر و الابد)) .

جاليليو حاول الجمع بين أبحاثه و ما جاء بالكتاب المقدس مستعينا بالفلسفة التي كانت سائدة بين اباء الاسكندرية الاوائل في القرن الثاني بأن ((من وراءالمعني الحرفي لعبارات الكتاب المقدس طبقتين من المعاني أكثر منه عمقا هما المعني الخلقي و المعني الروحي لا تصل إليهما إلا الاقلية الباطنية المتعلمة )).

. فكان يدافع عن نظرياته موضحا انه لا يمكن تفسير الايات حرفيا .. ولكن الهجوم إستمر عليه و على افكاره ..و كما سقط (أرجن السكندرى من قبل بين براثن كهنة روما بسبب رفضة للتفسير الحرفي لكلمات الكتاب المقدس )

سقط جاليليو ليقف أمام محاكم التفتيش سنة 1616

وهناك فشل جاليليو في إقناع الكنيسة بعدم منع تداول كتبه وإنتهي بأن سلمه (الكاردينال بيلارمين) امرا بعدم الخوض في مسألة أن ( الارض تدور حول الشمس و ان الشمس ثابتة فى المركز لا تتحرك).

التزم جاليليو لمدة ستة عشر عاما ثم الف كتابا بعنوان (حوار حول النظامين الاساسيين فى العالم) كان نتيجته محاكمته عام 1633بتهمة الكفر(الهرطقة) و قرر القاضي:

1 - أن علي جاليليو التوبة عن افكاره الخاصة بأن الشمس هي المركز و الارض تدور حولها ، وأن القول بأن الشمس ثابته فى مكانها هى (كفر) .

2 - سجن جاليليو.. لكن الحكم خفف ليصبح عدم مغادرة منزله .

3 - منع كتابه (الحوار) و منع كل كتبه ما نشر منها و ما جارى نشرها .

عاش جاليليو بعد ذلك تسع سنوات و توفي في 5 يناير 1642 و هو يهمس لإبنته ((لكنها تدور ))

و هكذا دائما إنتهاء معاناة المختلفين مع دولة القهر و التخلف يكون بالوفاة و التخلص من نير الظالمين ..و لكن هل إنتهت بذلك مسيرة التنوير .

عندما غادر جاليليو ..ولد إسحاق نيوتن في إنجلترا عام 1643 .. كما لوكانت سلسلة تسلم حلقاتها بعضها بعضا .

في ذلك الزمن كانت الجامعات الاوروبية بما في ذلك كامبريدج تعتمد فلسفة أرسطو القائمة على مركزية الأرض في الكون ولكن في نفس الوقت كان يتم تداول أفكار كوبرنيكس و كيبلر و جاليليو .

لقد كانت الثورة العلمية في القرن السابع عشر في أوجها، و كانت أفكارهم أصبحت معروفة في كل الدوائر الأكاديمية الأوروبية، والفيلسوف رينيه ديكارت قد بدأ بوضع محتوى جديد معقد للطبيعة.

و هكذا عندما إلتحق نيوتن بكمبريدج درس المنهج الأساسي ولكنه كان مهتماً بالعلوم المتقدمة بحيث كان يمضي أوقات فراغه في قراءة كتب فلاسفة عصره وتدوين ملاحظات أظهرت فيما بعد أن نيوتن توصل لتعريف جديد للطبيعة شكل إطار الثورة العلمية.

حياة نيوتن الخاصة ليست موضوعنا و إن كان لم يتزوج كما أن قضاء طفولته البعيدة عن والدته ترك أثراً واضحاً عليه من حيث إحساسه بعدم الأمان،وأصيب بالانهيار العصبي مرتين في حياته ، و كان مشهوراً بمزاجه الحاد ومشاكله مع الآخرين ولم يكن له الكثير من الأصدقاء، .

بينما كان له الكثير من المخالفين والمنتقدين خاصة من مجتمع العلماء.. بمعني أنه كان تجسيدا لوصف نيتشة ((تقل الصحبة وتزداد الغربة و ينعزل الافراد في وحدة تفتقد حرارة التلاحم .. لقد إنفصل الشخص عن القطيع ليجد نفسة بعيدا عن مجتمعه .. يعاني من التفرد و التجاهل و عدم الفهم إنها برودة القمم))

لم يوجد دليل مؤكد على صحة قصة التفاحة وعلاقتها باكتشاف قانون الجاذبية.. ولكن في نفس الوقت عندما تقول (مثل أغلب المتعلمين أبعد من الاعدادية ) لكل فعل رد فعل مساو له و مضاد في الاتجاة .. فأنت لا تتكلم عن قانون نيوتن الثالث .. بقدر ما تتكلم عن حقيقة سلوكية و أخلاقية و إقتصادية .. أصبحنا نؤمن بها

نيوتن كانت له دراسات في الجاذبية وتأثيرها على مدارات الكواكب بحيث تأخذ الشكل البيضاوي...وفي عام 1687 نشر كتابه (المبادىء الرياضية للفلسفة الطبيعية ) و الذى إعتبر الكتاب الاكثر تأثيرا علي علم الفيزياءالحديثة ..يقدم فيه وصفاً كمياً دقيقاً للأجسام أثناء الحركة من خلال ثلاثة قوانين رئيسية :-

1 - الجسم الساكن سيبقى ساكناً ما لم تؤثرعليه قوة خارجية

2 - القوة تساوي حاصل ضرب الكتلة في السرعة والتغير في الحركة يتناسب مع مقدار القوة المؤثرة

3 - لكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة ومعاكس بالاتجاه

هذه القوانين لم تساعد في تفسير المدارات البيضاوية للكواكب فقط بل فسرت تقريباً كل حركة في الكون مثل كيفية بقاء الكواكب ضمن مداراتها نتيجة قوة جذب الشمس وكيفية دوران الأقمار حول كواكبها والمذنبات حول الشمس، كما سمحت لنيوتن بحساب كتلة كل كوكب، ومساحة سطح الأرض عند القطبين وانتفاخ خط الاستواء، وكيف تؤثر جاذبية الشمس والقمر في المد والجزر على الأرض. ووفقا لحسابات نيوتن فإن العلاقة بين الجاذبية و القوى الطاردة هي التي تحافظ على توازن الكون.

نيوتن عاش حتي بلغ الرابعة و الثمانين عندما توفي عام 1727 وإزدادت شهرته بعد وفاته إذا إعتبرة الكثيرون من أهم العباقرة بعد جاليليو و أرسطو .

و لكنه هو كان يرى نفسه (( كصبي صغير يلعب على الشاطئ محاولاً إيجاد حصى أنعم أو صدف أجمل بينما الحقيقة واسعة كالمحيط)). وهكذا يرى الافذاذ أنفسهم من الذين لا يدعون (مثل البعض) أنهم يملكون مجمل الحقيقة المطلقة.

بعد وفاة نيوتن بعشرين سنة (30 مارس 1746 ) ولد مناضل أخر علي طريق إنهاء نفوذ العصور الوسطي .. إنه الرسام الاسباني فرانسيسكو جويا..

الأعمال الفنية لمجتمع تعكس ماهيته .. مدى ثقافته .. و قدرته علي الإبداع .. فالبنائين الفوقي و التحتي في حالة تأثير متبادل مستمر و دائم .. البناء التحتي ينتج عنه مفردات البناء الفوقي .. الذى في نفس الوقت يساعد علي تطوير و تغيير البناء الذى أفرزه لافضل كما يحدث في بلاد الواق الواق .. أو للتدهور كما حدث لنا مع الأغنية و الموسيقي و السينما و المسرح .. و الأدب و باقي الفنون مثل النحت و صناعة الحلي و الملابس .

منذ زمن بعيد يصل إلي الاف السنين .. إندثرت قدرتنا علي الخلق المتفرد ..لم يعد لدينا الفنون ذات الملامح الخاصة بالمصريين .. التي إستمرت تزهو و تتطور عبر العصور .. حتي أصبح الفن (في يوم ما) مكروها لدى العامة و يتداول بصورة شبه سرية بين البعض من المثقفين .

لقد عكس البناء التحتي المهتريء فنونا بدائية ..متكلسة .. من زمن الأجداد ..لا تتطور ..و لا تنتج الجديد ., و لا يهتم بها المبدعون حول العالم .. أو حتي في منطقتنا .. حيث كنا في زمن قريب الفنانين الملهمين لاهلها .

قد يكون السبب أن الفن لم يعد يجد من يشتريه أو يهتم به فتقلص من يبعونه و أصبح سلعة راكدة .. و قد يكون لان الفنون مكروهه عند المسلمين الذين سيطروا علي (عقول العامة ) ..أو لعجز الطبقة السائدة( منخفضة الثقافة و الذوق و التعليم ) علي تطوير فنونها الخاصة و الإستسلام للفنون الشعبية لتسود بعشوائية .. و تشوه الذوق العام .

يكفي أن تمر من شارع الطيران في مدينة نصر .. و تشاهد بارليف سور نادى الضباط قبل ميدان رابعة .. و ما فعلوه فية أشباة الفنانين لتتعرف علي مدى إنخفاض الذوق الذى صاحب المرحلة التي نعيش فيها .

كنيسة القرون الوسطي كانت أيضا ( في زمن ما ) محبطة للإبداع الفني حتي خرجت أوروبا .. من ظلمات تلك العصور بسبب ثلاثة عوامل كل منها مترتب علي الأخر و متفاعل معه .

تعديل أساليب الإنتاج و وسائلة ( الإكتشافات الجغرافية و الثورة الصناعية ) .

و الفلسفة و إسلوب التفكير العلمي (بعيدا عن تهويمات الكهنة) ..

ثم الفن الحديث بكل مدارسة و فروعة ( موسيقي رسم نحت أدب مسرح رقص ملابس ) .

أحد رواد التطوير في الرسم و الخروج من أسر مواضيع و محددات الكنيسة للفن ..كان الرسام الاسباني فرانسيسكو جويا.

(( قد يكون جويا منذ عام 1786 أشهر رسام بورتيريهات بأسبانيا في عصرة و الرسام الاول لملك (تشارلز الثالث ) و عائلتة .. و لكن في الواقع ما جعله من رواد الانتقال بفنه خارج قوانين العصور الوسطي ..كانت رسوماته لدوقة (البا ) و اللوحات السوداء التي رسمها في نهاية حياته بأسبانيا علي جدران منزله))

لقد خرج عام (1796) عن المألوف في عصره وعن القوانين الاكاديمية التي تحرص عليها الكنيسة و القصر (و كأنه مبدع من عصر إخناتون ) جسد بعض مظاهر حياة الدوقة اليومية في لوحات متنوعة أطلق عليها البوم (شلوقة ) رسمها مثلا إلى جانب ابنتها بالتبني ذات الأصول الإفريقية . أو في وضعيات حميمية خاصة ومنها لوحة عارية تماما(الماجا ) يقال أنها كانت تجسيدا لها و أصبحت البداية لرسومات مشابهة بعد ذلك عندما أصبحت صور السيدات الإسبانيات أحد الوسائل المستخدمة بالقرن التاسع عشرفي حروب الحريات وهدم أسلوب التفكير والعادات القديمة فيما يشبه الثورة .

لقد كان من المتعارف علية عدم كشف أقدام السيدات وأن تغطي ملابسهن الأحذية. ولكن جويا رسم في لوحاته سيدات ذات ملابس قصيرة جدا... وهكذا احتلت لوحات (الماجا )مكانة كبيرة لتغيير القيم الأخلاقية و الفكرية للعصور الوسطي.

المشاهد لفيلم جويا (الالماني الروسي الصنع) يستطيع أن يفهم الكابوس الذى يعيش فيه الرواد داخل مجتمعات مغلقة ..حيث ((تقل الصحبة وتزداد الغربة و ينعزل الافراد في وحدة تفتقد لحرارة التلاحم )).. و جويا من الذين إنفصموا فكريا وعاطفيا عن مجتمعه .. ثم جسديا بفقده لحاسة السمع ..هذه الوحدة أخرجت لنا ((اللوحات السوداء)).

((14 لوحة رسمها الرسام الأسباني فرانشيسكو جويا في السنوات الأخيرة من حياته (من 1819 - إلى 1823)، على جدران منزل الرجل الأصم تعكس نظرته إلى البشرية و مخاوفه)).

استخدم جويا الألوان الزيتية لرسم اللوحات على جدران غرفتي الطعام والجلوس في منزله، واحتوت الرسومات على مواضيع خيالية كئيبة.كاسرا بها كل قوانين الرسم المتعارف عليها في زمنه

لم تكن اللوحات بتكليف من أحد، ومن المرجح أن جويا لم يكن ينوي عمل معرض خاص بلوحاته السوداء هذه ؛ وإنما رسمها لنفسه.. فهل كانت هذه الرسومات إسقاطا علي محاكم التفتيش التي إستدعته و حاكمته بسبب فنه عام (1815 ).. أم هي تعبيرا عن رفضه لقوى السلطة الارستقراطية .. أم إنعكاسا لخوفة من ما حدث أثناء الحرب الاهلية من فظائع قامت بها القوات الفرنسية المحتلة وبعد إرتقاء جوزيف بونابرت العرش الاسباني.

عام 1823 يهاجر جويا إلي فرنسا هربا من ملاحقات محاكم التفتيش وحاشية الملك المضادة لفنه وهناك يستكمل مسارة ورحلته مع الفن و يتوفي عام 1828 بعد تدهور صحتة.. (( لقد إنفصل عن القطيع ليجد نفسة بعيدا عن مجتمعه .. يعاني من التفرد و التجاهل و عدم الفهم إنها برودة القمم...))..

تاريخ الانسان هو تاريخ للقهر المستمر الذى زاوله البعض من المتحكمين إما بواسطة الملكية و السلاح أو السيطرة بالافكار و الاساطير والتراهات وبث الخوف الدائم من الموت أو السجن أو التعذيب أو فقد أسباب الحياة أو النبذ خارج إطار الجماعة ..

ومع ذلك هناك دائما من عاشوا بإختيارهم يعانون الوحشة من حياة قاسية منفصلة عن عالمهم بسبب حب الاستطلاع وعدم الرضا الذى تمكن منهم وما نتج عنه من سخط علي الاستكانة لما هو مألوف ، فيغيرون من أنفسهم و مجتمعهم و يتقدمون بحياة الانسان إلي افاق غير مطروقة يخطون خطوة أو خطوات في سبيل تحقيق قدرة البشرعلي فهم و تطويع الطبيعة والحياة لتصبح صديقا.

الحياة تأبي دائما أن تكون صديقة للمتفردين إنها لا تراهم إلا بعد أن يسرى سحرهم في عروق المجتمعات و الناس فتحتفي بهم .. لقد كنت دائما مفتونا برسومات فان جوخ (30 مارس 1853 - 29 يوليو 1890 )الذى كسر كل القواعد المتعارف عليها في زمنه ليصبح هو القاعدة ..

هذا الرجل لم يبع في حياتة لوحة واحدة و من أهداه لوحة منها أهملها حتي أصبحت تباع الواحدة بملايين الجنيهات فأخرجها بعد وفاته ليكسب منها و يحوز التجار و السماسرة الثروة .. أما هو فقد مات عن 37 سنة في مستشفي للأمراض العقلية وحيدا يعاني من برودة القمم


عندى شعور دائم بالخجل و الحزن .. الخجل .. من الأجيال الشابة التي أورثناها مثل هذا الوطن المتخبط المنهار ..شديد الرجعية ..المديون بديون متلتلة ..و الذى لا يشعر فيه الفرد بالأمان .

و الحزن.. علي الجهد الذى بذلناه بإخلاص خلال رحلة حياتنا .. و ضاع هباء بسبب تحكم كهنة متعصبين يقومون بالإرتداد الي العصور الوسطي و قوانينها بكل نشاط .. و رجال سياسة من الإنتهازيين الهواة الذين لا يعلمون حجم الإنهيار الذي يتسببون فيه بقوانينهم و افكارهم و مشاريعهم ..و مدنهم الجديدة .. و منشئاتهم القبيحة ..

أكاد أكون علي يقين ..أن .. عوامل الهدم تحيطنا من كل جانب .. زيادة في تعداد سكان الوادى الضيق ..و تضائل في فرص إستمرار تدفق النيل علي حالة .. وإهمال في مواجه وباء الكرونا بحيث يحصد الألاف يوميا

و صراع الجوع علي كل المستويات و الطبقات .. يغير من الأخلاق و المثل ..و يسخط البشر تدريجيا إلي وحوش .. لا تتوقف عن العدوان .. بعد أن تحولت الحكومة إلي اللوياثان الأعظم الذى لا يشبع من الإستيلاء علي قروشنا القليلة بالعنف و الخوف .. و السجون .. و القوانين الممرضة .. ونزح ثروة البلاد للخارج .

نحن كمصريين مفعول بنا ..نصل كثيرا إلي محطة قطار المعاصرة وهو يغادر فلا ندركة ونقف مندهشين .. ماذا يعيبنا و كيف لا تفلح الادوات التي بين أيدينا.

لا أظن أننا سننجو .

من تأثير الديون المتزايدة .. رغم أن البعض كتب منذ عدة أيام مندهشا .. من الولولة علي ما يتم من إقتراض .. علي أساس أن ديوننا لا شيء بجوار ديون الدول العظمي .. ناسيا أن 90% من دخل الحكومة تستهلكة خدمة الدين .. و لا يبق من أجل تسيير الحياة إلا اقل القليل . و أن هذه القروض تنفق في غير محلها .. تجعل البعض يعيشون مثل الأباطرة .. و الأغلبية لا تنام الليل خوفا من الجباة و اللصوص والفقد في متاهة العوز مع عاديات الحياة

تحول العسكر في بلادى من المرابطةعلي الحدود إلي المنظم للسوق الداخلي و المتحكم فيه .. يجعل المرأ يصل إلي نتيجة .. يا ويلنا لو إحتجنا الدفاع عن أرضنا و نيلنا ..و حياتنا .. و يا تعاستنا بأن يقود غير المتخصص الدفةالإقتصادية .

ثم أتساءل ,

هل الحياة كانت ضنينة معنا ..و أدت إلي هذا الواقع المأساوى .. ليصبح مسرور السياف واقفا لنا بالمرصاد .. بعد أن أصبح مجتمعا كاملا يجرى و يدهس من يتوقف ليتأمل أو يفكر .. ..... الخ ))

المقال كاملاً :

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?ecom=1&aid=711875#837289

-----------------------

تعليقات