الكاتب / كمال غبريال - كاتب سياسي وروائي - مصري
المقال منشور في موقع الحوار المتمدن
يوم 9-6-2026
هل الإجابات التي عثر عليها الإنسان عبر تقدم واكتشافات علم الفيزياء، لم تعد تترك مجالاً للإبقاء على أساطير الميتافيزيقا؟
على مدار قرون طويلة، عاش الإنسان في عالم تحكمه التفسيرات الغيبية (الميتافيزيقية). كانت الفلسفة التأملية والأساطير هي الأداة الوحيدة المتاحة لتفسير الوجود، وأصل الكون، وطبيعة الحركة، والزمن. ولكن، مع ولادة الفيزياء الحديثة وتطورها المتسارع، حدث انقلاب معرفي هائل. لقد نجحت الفيزياء في هدم هياكل الميتافيزيقا وتفكيك أساطيرها، محولةً الفراغات التي كان يملأها الوهم والظن إلى مساحات شاسعة من اليقين التجريبي والرياضي.
لقد سحبت الفيزياء البساط من تحت أقدام الميتافيزيقا عبر عدة تحولات ثورية، نجملها في المحاور الأساسية التالية:
1. من "العلل الغائية" إلى القوانين الحتمية والرياضية:
في الفلسفات القديمة (كأرسطو ومدرسته)، كانت الأشياء تتحرك وتوجد بناءً على "غاية" أو "سبب ميتافيزيقي" خفي (مثل تحرك الحجر نحو الأرض لأنه يطلب مستقره الطبيعي).
كيف هدمت الفيزياء ذلك؟ جاء إسحاق نيوتن بقوانين الحركة والجاذبية، مبرهناً على أن الكون يعمل كآلة ميكانيكية دقيقة تحكمها معادلات رياضية صارمة. الحركة لا تحتاج إلى "رغبة ميتافيزيقية" أو قوى خفية، بل إلى قوى فيزيائية قابلة للقياس.
2. انهيار الثنائيات الميتافيزيقية (المادة والروح / الزمان والمكان):
ظلت الميتافيزيقا تفصل فصلاً قاطعاً بين عالم الأرض وعالم السماء، وبين الزمان المطلق والمكان المطلق، وبين المادة والطاقة كجوهرين منفصلين.
كيف هدمت الفيزياء ذلك؟ نسفت نسبية أينشتاين هذه التصورات تماماً. فقد دمجت الزمان والمكان في نسيج واحد يُعرف بـ (الزمكان - Spacetime)، وأثبتت معادلة أينشتاين الشهيرة {E=mc^2} أن المادة والطاقة وجهان لعملة واحدة. هذا التحول جعل "الجوهر الميتافيزيقي الثابت" مجرد وهم، وحل محله واقع ديناميكي متحول.
3. نشأة الكون: من "الخلق الأسطوري" إلى الانفجار العظيم:
كانت الميتافيزيقا والأساطير تحتكر الإجابة عن سؤال: "كيف بدأ الكون؟" عبر قصص وتأملات لا يمكن إثباتها.
كيف هدمت الفيزياء ذلك؟ بفضل فيزياء الكونيات الحديثة واكتشاف تمدد الكون وخلفية الأشعة الكونية الصغروية (CMBR)، صاغ العلماء نظرية الانفجار العظيم (The Big Bang). لم يعد أصل الكون تخميناً فلسفياً، بل تاريخاً فيزيائياً يمكن تتبعه بالمعادلات والرصد الفلكي حتى أجزاء من الثانية الأولى لنشأته.
4. ميكانيكا الكم وتفكيك "الجوهر":
بحثت الميتافيزيقا طويلاً عن "الجوهر الفرد" أو الماهية الثابتة للمادة.
كيف هدمت الفيزياء ذلك؟ جاءت فيزياء الكم (Quantum Mechanics) لتكشف أن العالم دون الذري لا يتكون من "قطع مادية مصمتة" وثابتة، بل من موجات واحتمالات، وحقول من الطاقة (Quantum Fields). مبدأ الحتمية نفسه تزلزل لصالح الاحتمالية، مما أثبت أن التصورات الميتافيزيقية الكلاسيكية عن "المادة الصلبة الثابتة" كانت مجرد قصور في الرؤية البشرية.
الإجابات الفيزيائية بديلًا عن الأساطير
إن الإجابات التي عثر عليها الإنسان عبر تقدم الفيزياء لم تترك مكاناً لـ "إله الفراغات" (God of the gaps) — وهو المفهوم الميتافيزيقي الذي يستخدم الغيبيات لتفسير أي ظاهرة يجهلها العلم.
البرق والرعد: لم يعودا غضباً من الآلهة، بل تفريغاً كهربائياً.
الأمراض والأوبئة: لم تعد لعنات سحرية، بل اختلالات بيولوجية وفيزيائية وكيميائية.
حركة الكواكب: لم تعد تحركها ملائكة أو أرواح، بل قوى الجاذبية وانحناء الزمكان.
الخلاصة:
لقد أسست الفيزياء لمنهج معرفي يقوم على الملاحظة، التجربة، والرياضيات. هذا المنهج الصارم أثبت أن الكون يفسر نفسه بنفسه من داخله، عبر قوانينه الذاتية، دون الحاجة لاستدعاء هياكل ميتافيزيقية من خارجه. إن الميتافيزيقا اليوم، في ظل الفيزياء الحديثة، تراجعت من كونها "حقائق تفسر العالم" لتصبح مجرد "تاريخ للفكر البشري" أو أساطير قاصرة طوى الزمان صفحتها بعد أن أشرق نور الكشف الفيزيائي.
----
____________________________
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق