ماذا يقول الآخرون عن حضارات بلادهم القديمة ؟

تمهيد : صلاح الدين محسن   10-7-2021


أنا كالملايين بالعالم المتحضر , المحبين لآثار وتاريخ مصر القديمة .. لكنني لا أتعصب , فكمثقف أعرف ان أمماً كثيرة لها حضارات لها قيمتها في التاريخ .. والحضارة ليست حِكراً علي أمة بعينها 

ورغم حرصي علي نقل العديد مما تنشره مواقع الآثار المصرية القديمة بالفيسبوك , وإعادة نشره بمدونتي تلك , الا انني ما ان ألاحظ  تبريراً أو انحيازاً لحضارة مصر القديمة التي أعتز بها , فانني أطالب بذكر التاريخ  بأمانة .. سواء لصالح مصر القديمة أو لصالح غيرها - في جانب ما - .. 
والحضارات بدون استثناء هي كالأفراد من البشر , لا أحد بلا عيوب ولا أحد بلا مزايا .
وقد اخترنا مقالاً يتكلم فيه كاتبه عن الحضارة القديمة في بلاده - حضارة سومر , العراقية القديمة - , لنري ماذا يقول :

المدنية السومرية .. نظرة تاريخيّة في الأصالة والابداع - 11


وليد المسعودي - كاتب عراقي - 

الحوار المتمدن 2021 / 7 / 8 

الآداب والفنون السومرية

الغناء والموسيقى والرقص
اما عن الموسيقى السومرية ، فيمكننا القول ان بدايات اول نظام موسيقي اخترع في ارض سومر ، ولم يصل الامر الى مجال الاكتشاف فحسب بل تعداه الى مجال التأثير الخارجي على بقية الشعوب في مجال الموسيقى حيث تأثيرهم على الاغريق والمصريين والرومان ، واكثر داعم للموسيقى السومرية هي المعابد والقصور الملكية ، اذ كانت تقام فيها الحفلات والمناسبات الدينية والدنيوية ، وتنظم فيها الاناشيد والتراتيل والاغاني ، واشهر الالات الموسيقية المستخدمة هي القانون الافقي والقانون العمودي ذو الاوتار ( ٤ ، ٩ ، ١٢ ) والبزق ذو الرقبة الطويلة وبثلاثة اوتار ، يضاف لها الآت الطبل والناي والقيثارة ذات الاوتار في شكلها الذهبي والفضي والمعلق في مقدمتها رأس ثور (٩٥) فضلاً عن عدد من الالات الموسيقية الاخرى مثل " الكنارة والجنك والاجراس والخشخشات " وكل ذلك مدون في النصوص المسماريّة او من خلال الرسوم والنقوش التي تشرح طبيعة اسماء الالات الموسيقية سواء كانت صوتية منها او هوائيّة (٩٦)
وكما اسلفنا اعلاه ان المعابد والقصور الملكية كانت تقيم الكثير من الحفلات والاناشيد والتراتيل الدينية حيث تم اكتشاف اوركسترا كاملة في معابد اور ، ودائما ما يرافق مراسيم العزف الموسيقي اقامة الولائم الطقوسية ، اذ تتصدر القيثارة ورأس الثور هذه المركزية التي تؤكد تعاشق الديني مع الدنيوي في تلازم حياتي معاش .
ولا تكتفي الموسيقى السومرية بالاداء الفني او الطقسي من ولائم ، بل يضاف لها الاداء الحركي لفن الرقص ، وهذا الاخير كانت وظائفة تقوم كاسلوب لمحاكاة الطبيعة ومحاولة استرضاء الالهة من اجل الحصول على خيراتها وتفادي مخاطرها ، حيث هناك النساء الراقصات يظهرن وهن متشابكات الايدي ويؤدين رقصة الاستسقاء وهي رقصة توسلية للسماء من اجل الحصول على هبات وعطايا الماء والمطر ، تمارس بشكل طقسي وفني في غاية الاتقان والاتزان ورقصة الاستسقاء هذه ظهرت في الطبق الخزفي المكتشف في سامراء والذي يعود الى الدور او الطور الذي سمي على اسم المدينة دور سامراء ، حيث يشير هذا الطبق الى اربعة نسوة وهن يؤدين رقصة الاستسقاء بشكل متقابل مع تطاير شعورهن باتجاه عقارب الساعة وتطاير الشعر هذا لا يهدف بدوره سوى تحريك هواء العالم بالشكل الذي يجلب الغيوم ويجعل السماء تمطر (٩٧)
وهكذا هو الرقص السومري لا يقف عن جانب التكوين الطقوسي الديني للتوسل بالسماء من اجل المطر ، بل يتجاوزه سواء كان ضمن سياقه الفردي او الجمعي ، يتجاوزه الى حالات ومناسبات انسانية في السلام او الحرب على حد سواء ومع كل مناسبة رقص وموسيقى تقام هنالك الولائم الطقوسية الغذائية ، ففي كل مناسبة لها طابعها وطقسها الموسيقي ، الرقصي ، في الحرب يعلو الانشاد والغناء والتصفيق وتمثيل الحركات التي تظهر العدو دائما بالمنهزم والمتراجع ، وفي السلم ايضا هناك حفلات تمارسها العامة والخاصة في البيوت وفي القصور والمعابد الدينية ، والاخيرة كانت تمتلك غرف خاصة لتعليم التلاميذ فنون الموسيقى والغناء ، وكل ذلك يعد جزء من الطقوس الدينية ، حيث تشير الى ذلك الكثير من الاختام الاسطوانية ونقوشها التي تظهر بعض مشاهد الاداء الحركي كالتصفيق مثلا او الموسيقي كالعزف على الة ناي او قيثارة ، وهذه المشاهد تؤكد علاقة الانسان مع محيطه المعاش سواء كان في حالة حرب او سلم في مناسبات فرح وولادة او رحلات صيد .
----
المصادر والهوامش :_
٩٥ _ ان رمزية الثور في بلاد الرافدين وفي ارض سومر هي رمزية زراعية ودينية ، وذلك لما يمتلكه من اهمية غذائيّة و زراعية من حيث الاسخدام في حرث الاراضي ، ولما يمتلكه من اهمية دينية حيث يعد من القرابين المهمة جدا في تقديمها للالهة ، حول الالات الموسيقية وتعددها يراجع هنا . بشور ، وديع / سومر وأكاد / دمشق ، ١٩٨١ / ص ٨٦ .
٩٦_ البقلاوة ، محمود عبد الصاحب / موقع التاريخ البحراني / مقال بعنوان : مشروع اعادة تصنيع قيثارة دلمون الوترية ، ٦/٨/٢٠٢٠.
٩٧ _ هناك من يشير الى علاقة المراة بالخصب فالمرأة هي الارض ومن خلالها تتم جميع عمليات ارضاء الالهة حتى صورت المرأة في المجتمع العراقي القديم يشكل بدين مع أعضاء جنسية كبيرة ، ورقصة الاستسقاء هذه اخذت أبعاد وتأثيرات خارجية لدى حضارات كثيرة مجتمعات متتالية حتى تم اخراجها من بعدها السحري وهنا نشير الى رقصات الغجر " الكاولية " بشعورهن المتطايرة ، ( موجودة للآن - ص . ا . محسن ) وكذلك رقصات " الجوبي " في بادية وريف العراق ماهي ابا امتداد لهذا الطقس السحر الخاص بعملية استنزال المطر . يراجع هنا . عطو ، وليد يوسف / طقوس استنزال المطر في العراق القديم / الحوار المتمدن ، العدد ٣٩٨٩ / في يوم ٣١/١/٢٠١٣ .
------------------------

تعليقات