06 سبتمبر 2026

كتابات مختارة - -كافكا- المقهور يجبر القارئ على تذكُّر أعماله طوال العمر

من مختارات صلاح الدين محسن
6-9-2026
-------
- كافكا - المقهور يجبر القارئ على تذكُّر أعماله طوال العمر

 الكاتبة : نعيمة عبد الجواد
أستاذة جامعية، وكاتبة، وقاصة، وشاعرة، وروائية، وباحثة، ومكم دولي
(Naeema Abdelgawad)
 
الحوار المتمدن  2026 / 9 / 5   
 

   
 ماذا بعد؟ ولماذا كل هذا اللغط؟ وما الذنب الذي اقترفته؟ جميعها أسئلة قد تدور في رأس أي فرد سواء في حالات الضيق أو حتى في أقصى مراحل السعادة وتحقيق الذَّات. والعجيب أن الرَّابط المشترك بين كل هذه الأسئلة أنَّ جميعها لا يمكن الإجابة عنها بشكل مرضي أبدًا، سواء لمن يسألها أو حتى لمن يحاول الإجابة عنها. فالقاسم المشترك بين كل هذه الأسئلة هو محاولة فهم وجود الإنسان وخوضه لتجارب لم يخترها، تقريبًا في جميع الأحيان، وفي نهاية الأمر ينتهي به الحال بائسًا يائسًا لا يجد المتعة في أي شيء، حتى ولو كان يبدو للآخرين وكأنَّه يرفل في النعيم؛ فمثل تلك الأحاسيس تكون غالبًا هي السرّ الدفين لأي شخص، والتي لا يستطيع أن يعبِّر عنها ولا يصرِّح بها لتداخلها العميق مع الذَّات وكذلك لاختلاطها بأفكار ومشاعر متناقضة ولا نهاية لها. وحتى انعكاس هذه الأفكار لا يكون سهلًا على الغالبية العظمى من البشر، لكن يمكن تجسيده إمَّا في صورة مرض نفسي لا يمكن الشفاء منه، أو إبداع أدبي يكتب الخلود لصاحبه، إذا استطاع أن يلمس أوتار المشكلة التي تؤرِّق لنفسه ولا تسنح له الفرصة للفرار أو الخلاص منها.
ويحاول المبدعين على مرّ العصور كتابة أسمائهم في قوائم الخالدين عند محاولاتهم لتجسيد إنعكاس للإجابة على تلك الأسئلة العميقة؛ مع ملاحظة أنه لا يستطيع أي فرد الوصول لتمثيل نابض لهذا التجسيد المؤلم، فيما خلا من اكتوى بنيران عقوبة أبدية لم يقترف إثمًا جسيمًا لينالها، ومن ضمن هؤلاء المبدعين كان الروائي الروسي العظيم "فيودور ديستويفسكي" Fyodor Destoesvsky (1821-1881) والكاتب التشيكي "فرانتس كافكا" Franz Kafka (1883-1924)، ولعل السرّ الذي يكمن وراء نجاحهما المنقطع النظير ذاك ليس الانتاج السردي الذي صنع منهما نجمين بارزين في عالم كبار المفكِّرين الفلاسفة، بل لأنهما خاضا تجربة القهر المفروض على الإنسان في أشد وجوهه إيلامًا، والتي أتاحت لهما التعبير عن ذاك الشعور وإيضاحه من زوايا مختلفة، وهذا لتوافر كل الأدوات والظروف التي تجعل ما يسردانه حيًّا نابضا، وقبل أي شئ صادقًا.
فلقد حاول كل من "ديستويفسكي" و"فرانتس كافكا" في أعمالهما الإجابة عن الأسئلة الوجودية التي لطالما أرَّقت البشر وأنقضَّت كالصقر على مسار حياتهم بعد أن أغرقوا في مشكلات لم يمكنهم الخروج منها. لكن يمتاز "كافكا" في أعماله أنه يضرب مباشرة وبلا رحمة على أوتار قسوة الحياة، وفي كل عمل يستهدف سؤالًا ويحاول قدر الإمكان الإجابة عنه في إطار سردي. وبما أن جميع الأسئلة الوجودية لا إجابة لها، فإن الغالبية العظمى من أعمال "كافكا" غير مكتملة، لأنه ببساطة لم يكملها. أضف إلى ذلك، يلفَّها غموض خانق وظلامية في الشعور تجعل القارئ لا ينفك طوال حياته عن البحث عن أي إجابة لأيٍ من تلك الأسئلة. وبتلك الطريقة الصادمة يحثّ "كافكا" القارئ على تذكُّر العمل بأكمله طوال ما تبقى له من عمر على ظهر الأرض.
ومن الأعمال القليلة عند "كافكا" التي ناقشت أغلب القضايا الوجودية كانت رواية "المحاكمة" The Trial التي تم نشرها بعد نحو عشر سنوات من كتابتها (عام 1925)، بالرغم من أنها نص غير مكتمل، وإن كانت الخاتمة تمت الإشارة لها في أحد فصول الرواية.
في رواية "المحاكمة"، يوجِّه "كافكا" أصابع الإتهام لبس فقط للبيروقراطية أو النظم الشمولية التي تقهر الأفراد، كما تم تحليلها فيما سبق، بل أيضًا للحياة بوجه عام التي أصبحت جزء أصيل في ذاك القهر. ومن ثمَّ، السيد "جوزيف كيه"، الذي يعمل موظفًا في بنك، في صبيحة إتمامه عامه الثلاثين، يجد قرعًا متواصلًا على بابه، وعند فتحه الباب يتبيَّن له أن الزائر موظفون حكوميون منوطين بالقبض عليه لكي تتم محاكمته على تهمة لا يعلمها، ولا هم أيضًا يفصحون له عنها. والمدهش في الأمر أنه يمارس طقوس حياته بأكملها ويذهب إلى عمله، لكن يتخلل كل هذا أوقات الاستجواب والمحاكمة. والمثير للدهشة أن "جوزيف كيه" يقدِّم دفاعًا عن نفسه ينطقه بكل حرارة وحماس وصدق، بالرغم من أنه حتى لا يعلم ما هي التهمة الموجهة له. وذلك يعطي انطباعًا، إن لم يكن دليلًا دامغًا، على أن كل هذه المحاكمة تدور في عقل بطل الرواية ودفاعاته هي محاولة يائسة للإجابة عن أسئلة وأسباب وجودية تقهره وتدفعه للهاوية دون أن يعلم السبب.
والرواية في تشابكها الذي يجعلها تدور بين الصراع النفسي الداخلي والصراع مع المؤسسات والنظم التي تقهر الإنسان في العصر الحديث هي إحدى محاولات "كافكا" ليس فقط للتعبير عن الذَّات والشعور بالقهر الدَّاخلي، بل أيضًا وسيلة للولوج إلى باطن النفس البشرية ونزع الأقنعة التي يخفي بها الفرد صراعه الدَّاخلي على أقرب المقرَّبون له، وأيضًا عن نفسه. "كافكا" الباحث عن بواطن الذَّات يُقدِّر الكتب التي تفتح مغاليق النفس، ولهذا يردد: "إن العديد من الكتب هي بمثابة مفتاح لغرف مجهولة داخل قلعة الذات".
ومن ذلك المنطلق جاءت عظمة "فرانتس كافكا" الذي حظي بالعديد من الألقاب، بدءًا من كاتب الوجودية إلى مؤلِّف ينتمي لمدرسة الحداثة، لصعوبة تصنيف ما يكتبه من سرد يرقى إلى أعظم الدروس الفلسفية. وأخيرًا، تم الاهتداء إلى تصنيف ما يكتبه على أنه "جنس أدبي فرعي"، ويكفي أن نوعيه انتاجه الأدبي أصبحت صفة ويطلق عليها "الكافكية"، ويعد شرفًا عظيمًا لأي مبدع أن يُشار لما يكتبه بأنه ينطوي على ملامح من "الكافكية"، هذا بالرغم من أن جميع أعمال "كافكا" الصادمة لم تحظ بالتقدير طوال حياته عند نشرها، ولولا جهود صديقه "ماكس برود" Max Prod، لما عرف العالم شيئًا عن "كافكا". فلقد قام بنشر كتابات "كافكا" بعد وفاته بعد أن أعاد تنسيقها وتحريرها نظرًا لأن أغلبها غير مكتملة، مخالفةً منه لوصية صديقه الذي شدد عليه أن يحرق كل ما قام بتأليفه؛ لأنه يئس من محاولاته المستميته لنشر صوته وفكره نفسيًا. "وإذا لم يوقظ الكتاب الذي نقرأه بضربة على الرأس، فما غرضنا من القراءة؟" فهو يعتقد أن الغرض من القراءة ليس بثّ السعادة في نفس الإنسان؛ فالكتاب إذا كان كذلك، يكون فقد الغرض الذي كُتِب من أجله، ولسوف يكون من الأفضل حتى تستمر تلك السعادة الزائفة إذا لم تلاشت الكتب من الحياة. ويؤكد على ذلك قائلًا: "الكتب التي تسعدنا هي تلك التي نستطيع كتابتها بأنفسنا، لو اضطررنا لذلك. لكننا نحتاج إلى كتب تؤثر فينا ككارثة، تُحزننا بعمق، كموت من أحببناه أكثر من أنفسنا، كالنفي إلى غابات بعيدة عن الجميع، كالانتحار. يجب أن يكون الكتاب بمثابة فأس يُكسر به البحر المتجمد في داخلنا. هذا هو اعتقادي".
وبالرغم من غرابة وقسوة إتِّجاهات "كافكا" الفكرية وغرابة إنتاجه الأدبي الذي اتَّخذ من اللامعقول والصادم طريقًا له، لكن كل عمل يقدِّمه يجعل القارئ يقف عنده ليس فقط للحظات أو لشهور، بل لجميع سنوات العمر القادمة؛ لأن كل عمل بمثابة درس قاسي، أو كما أطلق عليه "كارثة" أو "نفي" أو "انتحار" أو حتى "فأس" يكسر جميع الأفكار والمفاهيم الجامدة داخل رأس القارئ. ويجب ملاحظة أنه لا يجب النظر إلى "كافكا" وكأنه كاتبًا تعوز أفكاره ولو حتى القليل من الفكاهة أو يطغى عليها الظلامية، بالإضافة إلى جميع حبكات أعماله التي لا تخرج عن كونها كابوسًا متنقِّلًا يطارد القارئ؛ فهذه هي شخصية "كافكا" وهذا هو الغرض الذي من أجله ألَّف جميع أعماله.
رواية "المحاكمة" تندرج تحت هذا التصنيف، وتبلور جميع مفاهيم "كافكا" في آن واحد. وأكبر جانب في عظمتها أنها وجودية وعبثية وحداثية ونفسية، وقبل أي شيء فلسفية المفاهيم ولا يعوزها الجانب الفكاهي، لكنه بالطبع فكاهي تراجيدي الغرض منه التفكير العميق في حجم الكارثة التي يجابهها الإنسان بسبب وجوده على ظهر الأرض. ومن ثمَّ، كانت رواية "المحاكمة" جديرة بأن يتم إدراجها في عام 1999 ضمن قائمة جريدة "لوموند" Le Monde الفرنسية لأفضل 100 (مائة) كتاب في القرن العشرين، ووقعت في المرتبة الثانية من بين أفضل الروايات الألمانية في القرن العشرين. وعلى ما أعتقد أن ذاك التصنيف لسوف يرتقي لمراتب متقدِّمة أكثر فأكثر خلال القرن الواحد والعشرين؛ نظرًا لتفشِّي القهر واستشراءه بصورة أكثر قسوة، وكأن "كافكا" كان يصف أحوال الأجيال التالية له لقرون طويلة.
--------
____________________________

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق