22 أكتوبر 2026

كتابات مختارة - الكرامة بالمفهوم الناصري

إعداد : صلاح الدين محسن
22-10-2026
---------

بطل الهزائم .. في اوأخر أيامه - صورة من الانترنت -






الكرامة بالمفهوم الناصري

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - كاتب و مترجم مصري
 
الحوار المتمدن 2026 / 10 / 23  
 
اقرأ في السياسة

"ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد."
«وضعنا أساس العزة، ووضعنا أساس الحرية، ووضعنا أساس الكرامة.»
جمال عبد الناصر، زعيم ثوري ومؤسس دولة يوليو

بداية، لا نعرف بالتحديد ماذا كان يعني عبد الناصر بلفظة "الاستعباد". لكن يمكن بسهولة استنتاج أنه كان يعني تحرير مصر والمصريين من "التبعية" للأجنبي ومن تدخله في شؤونهم الوطنية. لكن لابد أن مفهوم الاستعباد، في مخيلة عبد الناصر، لم يقتصر فقط على التدخل الأجنبي في الشأن المصري الداخلي. عبد الناصر حارب الإقطاع ورأس المال الوطني المصري بنفس ضراوة حربه ضد الاستعمار الأجنبي، إذا لم يكن أشد. ولم يرتوي ظمأه للحرية بطرد آخر جندي إنجليزي من أرض مصر، بل هو طرد وصفى أيضاً كامل النخبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المصرية القائمة آنذاك، بعد خلع الملك وطرده مع كل الأمراء إلى المنفى خارج أرض مصر. هكذا، في نظر عبد الناصر، تحرر المصريون من أي شكل من العبودية، سواء لقوة احتلال أجنبي أو لنفوذ نخب مصرية كانت- في نظر عبد الناصر أيضاً- تسودهم وتحكمهم وتستغلهم سياساً واقتصادياً واجتماعياً. لكن بعد كل هذا "التحرير" الجذري، من سيبقي في مصر لكي يسود جموع المصريين ويحكمهم، وبسبب ذلك ربما قد يسيء بدوره معاملتهم واستغلالهم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً مثلما فعل أسلافهم؟ الآن عبد الناصر ورفاقه الضباط الأحرار هم من يمسكون بمفاتيح السلطة، وعموم المصريين يخضعون لهم مجردين من النخب التي تفهم وتمارس أسرار السياسية والاقتصاد والوجاهة الاجتماعية. هكذا كُتبت المعادلة الأولى في دولة يوليو: الضباط هم الحكام الجدد، أو ورثة الانجليز والملك والأمراء والنخب المصرية القديمة الفاسدة، وعموم المصريين هم المحكومين، من دون نخب مدنية تخصهم- تنبت وتنضج من وسطهم- حتى تتشكل لهم نخب جديدة من بين صفوف الضباط والرتب العسكرية، الحكام الجدد، أنفسهم.

هنا يمكن السؤال: ماذا تعني كلمات مثل "حاكم" و"محكوم" في نظام غير ديمقراطي كالذي أنشأه عبد الناصر؟ تعني أن المحكوم يخضع في تسيير شؤونه العامة والخاصة لإرادة وقرارات الحاكم لا إرادته وقراراته نفسه سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عبر ممثليه المنتخبين، ببساطه لأنه لا يملك شيئاً من أمر تنصيب أو خلع ممثليه وحكامه. هو لا يأتي بهم ولا يستبدلهم بإرادته الحرة عبر الانتخابات أو خلافه؛ بل هؤلاء هم من يفرضون أنفسهم عليه، سواء عبر اللجوء إلى القوة أو الانتخابات الصورية أو الشعارات الثورية أو خلافه. "الاستعباد"، في معناه الحقيقي، يعني سلب الإرادة؟ العبد هو الشخص المسلوب الإرادة. هل كانت قدرة المصريين في التعبير عن إرادتهم الحرة وممارستها أفضل خلال العهد الناصري منها في الملكي الفاسد؟ ربما كان "التحرر الوطني" والقضاء على "الاستعباد"، في مفهوم عبد الناصر، يعني أن يتخلص المصريون من حكم الأغراب والأجانب الذين ليسوا منهم، من أبناء البلد والمصريين أباً عن جد مثلهم؛ وبدلاً من هؤلاء، يتولاه رجال شرفاء منهم أنفسهم، مصريون مثلهم، يعيشون ويحسون نفس آلامهم وأوجاعهم. لكن هذا التفسير سيحيلنا إلى مفهومه حول "الأجنبي". هل يعتبر ملك مصر أجنبياً؟ هل تعتبر  حكومة مصطفى النحاس أو النقراشي أو علي ماهر أجنبية؟ هل كان أفراد النخبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية آنذاك كلهم أجانب من غير المصريين؟ لماذا يجهز على هؤلاء المصريين مثله بكراهية ودموية أشرس من إجهازه على القواعد العسكرية والنخب الإنجليزية؟

تتويجاً لثورة المصريين عام 1919، نالت مصر استقلالاً إسمياً عن بريطانيا بحلول 1922. ثم في 26 أغسطس 1936 أبرمت مصر وبريطانيا «معاهدة التحالف»، وهي اتفاق وُقِّع في لندن بين الحكومة المصرية برئاسة مصطفى النحاس باشا والحكومة البريطانية، أنهى رسميًا «الاحتلال العسكري» البريطاني لمصر، لكنه أبقى وجودًا عسكريًا بريطانيًا محدودًا لحماية قناة السويس ومصالح الإمبراطورية، ما جعل الاستقلال جزئيًا وليس كاملاً. هذا الاستقلال غير المكتمل والجزئي كان قبل 1952. وهو ما لم يرضي عبد الناصر، الذي ما كان يرضى بأقل من الاستقلال الكامل. الذي تحقق له بالفعل بحلول 1956، بجلاء آخر جندي بريطاني عن أرض مصر. ماذا فعل عبد الناصر بهذا الاستقلال الوطني الكامل خلال فترة لا تتجاوز العشرة أعوام؟ هو خسر سيناء والقناة ومدنها لأطراف العدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) في نفس عام الجلاء، 1956. ثم بعدما استردها له غيره (تدخل الاتحاد السوفيتي وأمريكا)، عاد ليخسرها مجدداً لإسرائيل في 1967. عندئذٍ لم يجد من يتفضل باستعادتها له وكان لابد أن يستردها بنفسه. لذلك رفع شعاره ذائع الصيت: "ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة". هنا يأتي السؤال: أين كانت قوتك، أو أين أهدرتها، حين أُخذ منك ما أنت عازم الآن على استرداده بالقوة؟ ومن أين ستأتي بالقوة التي تسترد بها ما أخذ منك بالقوة؟ أم هو مجرد شعار فارغ من المضمون؟

في المحصلة، الرجل الذي أبى عليه كبريائه وعزة نفسه الوطنية القبول ببضع آلاف من القوات الأجنبية في منطقة القناة بموجب معاهدة الصداقة والتحالف الأنجلو-مصرية، قبل صاغراً بعد 1967 بتواجد عشرات الألوف من قوات الاحتلال الإسرائيلية، ليس في منطقة القناة وشبه جزيرة سيناء فقط لكن فوق كامل الأجواء والبحار المصرية. أكثر من ذلك، ابتلع المر وعزة النفس وسافر سراً إلى الاتحاد السوفيتي ليطلب لبلده حماية ما عاد يستطيع أن يوفرها. هكذا أضيفت إلى الألوف الإسرائيلية المحتلة ألوفاً سوفيتية صديقة. إذا ترجمنا ذلك بلغة الاستقلال والسيادة الوطنية، هل كانت مصر أفضل حالاً في هذه الناحية تحت الحماية البريطانية أم تحت الاحتلال الإسرائيلي والحماية السوفيتية معاً؟ هل ساهم عبد الناصر في الحد من "تبعية" مصر لقوى أجنبية، أم ساهم في تفاقمها أكثر من ذي قبل؟
---

____________________________

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق