كتابات مختارة - اللاغائية واللاقصدية واللامعنى في الوجود

مختارات صلاح 
21-6-2026

 اللاغائية واللاقصدية واللامعنى في الوجود

كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي
(Kamal Ghobrial)
   
الحوار المتمدن-  2026 / 4 / 20  
 
هي حقيقة أن الرصد العلمي لكل ماحولنا، يؤكد أن الكون بمختلف مستوياته، يتحرك وفق آليات ميكانيكية وصدفية تفتقر إلى "تصميم مسبق" أو "غاية نهائية".
نستعرض فيما يلي علامات هذه الحقيقة في العوالم الثلاثة:

1. العالم المادي: صرامة القوانين وعشوائية الجسيمات
في الفيزياء الكلاسيكية والحديثة، يظهر العالم المادي كآلة ضخمة تعمل وفق معادلات رياضية لا تعبأ بالنتائج.
• الإنتروبيا (القانون الثاني للديناميكا الحرارية): تشير زيادة الفوضى بمرور الزمن إلى أن الكون يتجه نحو "الموت الحراري". هذا المسار لا يعكس "بناءً" لغاية، بل هو تشتت طاقة حتمي ينهي أي هيكل منظم، مما يوحي بغياب القصد الاستمراري.
• ميكانيكا الكم واللاحتمية: على المستوى تحت الذري، تسود العشوائية والاحتمالات. حركة الجسيمات لا تتبع خطة مرسومة، بل تخضع لتقلبات كمومية تفتقر إلى أي معنى غائي، حيث لا يمكن التنبؤ بمسار جسيم منفرد بشكل قطعي.

2. عالم الأجرام: الصمت الكوني والاتساع العبثي
عند النظر إلى الفضاء السحيق، تبرز علامات اللاغائية في طبيعة الأجرام السماوية وتوزيعها.
• الاصطدامات العشوائية: الثقوب السوداء تبتلع المجرات، والنجوم تنفجر عشوائياً (السوبرنوفا)، والكويكبات تضرب الكواكب دون تمييز.
هذه الأحداث المدمرة تحدث بناءً على الجاذبية العمياء، وليس هناك "درع" يحمي مناطق بعينها لغاية معينة.
• ضخامة الفراغ: يبدو الكون واسعاً بشكل لا يتناسب مع وجود الإنسان أو أي غرض مدرك. المليارات من المجرات الخالية تماماً من الحياة تطرح تساؤلاً حول "الجدوى" أو "المعنى" من وجود كل هذه المادة الصامتة والميتة.

3. العالم البيولوجي: صراع البقاء وغياب التصميم الذكي
رغم التعقيد الظاهري، من الواضح أن التطور عملية "عمياء" تماماً.
• الانتخاب الطبيعي: تعمل الداروينية من خلال الطفرات العشوائية. الكائنات لا تتطور "لتصبح" أفضل، بل تنجو الصدفة الجينية التي ناسبت البيئة. التطور ليس له "هدف" مستقبلي؛ هو مجرد رد فعل ميكانيكي لضغوط البقاء.
• الأعضاء الضامرة والعيوب التصميمية: وجود أعضاء لا وظيفة لها (مثل الزائدة الدودية أو بقايا عظام الحوض في الحيتان) يشير إلى أن الطبيعة لا تعمل وفق خطة محكمة، بل هي "مرقعة"، تعيد استخدام المتاح من الماضي دون قصدية واعية.
• الانقراض الجماعي: اختفاء 99% من الأنواع التي عاشت على الأرض تاريخياً يعكس غياب أي عناية بالنوع أو حماية للارتقاء البيولوجي، فالحياة تظهر وتختفي نتيجة كوارث طبيعية لا مبالية.
• الكثرة والتنوع غير المبرر والمفتقد لأي معنى للكائنات:
تعد الخنافس (Beetles) المجموعة الأكثر تنوعاً من الكائنات الحية على وجه الأرض، وإليك الأرقام التقديرية لهذا التنوع المذهل:
• الأنواع الموصوفة علمياً: يوجد حوالي 400,000 نوع معروف تم تصنيفه ووصفه من قبل العلماء حتى الآن.
• النسبة من الحشرات: تمثل الخنافس حوالي 40% من جميع أنواع الحشرات المعروفة.
• النسبة من الكائنات الحية: تمثل حوالي 25% من جميع أشكال الحياة الحيوانية المعروفة (أي أن واحداً من كل أربعة حيوانات على الأرض هو خنفساء).
• التقديرات الكلية: يعتقد العلماء أن هناك الملايين من الأنواع التي لم تُكتشف بعد، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن العدد الفعلي قد يتراوح بين 1.5 إلى 2 مليون نوع.

الإنسان في مواجهة "اللامعنى"
تؤدي هذه العلامات إلى استنتاج مفاده أن "المعنى" هو ابتكار بشري محض. فالكون لا يقصد شيئاً، والمادة لا تهدف لشيء، والحياة لا غاية لها وراء البقاء والتكاثر.

في هذا الوجود "اللاغائي"، يجد الإنسان نفسه مطالباً بخلق معناه الخاص، وسط صمت كوني مطبق، مما يحول "اللامعنى" من أزمة إلى حرية وجودية كاملة.

------

____________________________

تعليقات