كتابات مختارة - نجم وزعيم فوق العادة




عنوان المقال :
Paul Bocuse وأبو علي الفوال
الكاتب : غسان صابور  - فرنسي  سوري الأصل -
التاريخ 22-1-2018 بموقع الحوار المتمدن
( الصور .. من إختيارات ادارة المددونة , منقولة من الانترنت )

مات بمدينة ليون الفرنسية بنهاية الأسبوع الماضي Paul Bocuse ملك المطبخ الفرنسي, عن عمر يناهز 92 عاما. ناشرا سيادة المطبخ الليوني والفرنسي بعديد من عواصم العالم.. كأي مكتشف أو عالم جامعي مشهور... ومطعمه المشهور بإحدى الضواحي الليونية.. يجب الحجز قبل سنة على الأقل لتحصل على طاولة.. وهذا المكان ملتقى كبار حكام العالم وفنانيه وكتابه وممثليه... لذلك استقبلت الصحافة الفرنسية وكبرى وسائل الإعلام الأوروبية والعالمية نبأ وفاته.. مثل وفاة رئيس دولة ذي شهرة ومكاسب إنسانية عالمية... مدرسته الفندقية التي تحمل اسمه, والتي تخرج طباخين عالميين شهرتهم تفوق شهرة العلماء والفنانين...Paul Bocuse استقبل وصادق أشهر مشاهير العالم... لهذا كان نبأ وفاته عالميا...
لدى قراءتي لنبأ وفاة هذا الإنسان, ومشاركة مشاهير العالم برثائه ومدحه شخصيا... أتذكر جاري باللاذقية "أبو على الفوال" بياع الفول والحمص.. وكان صحن الفول أو صحن الحمص بربع ليرة سورية.. ورغم براعة أبو على بمهنته آنذاك وبساطة معيشته.. من ربع ليرة بعد ربع ليرة.. كان عازبا.. لأن مهنته لم تؤهل له امرأة ترضى بـه... وكانت مهن الأكل آنذاك كاللحام أو بائع السمك.. غير سهلة أو مقبولة بشروط الزواج... بينما السيد Paul Bocuse تزوج ثلاث مرات من سيدات شهيرات.. وأولاده وأحفاده يديرون اسم والدهم وجدهم كمؤسسة عالمية...


لذلك اخترت الحياة هنا... بعدما عشت ثلث حياتي هناك... ورغم العديد من الصعوبات والتناقضات هنا... لا أغير ولا أستبدل مدينة ليون لقاء الجنة... لأن غالب صعوباتها تترك لك طاقة حتى تجد لها حلا معقولا.. وغالب تناقضاتها تصبح مقبولة معقولة.. عندما تعتاد وتفهم أسبابها وتاريخها... ومطبخ Paul Bocuse زوج (بشد الواو) اللذة والنكهة مع الذوق والرفاه.. كما المطبخ الليوني وأطعمته العديدة الملونة..كما يمكنك أن تطبخ بأورويات معدودة بلذة وشهية.. كما يمكنك أن تجد طيلة أيام السنة جميع وأغلى المواد الرئيسية التي تخدم الموائد التي تستقطب السائح العادي.. والملياردير العالمي... مما أعطى شهرة عالمية لمدينة ليون... كشهرة المعلم الراحل Paul Bocuse...
ولكنني أتذكر دوما "أبو علي الفوال" بمدينة اللاذقية السورية... رغم انتشار الفول والحمص بمعلبات كونسروة.. من المعامل التركية والأردنية والسورية التي ملات الأسواق الأوروبية.. والتي تضع لك على منتجاتها ما ترغب من التسميات الوطنية التي تحمل ما يرغب المستهلك من منشأ.. وما يثير بعواطفك وذوقك الطعامي كل صور الحنين التي تحرك ملايين وملايين المشرقيين الموجودين في أوروبا... من لاجئين أو عاملين أو تجار أو صناعيين أو عاطلين عن العمل... والتي لم تتغير عاداتهم الذوقية والطعامية.. رغم مرور سنة.. أو عشرة سنين.. أو أكثر وأكثر..حسب أسباب مغادراتهم لبلدان مولدهم.. بهذا المشرق المتعب الممزق المتعب... مئات ومئات من هؤلاء المشرقيين نجحوا تجاراتهم.. وخلقوا مئات ومئات من المطاعم المعروفة ببعض العواصم الأوروبية... ولكن ولا أحد منهم حصل على جزء بسيط من شهرة... ولا صيت مدرسة...ولكن المواطن المشرقي يجد هنا بالمخازن الشرقية التي بدأت تتزاحم وتغذي السوق بكل ما يحتاجه المطبخ أو الحلويات المشرقية من مواد رئيسية... 
ولكن تساؤلي اليوم بهذه السنة الجديدة.. بعد أن غادرنا سنوات من المرارة وسياسات الدجل والكذب والفساد السياسي والأخلاقي والتربوي... هل يوجد بكل بلداننا العربية.. أو بأية بلد لجأنا إليها طباخ أو سياسي أو مخترع أو كاتب عالمي... خلال الخمسين سنة أخيرة.. دون الرجوع إلى الخمسة عشر قرن الماضية.. والتي لم تجلب للعالم سوى الهلوسات الدينية والسيف وقطع الأعناق وتكفير الآخر... من كل السنوات التي عشتها.. لا أتذكر سوى "أبو علي الفوال" وطيبه وإنسانيته وبساطته... بينما هنا تتحضر السلطات الفرنسية وقمتها.. للمشاركة بجنازة Paul Bocuse مع كبرى الشخصيات السياسية من كافة الأحزاب والفنانين والإعلاميين.. وعائلته وأولاده وبالطبع مئات ومئات من الطباخين الفرنسيين والأجانب حتى من اليابان والصين الذين تخرجوا من مدرسته الليونية.. وأصبحوا من مشاهير العالم...
************

حــلــب السورية.. تراثها ومطبخها...
قرأت قبل سنوات الحرب السبعة المقيتة التعيسة الماضية.. بجريدة لم أعد أتذكر اسمها.. أن مدينة حلب ومطبخها وتراثها مهيأة لتسجيلها يتراث العالم.. ومن ثم لا شيء... سجلت؟... أم لم تسجل؟؟؟... على كل الأحوال بما تبقى منها اليوم.. وتهجير أكثر من ثلاثة أرباع أهاليها.. وتفجير تراثها الحلبي.. بما فيهم طباخوها ومطربوها وكافة فنانيها... سوف تسجل بأي تراث.. سوى تراث الذكريات التي أترك تحديدها وتسميتها لبعض القارئات والقراء من هـــنـــا و هـــنـــاك...

------

تعليقات