كتابات مختارة - بوصلة التنوير العدمي


بوصلة التنوير العدمي
فاتن نور

الحوار المتمدن  2018 / 1 / 26
 وفي جميع الأحوال، ليس من العقل ترقيع مبادئ التنوير أو قصقصتها وفق مساحة الحرية المتاحة، وليس من العقل تسقيطها في الأفق الذي تناهضه مراعاة لسلطة دينية أو سياسية، فالعقل يبقى هو المصدر الوحيد للمعرفة الصحيحة، ولا ينبغي للمصلح التنويري أن يشرك به أو يناهض هذه الحقيقة، وإلاّ سقطت صفته كمصلح. ويعيبه تحصين ما يسمى بالثوابت والمسلمات وتفادي اخصاعها لمنهج الشك والنقد، لأنه المنهج الأساس للتنوير الذي يقتحم كل شيء دونما استثناء لانتزاع قيمة.

(أو التنوير اللاخلّاق)

هل فكرة الإله بما أنتجته من فلسفات ونواميس وعصبيات فكرية، قادرة على قيادة مجتمع معاصر؟
تخبط العقل العربي، فشلت مشاريعه التنموية والاصلاحية، وعجز عن تكوين رؤية مستقبلية شاملة تنتشله من حضيضه الحضاري…لماذا؟
ثمة عوامل كثيرة ربما أهمها، لأنه عقل ماضوي، استعلائي تسوقه العاطفة. وهو أسير مرحلة تاريخية أسدل عليها ستار القداسة. وسوّاها بالتقادم الزمني هرماً ضخماً من التابوهات المعقدة وسماه علماً، يسحق من يرتطم به أو يزجّه في غياهب السجون.
وإذا كان لابد لأي مشروعٍ اصلاحي أن ينطلق من ثقافة ما، فأن الفشل سيكون حليف المصلح حتماً إذا باشر مشروعه الاصلاحي قبل أن يصلح عقله هو، وينتشله من قيعان الماضوية والتقديس ليكون بوصلة له قبل أن يكون بوصلة لغيره. فلا بوصلة سوى العقل ولا أمام سواه مثلما قال -صاحبنا الجليل- أبو العلاء المعري.

وبعد، عن ماذا نبحث؟ هل "تجديد الخطاب الديني" مقولة بريئة؟ هل تهدف للتنوير أم تستهدفه ضمناً؟
ما الفرق بين تقديس قرنٍ من الزمان أو ثلاثة قرون. بين تقديس جيلٍ من البشر أو ستة أجيال أو تسعة؟
ما الفرق بين تقديس فرد أو جماعة، وهل العلة هي بطول المرحلة المزمع تقديسها وعدد المعصومين أم في مبدأ التقديس ذاته وطامة العصمة ذاتها؟
وهل التنوير يبدأ بتقديس الثوابت والبشر، هل يبدأ باخضاع العقل لسلطة الوحي أم بنقد الميتافيزيقيا أو تهميشها؟
إلى أين تشير بوصلة التنوير المزعوم في جغرافيا العرب، وهي تحاول جهداً تدجين الشيء بنقيضه، وفرض الثابت على المتحول والمجهول على المعلوم والبدائي على المعاصر؟
ربما محاولات كهذه مفروضة بحد السيف وقوانين الازدراء، ولا تمثل قناعات أصحابها بالضرورة، لكن وفي جميع الأحوال، ليس من العقل ترقيع مبادئ التنوير أو قصقصتها وفق مساحة الحرية المتاحة، وليس من العقل تسقيطها في الأفق الذي تناهضه مراعاة لسلطة دينية أو سياسية، فالعقل يبقى هو المصدر الوحيد للمعرفة الصحيحة، ولا ينبغي للمصلح التنويري أن يشرك به أو يناهض هذه الحقيقة، وإلاّ سقطت صفته كمصلح. ويعيبه تحصين ما يسمى بالثوابت والمسلمات وتفادي اخصاعها لمنهج الشك والنقد، لأنه المنهج الأساس للتنوير الذي يقتحم كل شيء دونما استثناء لانتزاع قيمة.

أن فلسفة هذا النمط من التنوير، والمقصود التنوير الرجعي بأثر المطلق والمقدس، أجدها ترتكز على محاكاة العدميّة اللاخلّاقة التي مازال يعيشها العالم الإسلامي-العربي، وتعتكز على المحاباة الثقافية وتأصيل فكرة الإله.
وهي فكرة تخلّقت بها ومن خلالها، أخلاقيات العبيد (أو القطيع) الموسومة بالانصياع والخضوع والثبات على موت الإرادة.
وهي الفكرة ذاتها، أي فكرة الإله، التي أعلن نيتشة عن موتها معبراً عنها بمقولته الشهيرة "موت الإله" ومبشراً بظهور الإنسان المتفوق أو السوبرمان الذي ينتصر لإرادته، وينتزع فلسفة الكون والحياة من سلطة الوعي الغيبي المطلق لصالح سلطة الوعي العقلي النسبي، أو من سلطة السماء إلى سلطة الأرض ومن سلطة الوهم إلى سلطة الواقع.

وربما سؤال المحك الفلسفي -الذي سأستغرق فيه بعض الوقت- هو؛ من قمقم العدميّة اللاخلّاقة، هل يمكن الخروج بعدميّة خلّاقة بموت فكرة الإله على غرار النموذح الأوربي في عصر النهضة؟ وباعتبار العدميّة اللاخلّاقة هي الإعداد الإفتراضي لسنة الكون في نزوعه إلى الفوضى- وهذا ما يدعمه قانون الثرموديناميكا الثاني للمطلع على هكذا مجال- وهي التي دفعت الإنسان في مرحلة طفولته العقلية السحيقة، إلى إنتاج فكرة الإله وتصديقها للتهرّب من وطأتها. ومن الجدير بالذكر، أن موت الإله لا يعني موته في الضمير الجمعي بالضرورة؛ بقدرما يعني موت فكرة الإله في العقل القيادي الذي يسوس الجماعة ويشرّع قوانينها ويصوغ دساتيرها، والعقل المضطلع بالاصلاح والتنوير. وهذا ما يهمنا في هذا المقام والمرحلة.

أن من يعيش العدميّة اللّاخلاقة لا يدري غالباً أنه يعيشها، فهو لا يدركها طالما هو راضٍ بفكرة الإله ومتصالح مع عبوديته للمطلق ومطمئن لعدالته الآخروية، بل ويلجأ إلى تبرير ما يتداعى عن عدميّته اللاخلّاقة وما تخلفه من جهلٍ وركودٍ حضاري، وتقهقرٍ قيمي ومفاهيمي، ويقرنها بمسببات شتى لا تربط المعلول بعلته، وهنا تكمن المعضلة.

ولأنه غير واعٍ لعدميّته ولا يدرك أنه يعيشها، سيجتاحه اليأس والفراغ لا محالة، ويعذبه الشعور باللامعنى واللاهدف بموت فكرة الإله. لأن عدميّته اللاخلّاقة التي كانت مستترة بفكرة الإله ومضببّة بفنتازيا الفكر الغيبي الغزير، ستنتقل بموت فكرة الإله، أو الرجوع عنها وانهيار صرحها الفنتازي وانقشاع غشاوته؛ من منطقة اللاشعور الى منطقة الشعور. أي تعود إلى الواجهة مثل ما كانت عليه قبل انتاجها لفكرة الإله، مع فارق البعد الزمني والتراكم المعرفي المهوول الذي يفصل بين المرحلتين، مرحلة طفولة الجنس البشري المنتجة للفكرة، ومرحلة نضجه المتطور المنتجة لموتها.
وهذا الانتقال من عدميّة لاخلّاقة غير محسوسة، إلى عدميّة لاخلّاقة محسوسة؛ هو شرارة التغيير الجذري؛ تغيير العقل أولاً، تغيير موقفه من مسألة المعرفة، وموقفه إتجاه المناهج التي يستخدمها للتوصل إلى معارف ملموسة,والتمكن من فرزها قيميّا.

يحدث هذا من خلال الصراع الوجودي مع الذات، من أجل البحث عن معنىً بديل. ومع ضراوة الصراع؛ سيدرك الفرد والمجتمع مدى ضرورة توظيف طاقاته العقلية وملكاته الوجدانية في رحم الواقع وخضمه؛ للخروج من حالة اليأس وفوضى اللامعنى، لنحت معنى جديد لا يعلق هذه المرة بوهم الإله الحاجب للرؤية ولا يستحضر فكرته، وانتاج قيمة ديناميكية لدنياه تنتظم بها حياته وتركن لها النفوس. هكذا تنبثق وتتجلى العدميّة الخلّاقة من آتون العدميّة اللاخلّاقة بموت فكرة الإله أو تهميشها. وبهذا الانبثاق والتجلي يولد الإنسان المؤنسن لنفسه، المنظّر لوجوده دون موازين غيبيّة أو قيود، والناحت لقيمته على أرض الواقع بقوة العلم والمعرفة العقلانية.
والرجوع عن فكرة الإله أحسبها فضيلة، مع أنها ليست فكرة خاطئة لو آخذنا بنظر الاعتبار المرحلة التي أنتجتها، مرحلة طفولة العقل البشري السحيقة كما أسلفنا؛ أما أن يرتضع منها وقد بلغ سن الرشد أو هكذا فهذا مخيّب.

عود إلى بدء؛ أن العملية التنويرية التي تنطلق من قواعد ميتافيزيقية، ومهما كانت ذات مقاصد طيبة غرضها خدمة الصالح العام والتوعية المجتمعية، عن طريق تقنين مساحة الصنميّة في التراث، وغربلة العقول "المطلقة أو المعصومة" وحصرها عددياً بمساحة زمنية أضيق؛ لا جدوى منها حقيقة بل ضرر. لأنها قواعد تؤصّل الوهم والخرافة، وتسخّر العقل لإنتاج المزيد من الفلسفات العقيمة التي تقرع طبول عبودية الإنسان للإنسان باسم المطلق، تستنزفه لخدمة الوحي لا الواقع، وتقوده للتفاعل مع أسس لا منطقية وعلوم لا أكاديمية، تقيّده بسقف منخفض للاجترار المعرفي، وتفرض عليه الغوص في نصوص تراثية جامدة لمعالجة واقع متحول؛ كل هذه الأمور التي قد يمتد سردها إلى ما لا نهاية، هي التي أوصلت جغرافيا العرب إلى ما هي عليه من بؤس حضاري وتشرذم.
وثمة ضرر كبير قد يتداعى عن التنوير الرجعي المحكوم بالمطلق والمقدس؛ يتمثل في تأصيل حصانة المقدس في العقل الجمعي فلا يطاله النقد، والمساهمة في تجفيف منابع الشك التي لابد لها أن تتدفق وتتعالى باضطراد بين طبقات المجتمع، لأنها الرافد الأساس لبلورة العقل التنويري وشحذ مهاراته في مسألة المعرفة، والمحرك القيمي للنهضة والتغيير في أي مجتمع. ربما مساحة الفراغ الفكري قد اتسعت، حتى أصبح دعاة التنوير حلفاء للغيب وإلوهية البشر من حيث يدرون أو لا يدرون. واختم بتغريدتين لي على الفيسبوك:
-لا شيء يستحق التقديس، ولكن إذا كان لابد منه لإرضاء حالة نفسية ما؛ فتعالوا نقدّس ذلك الجيش المسلح بجبروته الفكري، الذي يستطيع تحرير كل هذه العقول المكبّلة بسلاسل التاريخ "المقدس"

-أن أشجع الناس وأعظمهم شأناً؛ هم أولئك الفدائيون الذين تطوعوا للارتطام بدوغما المجتمع، واختراق جدارها الفولاذي ببوصلات عقولهم المتحررة؛ من أجل إنقاذ الوعي من سلطة الغيب، وصناعة التغيير الجذري.

فاتن نور
01, 25, 2018 

=============

تعليقات