مختارات صلاح الدين محسن
6-11-2026
للاستماع .. وأسفل - للقراءة :
https://www.youtube.com/watch?v=LhAP1H7sU_Y
إعداد وتقديم: إبراهيم الجارحي
لم تكن مصر مجرد أرض بعيدة عن ميادين الحرب العالمية الثانية التي اندلعت سنة 1939 بل كانت واحدة من أهم المواقع الاستراتيجية في الصراع بين الحلفاء ودول المحور فقد جعلتها قناة السويس وموانئها وموقعها الجغرافي قاعدة حيوية للعمليات العسكرية البريطانية في الشرق الأوسط وأدرك أدولف هتلر وبنيتو موسوليني أن السيطرة عليها قد تقوض النفوذ البريطاني في المنطقة بأكملها وكانت مصر آنذاك مملكة يحكمها الملك فاروق الأول وتخضع لنفوذ بريطاني واسع بمقتضى معاهدة 1936 التي وقعها مصطفى النحاس باشا ورغم محاولة حكومة علي ماهر باشا تجنب دخول الحرب فقد تحولت البلاد إلى قاعدة عسكرية ضخمة تستقبل قوات الإمبراطورية البريطانية وإمداداتها
بدأ الخطر المباشر في سبتمبر 1940 عندما تقدمت القوات الإيطالية من ليبيا بقيادة رودولفو غراتسياني حتى وصلت إلى سيدي براني لكن الجنرال أرشيبالد ويفل أشرف على هجوم مضاد نفذه ريتشارد أوكونور وأجبر الإيطاليين على التراجع فتدخل هتلر وأرسل الفيلق الأفريقي بقيادة إرفين رومل الذي أعاد تشكيل موازين القوى في الصحراء الغربية وتقدم حتى بلغ العلمين في صيف 1942 وهناك تمكن كلود أوكنلك من إيقاف قوات المحور قبل أن يتولى برنارد مونتغمري قيادة الجيش الثامن البريطاني تحت القيادة العليا لهارولد ألكسندر ويحقق انتصاره الحاسم في معركة العلمين الثانية خلال أكتوبر ونوفمبر 1942 لينتهي التهديد المباشر لقناة السويس وتبدأ مرحلة انحسار قوات المحور عن شمال أفريقيا
أما الجيش المصري فقد اقتصر دوره في معظم سنوات الحرب على حماية المنشآت والمرافق وتأمين المواقع الاستراتيجية وأداء المهام المساندة بينما تولت القوات البريطانية وقوات الكومنولث المعارك الرئيسية في الصحراء غير أن مساهمة مصر تجاوزت المؤسسة العسكرية فقد عمل عشرات الآلاف من المصريين في الموانئ والورش العسكرية والسكك الحديدية ومشروعات الإنشاءات وخدمات الإمداد وتحولت القاهرة والإسكندرية ومنطقة القناة إلى مراكز هائلة للنشاط الحربي وازدهرت بعض الصناعات المحلية في مقابل ارتفاع الأسعار ونقص السلع والضغط على الموارد الزراعية وتعرضت المدن المصرية للقصف الجوي الذي أوقع ضحايا بين المدنيين
وفي قلب هذه الحرب شهدت مصر واحدة من أخطر أزماتها السياسية عندما حاصرت القوات البريطانية قصر عابدين في الرابع من فبراير 1942 وفرض السفير البريطاني مايلز لامبسون على الملك فاروق تكليف مصطفى النحاس باشا بتشكيل الحكومة مهددا إياه بالتنازل عن العرش وقد كشفت الواقعة هشاشة الاستقلال المصري وأثارت غضبا وطنيا واسعا وفي الوقت نفسه انقسم المصريون بين من اعتبر انتصار الحلفاء ضرورة لمواجهة النازية والفاشية ومن تصور أن هزيمة بريطانيا قد تفتح الطريق للاستقلال وكان أنور السادات من الضباط الذين تورطوا في اتصالات ومحاولات تعاون مع الألمان ضد البريطانيين قبل أن يتعرض للاعتقال
ومع تراجع الخطر العسكري أصبحت القاهرة مركزا للدبلوماسية العالمية ففي نوفمبر 1943 استضافت مؤتمر القاهرة الذي جمع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل والزعيم الصيني تشيانغ كاي شيك لمناقشة الحرب ضد اليابان ومستقبل آسيا ثم شهدت القاهرة اجتماعات أخرى شارك في بعضها الرئيس التركي عصمت إينونو لبحث احتمال دخول تركيا الحرب وكانت المفارقة أن قادة العالم اجتمعوا على أرض مصر لرسم ملامح النظام الدولي الجديد بينما غابت الحكومة المصرية عن صناعة القرارات الكبرى
ومع اقتراب نهاية الحرب اتجهت مصر إلى المشاركة الرسمية في صفوف الحلفاء فأعلن رئيس الوزراء أحمد ماهر باشا الحرب على ألمانيا واليابان في الرابع والعشرين من فبراير 1945 لكنه اغتيل داخل البرلمان عقب إعلان القرار وخلفه محمود فهمي النقراشي باشا في مرحلة شهدت انضمام مصر إلى الدول المؤسسة للأمم المتحدة وقيام جامعة الدول العربية في القاهرة
خرجت مصر من الحرب العالمية الثانية وقد أدت دورا بالغ الأهمية في المجهود العسكري والاقتصادي للحلفاء واستضافت فوق أراضيها واحدة من المعارك الحاسمة في تاريخ الحرب لكنها خرجت أيضا أكثر إدراكا للتناقض بين أهميتها الاستراتيجية وحدود استقلالها السياسي فقد كشفت الحرب قوة الموقع المصري وهشاشة السيادة الوطنية في الوقت نفسه وأسهمت في تصاعد المطالبة بجلاء القوات البريطانية وإعادة بناء الجيش والدولة وهي المطالب التي ستصبح من أبرز محركات التحولات السياسية الكبرى في السنوات التالية
إعداد وتقديم: إبراهيم الجارحي
___________________________
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق