وداعا .. سيدة " ميلا " المرأة المثقفة - جارتي الطيبة / الكندية -الأوروبية الأصل / تشيك-سلوفاكيا . يوم حزين بالنسبة لي .تلقيت خبر محزن , جاءني من ابنها : انها في أيامها الاخيرة في الحياة , غادرت شقتها السكنية , بلا عودة ( تلك الحياة الزائلة القاسية )
الكاتب : صلاح الدين محسن
25-2-2025
وداعا... للسيدة "ميلا " المرأة المثقفة النبيلة , و جارتي الطيبة . الكندية - ذات الأصول الأوروبية ( التشيك-سلوفاكية ) .
Mila ( Miloslav )
يوم حزين بالنسبة لي . تلقيت خبرا مؤسفاً , من ابنها : معناه .. إنها قد صارت في أيامها الأخيرة من الحياة. غادرت شقتها السكنية بلا عودة ( تلك الحياة القاسية الغادرة )
زهرة بنفسج ذبلت وجفت وسقطت من فوق غصنها ..
شعرت بطعنة في قلبي ,عندما قال لي , ولدها - مستر توني - :
قريبا .. قد تجد جارا جديدا لك ( يسكن الشقة المقابلة لشقتي بدلا عنها .. ! )
بعدما تعودت طوال 16 سنة , علي رؤية السيدة "ميلا " , وعلي سماع صوتها وهي تتحدث وتضحك مع الجارات الأخريات في الممر الطويل - ما بين مساكننا - ... وعلي رؤية ابتساماتها التي لم تكن تغيب الا نادراً .. .. وتدعوني لشقتها أو ادعوها لشقتي . نتبادل الحديث والمجاملات ..
كم هي الحياة قاسية جداً
قدوم جار جديد بديلا عنها = صدمة لي . جعلتني أفضل الانتقال لشقة أخري ولطابق آخر .. لكي لا أري بديلا ل " ميلا " يسكن شقتها .. !! وأراه يدخل ويخرج . دون سماع صوت " ميلا ". بحيويتها , وضحكتها . وإطلالاتها البهيجة ..
----
يوم 15-3 الجاري 2025 . كان من أسوأ الأيام في حياتي .. فقد جاء من نزحوا كل ما في شقتها -المقابلة لشقتي مباشرة - وجعلوها علي البلاط , فارغة تماماً . تمهيداً لتسليمها لساكن جديد ..
مما جعلني أشعر أن شقة " ميلاً " قد صارت خراب . صارت قبراً . الموجود امام شقتي الآن قبر صامت , بدون " ميلا " , وليست شقة سكنية ..
صدمة لن أنساها ..
ذكرتني بقول ابنة الفنان الموسيقي والمطرب " سيد مكاوي " - أحد من لحنوا لأم كلثوم . وكانت حريصة علي الغناء من ألحانه .. قالت عنه ابنته الصغري - بعد وفاته - في حديث تليفزيوني - منشور باليوتيوب - اجراه معها الاعلامي والفنان سمير صبري . ان والدها :
عندما مات الشاعر صلاح جاهين ... قد تغير تماما.... !
وكررتها / تغير تماما ... ! بطريقة معناها : قد صار مذهولاً أمام الحياة . ذهولاً لم يفق منه حتي الممات.
( صلاح جاهين , هو مؤلف أهم أعمال سيد مكاوي " أوبريت الليلة الكبيرة " . الذي حصل عنه , علي جائزة اليونسكو.. وهو الذي لم يدخل مدارس ولم يتلقي تعليماً .. ! )
هكذا أشعر ان موت جارتي الصديقة " ميلا " قد هزني بشدة ( زلزلني ) . وأحدثت بداخلي تصدعاً ..
______
طوال 20 سنة - من وجودي في كندا , عرفت الكثيرات والكثيرين ..
الوحيدة من بين كل هؤلاء مدام " ميلا " , التي أغلب لقاءاتنا - خارج - أوبداخل - المبني الذي لكل منا وحدة سكنية فيه - كانت تدعوني لأرقي الأماكن الثقاقية ..
فهي التي عرفتني علي صرح فني ضخم - له فرعان متقابلان من المباني الكبيرة . أحدهما كلاسيكي عريق . والآخر مبني مودرن . من عدة طوابق , في شارع كبير شهير . من شوارع مونتريال - شارع شيربروك - . انه متحف الفنون الجميلة .. الذي شجعتني علي الحصول علي عضويته .. و حضرنا فيه معاً , العديد من مشاهدات معارض فنية لفنانين عالميين . وحفلات فنية موسيقية راقية . وأفلام , ومعارض للآثار ولاسيما - الفرعونية / المصرية القديمة. وفي كل مرة كنا نتناول معا وجبة خفيفة من الفطائر أو الحلوي + مشروب - غالبا : القهوة , أو هوت شيكوليت - كاكاو ساخن - .........
وعرفتني علي عدد من المتاحف الهامة الأخري . منها متحف تاريخي عن مونتريال , ومتحف التاريخ الطبيعي ..
وكذلك عرفتني علي البوتينك جاردن - حديقة النباتات - تضم مجموعة حدائق دولية - تحتاج لعدة زيارات لأجل الاحاطة بها ..
نظرا لاتساع الحديقة جداً . يوجد بها طفطف - مجاني - لمن يرغبون , ولمن لا يتحملون المشي لوقت طويل في الحديقة البالغة الاتساع .
وبالفعل زرناها معا عدة مرات .
وجارتي " ميلا " تحب المشي . لذا كنا نتجول معا مشياً . المشي ممتع أكثر من ركوب الطفطف . ويعطينا فرصة اطول لتأمل جماليات ما بالحديقة - وحدائقها الدولية , الواقعة بداخلها - .
كما زرنا معا "كازينو موريال / مونتريال . كما تنطق بالفرنسية : موغيال ك غ بدلا كمن حرف : آر " أكثر من مرة .. وهو صرح ضخم - للعب القمار . ومن لا يحب القمار , يحتاج للذهاب للنزهة والفرجة الرائعة والمجانية ! . حتي الباص - الأتوبيس - الذي يصل للكازينو - مجاني - رغم تبعيته لهيئة النقل العام ..!
زرت نفس الكازينو مرتين أخريين مع صديقة وقرييبتها .. ومع أحد معارفي - قاريء معجب سابق -
ولكن مع الجارة الحبيبة " ميلا " كنا لا نكتفي بالزيارة والفرجة علي الكازينو . بل تجولنا كثيرا في الغابات الرائعة القريبة منه . فهي - كما حالي - تحب المشي ..
واصطحبتني لعدد من الاحتفالات العامة في الميادين والهواء الطلق - منها الاحتفال العام بيوم كندا ( العيد القومي لكندا ) بوسط المدينة ( down town )
في ذاك اليوم , اشارت لي الي جانب بعيد من الشارع الواسع جداً وقالت لي انظر ..
انظر لهذا الجمال ..
نظرن فوجدت مجموهة بنات حسناوات أعمار من 12 : 14 سنة . بنات أجمل بكثير من الزهور والورود .. ! وقد زيِّنَّ رؤوسهن - فوق الشعر , بورود وزهور .. تثير الدهشة لأن أمام جمالهن تتواري أمامه كل الزهور والورود ..
وقالت لي " ميلا " / مارأيك في هذا الجمال .. ؟
قلت لها : جمالهن أكثر جمالا من الجمال نفسه ..
ضحكت "ميلا " وقالت : انهن أوكرانيات .. فمثل ذاك الجمال لن تجده إلا في أوكرانيا .. ( كان ذاك في حوالي عام 2010 أو 2011 / قبل حرب روسيا علي أوكراانيا )
ثم قالت لي ,, أكيد تلك البنات أوكرانيات .. أريد التحدث معهن .. ما رأيك .. ؟
قلت لا بأس .. ( أعرف أن بلد ميلا - الأصلي . تشيكوسلوفاكيا - انقسمت فيما بعد الي دولتين .. )
, وبلاد تلك الفتيات - أوكرانيا - , ضمن الدول التي تبعت الاتحاد السوفييتي و شعوبها كلها تجيد اللغة الروسية )
بالفعل .. تكلَّمت " ميلا" مع الفتيات , سألتهن عن بلدهن الأم .. ثم نظرت اليّ وقالت : ألم أقل لك انهن من المؤكد أوكرانيات .. ؟
كان الحديث بينها وبين الفتيات سلسا لطيفا ضاحكا .. بطلاقة كما لو كُن من شعب واحد..
---
وعن السينما
دعتني لمشاهدة أكثر من فيلم . وهي تنتقي الافلام ذات القيمة - إمرأة مثقفة - .
----
أعمال الأوبرات العالمية :
كما أعطتني فيديوهات لأوبرات عالمية . مثل " آنا كارنينا , بحيرة البجع " . و دعتني عندها , لمشاهدة العديد من الافلام العالمية : نابوليون بونابرت , والملكة اليزابيث الاولي . وغير ذلك .
-----
لوحة لرسام تحمل صورتي :
- بعد زيارة أحد المتاحف - اثناء جولة - ونزهة - لنا معاً في وسط المدينة " مونتريال " - ما يسمونه :
Down town
ساحة فيها عدد من الرسامين المحترفين - طلبت " ميلا " من أحدهم
أثناء جولة لنا هناك .. أن يرسم صورة لي :
كان ذلك كما هو مكتوب أسفل الصورة التالية - عام 2009 - وقتها كان عمري 61 سنة وبضعة شهور :
ودفعت هي ثمنها للرسام - (40 دولارا كنديا - مبلغ لم يكن بالقليل وقتذاك - بالنسبة لمستوي مدخولات كل منا ) ولم تقبل حتي أن أشاركها في المبلغ , قائلة ان الصورة كانت اقتراحها ورغبتها دون طلب مني . .
بعدما تأملت الصورة . لم تكن راضية عنها بما فيه الكفاية - وقالت للرسام :
" بل انه اجمل مما رسمته " ... 😃
-- ----
خروجنا معا للنزهة أولزيارة مكان ثقافي لم يكن قاصرا علي أيام الصيف . لو انتظر أهل كندا , قدوم الصيف ليخرجوا للنزهات , لما خرجوا ,, بل الخروج لا يتوقف حتي في أيام الثلج ودرجة البرودة تحت الصفر بكثير من الدرجات .
كانت مشكلتي - عندما نخرج من متحف الفنون الجميلة - في فصل الشتاء , و الجو تحت الصفر - .. انها ترغب في المشي كثيراً .. أغلب المناطق لا أعرفها . و كانت هي قائدة تلك الرحلات .. أظن أننا سنسير قليلاً . فاذا بالمسير يطول ويطول , فأزعق فيها : - أكاد أتجمد ! ( البرودة تحت الصفر ) ! لكونها هي قادمة من أوروبا , و معتادة علي البرودة تحت الصفر , والسير لمدة طويلة .. لكنني مصري - شمال افريقي . وبلادنا حارة . لم نألف الثلج و درجات البرودة الشديدة . أتحمل دقائق معدودة فقط حتي أدلف للمكان الذي قصدناه - كل الأماكن بها تدفئة ( التاكسي , الأوتوبيس . المطعم , الكوفي شوب . و بالطبع كل المنازل ... )
فاذا طال سيرنا بالشارع . كنت أزعق :
.. No no .. it's hard for me . I am On my way to freeze . I cam from a very hot country . I am from Egypt - Africa
----
اصطحبتني ذات مرة - في الصيف - الي برج مونتريال , وشجعتني علي صعوده
يومها قالت لي : اصعد .. وسأنتظرك هنا .. علي مقعد حديقة خضراء أمام البرج , وامام ماء الخليج القادم من المحيط الأطلسي / - البرج بدون أسانسير - من أعلاه أمكنني رؤية المدينة كاملة ... /
-----
منذ جئت الي مونتريال - كندا - ( 20 عاما مضت ) عرفت جيران وجارات , كثيرين , منهم ناطقين بالعربية . وشرق أوسطيين .. وصديقات . و كنديات - من خارج الميني السكني - و في مباني أخري سكنت فيها - منهن : شابة كندية من أصل روسي .
- ..
وصديقة أخري مثقفة جدا عاشت 30 سنة في كندا . قبل مجيئي اليها (وكانت قريبة جدا مني ) - وهي من أصول بالشرق الأوسط - وتتكلم العربية بلهجة بلدها التي افهمها جيداً
كل هؤلاء كانت علاقتنا عندما نخرج سويا أو نتقابل . أغلبها : لقاءات مطاعم وطعام , وكوفي شوب ..
أما جارتي المثقفة الذهبية - السيدة ميلا - فقد كانت تعرِّفني بأهم الأماكن الثقافية الراقية .. فاذا احتجنا للطعام أو الشراب - تناولنا قهوة أو كاكاو ساخن مع وجبة خفيفة / - فهذا ما أفضله - فيكون الطعام والشراب.. علي هامش الزيارات الثقافية ..
لم أعهدها تشرب الخمر أو حتي البيرة - لا في مسكنها ولا في المطاعم ( حيث توجد مطاعم تقدم الخمر , لمن يطلب , وأخري تسمح بأن يحمل الزبون معه زجاجة الخمر التي يفضلها , و يساعدونه علي فتح الزجاجة, ويضعون لافتة السماح للزبون بحمل زجاجة خمره معه - مكتوبة بالفرنسية : portez votre vin )
جارتي الحبيبة " ميلا " - الأوروبية الأصل - لم تعزمني ولا مرة علي الخمر لافي منزلها ولا في المطاعم . ولا سألتني عنها - وهي الأوروبية الاصل والتربية -
لكن التي عزمتني علي الخمر - في شقتها - أكثر من مرة , كانت جارة كندية - مهاجرة من أصل فلسطيني لبناني " ندي " .
صديقتي وجارتي " ميلا " طوال مدة كوننا جيران - 16 عامًا - لم تسألني أبدًا عن ديني.. ولم تخبرني أبدًا عن دينها. لم نتبادل أي محادثة على أي مستوى حول الأديان ..
--
من مذكرات , وجدتها عندي - مكتوبة في ورقة - عن ذكريات لنا معاً :
يوم 23-8--2009 : وجدت اسفل باب شقتي مجموعة قصاصات ورقية من صحيفة " الجازيت " الصادرة من مونتريال بالانجليزية , تحمل أخبارا ثقافية من كندا ومن دول اخري مختلفة . مع خطوط بالقلم - خطتها لي " ميلا ". اسفل بعض السطور
ورقة عن حريق هائل شب في إحدي ضواحي أثينا . لحق بالآثار , وتسبب في فرار الآلاف من السكان.
ورقة تحمل خبرا عن انقراض نوع من الدببة السوداء .
--هذه أخبار تهم المثقفين , قد تزعج الكبار المراهقين الرومانسيين ,, أو لا تليق بأن ترسلها امرأة لجارها الذي تحبه . لكنها سيدة وانسانة مثقفة , وترسل أشياء وأخبار تهمها كانسانة مثقفة . لمن تهمه أيضاً ان يعرفها .
يوم 26-8-2009 : وجدت بأسفل باب شفتي - من الداخل- ورقة , قصاصة من الصفحة الثقافية باحدي الجرائد . عن الراقص الطائر " ماركيان كولونسكي " - من أوكرانيا وهي دولة تحبها صديقتي " ميلا "- ابنة : جمهورية التشكيك - .
يوم 26-8 2009 :
دعتني " ميلا " لمشاهدة فيديو - في شقتها , المقابلة لشقتي . الفيديو عبارة عن عزف لموسيقات من أوبرات متعددات ..
إحدي المعزوفات جعلتني أنهض واتمايل راقصاً . فقامت " ميلا " وأخذت يدي , وراحت تعلمني الرقصة الخاصة بتلك الموسيقي . وبعدها تناولنا الأحضان والقبلات .
مارس - آذار - عام 2011 :
شاهدنا معا , أنا و" ميلا " في إحدي قاعات العرض بداخل متحف الفنون الجميلة - مدينة مونتريال . كندا - فيلما بالانجليزية عن اول امبراطور صيني .. ثم فيلم صيني آخر اسمه " المومياء " .
---
ذكريات أخري كثيرة , موزعة علي مدونات ورقية . ضمن ما كنت أكتبة من مذكراتي . تحتاج لوقت وجهد لاعادة تجميعها علي الكمبيوتر ..
--
الآن لم يعد سوي أن أقول :
وداعاً جارتي الأعز .. الجارة النبيلة والانسانة الذهبية .. والصديقة الحبيبة السيدة : ميلا ..
والي أن القاكِ في عالم الغيب :
جارك المخلص لكِ :
صلاح
------
علي الهامش :
صور بعض الأماكن الثقافية والمزارات الهامة التي زرناها معا - في مونتريال - كندا . ولنا فيها ذكريات :
متحف الفنون الجميلة - المبني الجديد :
والمبني القديم لنفس المتحف : ------
لقطة من البلد الأصلي للسيدة " ميلا " جمهورية التشيك :
-----


.jpg)






.webp)
.webp)

تعليقات
إرسال تعليق