من هنا وهناك - 4

صلاح الدين محسن
16-5-2023
 1 - في مقالنا السابق : كلنا أهل الذمة .. جميعنا أهل الذمة ..  نسيت اضافة واقعة طريفة قديمة كانت هي السبب في التفكير في موضوع المقال قبل كتابته ونشره بأكثر من عشرين سنة . والحكاية : 
اثنان من معارفي المثقفين .. كنا الثلاثة نجلس في مقهي بوسط القاهرة .. في أواخر التسعينيات من القرن الماضي . وربما في منتصف عام 2000. 
انهما شيوعيان رفيقان وسبق اعتقالهما في عهد عبد الناصر ,, وربما في عهد السادات - لا أعرف بالضبط .. واحد من خلفية اسلامية والآخر من خلفية مسيحية - ولكنهما علمانيان عقلانيان .. 
الأول - هو شخص ظريف - أراد مداعبة الثاني - ذو الخلفية المسيحية - فقال له : ازيّك يا ذمّي ..؟
هما رفيقان - كما قلت - . فكدت أضحك . وتوقعت أن الآخر سيضحك لدعابة رفيقه الشيوعي.. ويرد عليه مقتصاً لنفسه بكلمة معارضة معاكسة وظريفة تجعلنا نضحك  ..
لكن عندما نظرت لوجهه وجدته قد اكتسي بعلامات الاحساس بالضِعة والمهانة .. 
في ذاك اليوم , جاءتني فكرة اننا جميعاً ذميون .. ولكن فكرة التعبير عن ذلك .. جاءتني بعدها بسنوات  , كما نشرتها في المقال السابق - كما ذكرنا - ونسيت أن أضع هذه الواقعة .. في المقال . وكان يجب أن تكون في بدايته ..
ولما تداركت , رأيت ذكرها هنا ..
 ------
2 - حكماء أهل الفن - عمر الشريف
بعض أهل الفن عندما أستمع اليهم في لقاءاتهم مع الاعلام , التقط حكمة .. مما أتذكره لعمر الشريف .. في لقاء معه وقد صار كهلاً . عبارة عن جلد يكسو عظام !
سئل عما يخططه للغد - او للمستقبل - فقال انه , في سِنّه ذاك . وهو في خريف العمر - تجاوز ال80 سنة - لا يفكر في الماضي , ولا يفكر في المستقبل
وانما يفكر في اللحظة أو في الساعة التي يعيشها . فربما تكون آخر ساعة في حياته , وربما يكون اليوم هو الأخير في حياته - بما يعني انه فاهم ان عمره الافتراضي قد تم واكتمل .. والخروج للنهار - أي الموت , كما سمّاه الفراعنة - . قد يحدث في أي وقت . وبالتالي يجب علي الانسان ألا يندم علي فرصة ضاعت , ولا يجهد نفسه في البحث عن فرصة تلمع في عينيه .. بل يشغل نفسه بحاضره , بيومه الآني . او كما يقول عمر الخيام , وتغني أم كلثوم :
لا تشغل البال بماضي الزمان  ولا بآتِ العيش قبل الأوان
واغنم من الحاضر لذاته   فليس من طبع الليالي الأمان ..

ربما الاطمئنان والرضا الداخلي لعمر الشريف , كان مرجعه انه حقق ذاته .. ووصل لأقصي ما يحلم به ممثل : العالمية .. له اسم عالمي . وحصل علي جوائز . تزوج سيدة الشاشة فاتن حمامة .. وله منها ابن وأحفاد .. وله ابن غير شرعي من صحفية ايطالية - يشبهه تماماً , أكثر من ابنه الشرعي !- ..
هناك من لم يكن لهم مثل ذاك الحظ .. دون أن يقصروا في شيء .. وهناك من ذاعت شهرتهم وعالميتهم بعدما ماتوا بسنوات كثيرة - وبالصدفة ! - مثل الرسام العالمي " جان فيرمير " .. الذي مات رساماً مغموراً .. لا أحد يهتم بلوحاته - هذا مثال - ويقال ان الشاعر والفيلسوف الفارسي عمر الخيام .. لم يكن معروفاً واكتشفه أحد المستشرقين - بعد مئات السنين ! - , وترجمه للانجليزية . وبعدما قرأه الشاعر  أحمد رامي بالانجليزية , قرر دراسة الفارسية ليترجمه للعربية ( وهناك آخرون ترجموه . لكن ليس بعذوبة ترجمة " رامي "  ) وغنت أم كلثوم رباعيات الخيام - ترجمة رامي لحن السنباطي . فعرفنا وأحببنا عمر الخيام .. بعد مماته بمئات السنين , طوالها كان في طيّ النسيان ! .

في تصوري ان كل فنان أو شاعر أو مقكر - أي مبدع .. أدي ما أراح ضميره .. يكون مطمئناً ويموت مرتاحاً راضياً عن نفسه . بلا سخط ولا تزمر يزعج به نفسه ويزعج من حوله .  لكونه لم يقصر .. 

3 - لأنني في يوليو - تموز - القادم سوف أكمل 75 سنة .. عرفت ان الحكومة تمنح مزايا وتسهيلات وتخفيضات لمن يبلغون هذا السن 
فأفكر قليلاً وأقول : حكومة مَكّارة . تعرف ان من يبلغون هذا العمر .. تكون تحركاتهم أقل . واستهلاكاتهم في كل شيء أقل .. وأغلب انشطتهم في : حجوزات مواعيد عند العيادات الطبية أو المستشفيات , مواعيد عند معامل التحاليل , مواعيد عند عيادات الكشف بالأشعة , ساعات في انتظار التليفون حتي ياتي يرد من اتصل بهم ليعطوه ميعاداً طبياً للاغراض التي ذكرناها ..ساعات انتظار في العيادات الطبية او المستشفيات لحين ياتي الدور . ذهاب الي الصيدلية لاستلام الادوية . أو اتصال تليفوني ليرسلوها له دليفري .. تنظيم وتذكر مواعيد تناول كل دواء . واحيانا ترتبك معه المواعيد !
وكذلك تحديد الأطعمة التي يجب عليه التوقف عن شرائها و التوقف عن تناولها .. والأخري التي يجب أن يحرص علي تناولها ..
ودفع ثمن أدوية لا يغطيها التأمين الصحي ( وكأنه يقول : وأنا مالي بقي , خِفوا عني شوية , كله علي دماغي ؟!  ) .
كل تلك الأشياء سوف تقلل من اهمية ما تمنحه الدولة لكبار السن ممن بلغوا ال 75

ولكن هناك دول لا تعطي شيئاَ .. هنا كل انسان يضطر لتكييف نفسه مع الظروف التي جاءت من حظه . أياً كانت .. يوجد ناس ببلادنا الشرق أوسطية المفقورة  ببركة حكامها . لا يجدون ثمن العلاج . وكذلك يوجد أثرياء فن واثرياء بزنس وأثرياء انفتاح سداح مداح , وأثرياء فساد .. مرضوا وصرفوا كل ما يملكون , وما أفاد العلاج بالداخل وبالخارج . ومنهم من ماتوا تاركين ذويهم فقراء ..
وهنا في مونتريال , قاريء قديم صديق .. يتصل بالتليفون من وقت لآخر .. وفي فضفضة عن همومه الأسرية , قال لي .. ان زوجته مصابة بمرض عضال .. والعلاج طال . والتأمين الصحي لا يتحمل النفقات كاملة بل نسبة منها .. والنسبة التي يتحملها المريض ليست بالهينة .. / في كندا ..! ( أنا أعرف ان التأمين الصحي يتحمل فقط نفقات أدوية الأمراض المزمنة .. وسواها يدفعها المرضي . لكن يبدو ان بعض الأمراض المستعصية نفقات علاجها باهظة , فيضطر التأمين الصحي لاشراك المرضي في تحملها معه ) .
------- هكذا هي الحياة , أحياناً توجد قنوات مهمتها تخفيف أحمالها .. وأحياناً لا توجد .. وأحيانا مهما تجمعت كل الظروف لانتشال الانسان من الغرق .. فانها لاتوفق .  حسب حظ كل انسان في الحياة .. نحن نعمل ونتحرك ليكون نصيبنا أفضل وحظنا أسعد .. وفي النهاية فلتكن النتيجة كما تكون . 
تلك هي الحياة - التي لا يتواني الانسان - بالأبحاث العلمية - عن بذل كل المحاولات لجعلها أيسر وأرحم وأطيب .
-------
____________________________

تعليقات