كتابات مختارة - متاهات التنوير

من مختارات / صلاح الدين محسن
15-4-2024
-------- 

متاهات التنوير


الكاتبة - نجاة تميم / أستاذة الأدب الفرنسي

موقع الحوار المتمدن 19-6-2023

أعد الفيلسوف توماس سيرين كتابه الموسوم "ضعنا في التنوير"، الصادر عام 2019 ببلجيكا، بالتعاون مع الفيلسوف باتريك لوبويك والإمام خالد بن حدو. وهو كتاب يتناول صعوبة الحوار في أوقات الاستقطاب، ودور التنوير في المشهد السياسي الحالي، وإمكانية ممارسة الدين في مجتمع مستنير، والأهمية الحاسمة لنظام التعليم المستنير. فكانت محادثة مهذبة وقيّمة بين ملحد وإمام.

تنوير شخصي
خالد بن حدو من مواليد عام 1988، ابن عامل زائر ترعرع في بلجيكا. إلى جانب دراسته، تلقى دروسا في اللغة العربية وحفظ القرآن في المسجد، آنذاك، على الطريقة الكلاسيكية، كباقي أطفال المهجر. وكتب نصوص القرآن اربع مرات على لوح الخشب باستعمال حبر خاص. وبعد ذلك درس العلوم الدينية على أيدي علماء دين في المهجر. لكن شاءت الظروف أن تغيرت قناعاته بسبب مناقشات مع صديق له درس في مصر. فاتجه إلى الدراسة والتعمق في مصادر الفلاسفة الإسلاميين الكبار، وفي كُتب الفلاسفة الغربيين كفرانسيس باكون، وتوماس هوبس وديكارت وسبينوزا وجون لوك وفيما بعد روسو وهيغل وكارل ماركس. يقول أنه توصل بأنه لا يعرف شيئا. ففِكر وتفْكير هؤلاء المفكرين حول كل شيء كان وحيا بالنسبة له. يعتبر أن مهمة جيله، ذي الخلفية الاسلامية والذي ترعرع في الدول الغربية وعانى من التأكيد على اختلاف الحضارات والاستقطاب ضد الآخر وغير المؤمن، صعبة جدا.
في سن الثامنة عشرة، أصبح بن حدو أصغر إمام فلمنكي في حينه لمسجد "الفتح" بمدينة خِنْتْ. فضلا على أنه ملتزم بمكافحة "التطرف" وسط الشباب المسلم في العالم الغربي. فهو شخصية عامة وصانع رأي. من خلال كتاباته ومقابلاته الإعلامية، يحاول ربط الجسور ومواجهة الاستقطاب في المجتمع. كما أنه يجتهد للتوفيق بين القيم الغربية الخاصة بالتنوير وقيم القرآن. من وجهة نظره، يمكن أن تكون حقوق الإنسان إطارا مرجعيا للإجماع الاجتماعي وأساسا لجميع الأديان.
بعد أن كان بن حدو سلفيا، وقال ذات مرة أمورا في خُطبه لن يعيدها ابداً، أصبح يدعو إلى إسلام العقل. ويعتقد أن المسلم يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استعمال العقل في فهم الإسلام. ويضيف أن توجهه الجديد في علم اللاهوت الإسلامي لا ينفصل عن السياق الاجتماعي. إنه الصوت المعاصر في العالم الإسلامي البلجيكي.
أما باتريك لوبويك، فقد نشأ في اسرة كاثوليكية محافظة. درس العلوم الدينية في مدينة لوفن ببلجيكا. وخلال دراسته بالجامعة، تناول تفسير النصوص الدينية الإنجيلية باستخدام المنهج التاريخي النقدي. وهذا أتاح له معرفة المزيد عن سياق نشأة النصوص وتاريخها ومضمونها الديني. ولكن كان، في الوقت نفسه، أمرا محبطا بالنسبة له. لقد اكتشف آنذاك أن الأمر كله مجرد قصص وعمل بشري. كما أنه تعرَّف أيضا على عالم اللاهوت اللوثري الألماني والمفسر رودولف بولتمان الذي قدم مفهوم "إزالة الأساطير"، وجرَّد العهد الجديد من سماته الأسطورية؛ ولادة العذراء، والقيامة والصعود. حسب قوله، هذه موجودة فقط في التعابير الأسطورية، وليس في الحياة الواقعية. لكن الفيلسوف لوبويك ما زال يعتبر الإنجيل كتاب قصص ملهمة.
فمن خلال حوار ثقافي مثمر، كان هدف لوبويك وبن حدو، في هذا الكتاب، الذي يضم خمسة فصول ومقدمة وخاتمة، لا قول الحقيقة وإنما إثارة اهتمام القارئ، من خلال تجربتهما الشخصية والمهنية. فتناولا التنوير الشخصي لكل منهما، وأوجه التنوير والدين ودور التنوير في التطهير وتنوير التعليم، ومستقبل التنوير.

أوجه التنوير

يستشهد بن حدو بجوناثان إسرائيل وتقسيمه الكلاسيكي الذي يميز بين التنوير الراديكالي والتنوير المعتدل. فتوماس بين و نيكولا كندورسي ودنيس ديدرو وريشارد برايس ينتمون إلى التنوير الراديكالي. يجادلون من أجل عقلانية وكونية الخطاب، والمساواة بين الجنسين وإلغاء العبودية، ويدعمون حركة تحررية وقفت في وجه القمع ودافعت عن الحقوق الطبيعية لكل إنسان بغض النظر عن أصله أو الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها. إلى جانب ذلك، كان هناك مفكرون وفلاسفة التنوير مثل دافيد هيوم وفولتير وإيمانويل كانط يشككون أحيانا في بعض التغييرات الثورية المبالغ فيها. هيوم، على سبيل المثال، اعتبر السود أقل شأنا من البيض، ومونتسكيو دافع عن مصالح النبلاء كوسيط بين الملك والشعب. ولا ننسى أيضا إدموند بوركا (1729-1797) ورأيه المعادي للثورة الفرنسية في كتابه "تأملات في الثورة الفرنسية" والذي مازال من أعظم أعمال الأدب السياسي في الفكر المحافظ، وأيضا المفكر الألماني يوهان غوتفريج هيردر (1744-1803) الذي يعتبر مؤسس القومية الإثنية الأوروبية الحديثة.

يقول لوبويك، على الرغم من أننا نتحدث دائما عن التنوير، إلا أن التفسيرات كانت بالفعل منقسمة بشدة. ومن المنطقي أن يكون هناك مرة أخرى نقاش حول التنوير، وذلك لأن قيمه يتم تحديدها، الآن، في سياق آخر. وبحسب المؤرخ ديفيد ووتن David Wootten ، "فالتنوير مصطلح إشكالي، وله أوجه متعددة". ويضيف أن هناك ملاحظة مثيرة للاهتمام وهي أن الأحزاب القومية والمحافظة تعتقد أنها هي الوحيدة التي لا تزال قادرة على حماية قيم التنوير. ومثال على ذلك، "هيرشي علي" التي هُدِّدت بالقتل لانتقادها الإسلام، غادرت هولندا متجهة إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث بدأت العمل في مركز أبحاث محافظ، عام 2006. وحاليا، اختارت السياسية الليبرالية البلجيكية "أسيتا كانكو" (من بوركينا فاسو) والمعروفة بشجبها ختان الفتيات وكذلك الناشطة الحقوقية الإيرانية الأصول "داريا سافاي" حزب التحالف الفلمنكي الجديد، وهو حزب قومي ليبرالي محافظ.
يبدو أن التيار المحافظ وكراهيته للأجانب ذهب إلى أبعد مما ينبغي، مما أدى إلى ما يسميه السياسي الهولندي تييري بودي، زعيم حزب المنتدى الديمقراطي اليميني المتطرف "أويْكوفوبيا" Oikophobia على غرار الفيلسوف البريطاني روجر سكروتون؛ وهو الخوف من الذات. بحسبه، ثلاث ظواهر تدمِّر الأيكوس -البيت Oikos: الهجرة، والتعددية الثقافية، و"الحداثة" في الفنون.
إن كلا المؤلفين، بن حدو ولوبويك، على دراية بالاتهامات التي توجه لهما غالبا من خصومهما. لا يضطر بن حدو فقط للتعامل مع المسلمين المحافظين، الذين ينتقدهم من وقت لآخر وبشدة، والذين يتهمونه بالإنحناء للغرب الشرير، ولكنه يواجه أيضا عدم ثقة بعض الغربيين الذين يعتقدون أنه على الرغم من دعوته إلى الإسلام العقلاني، فإن حجته غالبا ما تكون تبريرا دفاعيا، ذي نكهة دينية. أما لوبويك فيصفون حججه بأنها "تفكير بالتَّمني".

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=796510

-----

____________________________

تعليقات