منقول -
رينا ديان كابالار بي بي سي 27 يوليو/ تموز 2020
يشكل مشهد القوارب التقليدية في الفلبين، التي كانت تُستخدم في البداية كسفن حربية ويُعرف الواحد منها باسم "بانغكا" أحد الملامح التقليدية للحياة في هذا البلد
لا أزال حتى الآن أتذكر الدقائق التي انتظرت فيها تحت الأمطار الغزيرة دوري، لكي استقل قاربا تقليديا ذا بدن ثلاثي الهيكل، يُعرف في الفلبين باسم "بانغكا"، ليُقلني إلى مدخل نهر "بورتو برنسيسا" الجوفي، الذي يجري تحت مغارة هائلة الحجم، في جزيرة ومقاطعة بالاوان، غربي هذا البلد الآسيوي.
على أي حال، يعد هذا الشكل من القوارب شائعا في الفلبين، فقد كان تصميمه هو الغالب، على الأسطول الحربي للبلاد في البداية، قبل أن يُعمم بعد ذلك، على القوارب الشراعية التقليدية فيها، وقوارب الصيد أيضا.
وبوصفهم مواطني دولة مؤلفة من أكثر من سبعة آلاف جزيرة؛ يعتمد الفلبينيون على وسائل النقل النهري والبحري، مثل القوارب والعبارات وسفن الشحن، للتنقل بين ربوع وطنهم. ويشكل أسطول الفلبين من هذه السفن، أحد المصادر الأكثر تسببا في الغازات الدفيئة المنبعثة في أجوائها. وفي عام 2012، احتلت وسائل النقل بوجه عام، المركز الثاني على قائمة أكثر المصادر التي تُسبب تلك الانبعاثات الغازية في الفلبين، بعد قطاعيْ التدفئة والكهرباء.
وتشير البيانات إلى أن 9 في المئة من الانبعاثات الصادرة عن وسائل النقل على مستوى العالم في عام 2010، نجمت عن عمليات الشحن البحري. ورغم أن هذه النسبة قد تبدو ضئيلة للغاية، إذا قورنت بإسهام النقل البري في هذا المضمار، والذي يبلغ نحو 72 في المئة، فإنها تضع وسائل النقل البحري، على قدم المساواة تقريبا مع الطيران، الذي يُسبب 10.6 في المئة من الانبعاثات الناجمة عن حركة التنقل والسفر.
وفي ضوء التوقعات التي تفيد بأن حجم التجارة البحرية في العالم، سينمو بمعدل 3.8 في المئة سنويا من الآن وحتى عام 2023، من المرجح أن تزيد بالتبعية الانبعاثات الغازية التي ستصدر عن وسائل النقل المُستخدمة في هذا الصدد، ما لم يتم اتخاذ إجراءات من شأنها، جعل تلك الزيادة المتوقعة في حركة النقل البحري والنهري، لا تؤدي بالضرورة إلى تفاقم انبعاثات الغازات المُسببة لظاهرة الاحتباس الحراري.
وفي الوقت الراهن، يعكف مهندسون وباحثون في الفلبين على وضع تصميم جديد لقوارب الـ "بانغكا"، أملا في ابتكار بديل لنسخته التقليدية؛ لا ينجم عن استخدامه قدر كبير من الانبعاثات الكربونية. ويعتمد التصميم على الاستفادة من طاقة الأمواج، وذلك عبر المزج بين استخدام عدد من محركات الاحتراق الداخلي لإعطاء القارب الدفعة الأوليّة اللازمة لبدء تشغيله، قبل التحول للانتفاع من قوة الموج، خلال الإبحار في المياه المفتوحة.
طاقة البحار والمحيطات
ويُعزى الفضل في هذا التصميم الجديد، إلى مهندس بحري وصاحب شركة لبناء السفن يُدعى جوناثان سلفادور، وقد استلهمه من الشكل التقليدي لقوارب الـ "بانغكا"، وبالتحديد من الدور الذي تلعبه أجزاء فيها تُسمى أذرع الامتداد. ويُعتمد على هذه المكونات عادة، في ضمان استقرار القارب والحيلولة دون انحرافه، إلى هذا الجانب أو ذاك.
ويقول سلفادور في هذا الصدد: "لاحظت أن تلك الأجزاء تتحرك كلما ارتطمت الأمواج بها، وهو ما حدا بي للتساؤل، عما إذا كان بوسعنا تحويل الطاقة الحركية الناجمة عن ذلك إلى طاقة كهربائية"، والاستفادة بهذا الأمر في تسيير القارب نفسه.
وتبدو الآليات التي تحكم تلك الطاقة الكامنة في الأمواج، مألوفة لكل من سبح في مياه البحر أو المحيط. ففي بعض الأحيان، تكون الأمواج قوية بما يكفي، لدفعك إلى الخلف ما يجبرك للعودة إلى الشاطئ. وأحيانا تصبح عالية، بقدر من شأنه دفعك إلى الأمام.
يقول برايوني دوبونت، أستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة أوريغون ستَيت في الولايات المتحدة: "يكمن في الأمواج الكثير من الطاقة والزخم، وهو ما يمكنك الشعور به عندما تكون في قلب المياه".
ويضيف دوبونت بالقول إننا نتمكن في بعض الأوقات من الاستفادة من هذا الزخم دون أدوات مساعدة، ما يعني القدرة على توليد الكهرباء بفضل حركة الموج ليس إلا. لكننا في أحيان أخرى، نحتاج "لامتصاص الزخم والطاقة الكامنيْن في الأمواج، ودفعها عبر جهاز خاص، ما يؤدي لتوليد التيار الكهربائي".
ويتضمن التصميم الحديث لـ "بانغكا" جهازا لتحويل طاقة الأمواج من هذا القبيل، وذلك في صورة مضخة هيدروليكية مُدمجة في أذرع الامتداد الموجودة في القارب. ويعتمد عمل هذه المضخة، على الاستفادة من القوة الكامنة في الأمواج التي يبحر عبرها القارب، وتحويلها من طاقة حركية إلى كهربائية، يُغذى بها مولدٌ يوفر بعد ذلك الكهرباء اللازمة لتشغيل السفينة، عبر توفيره قوة الدفع الضرورية لها، من خلال محرك. ويعني ذلك أن زيادة قوة الأمواج التي يبحر في غمارها القارب وعنفها، ستؤدي لحصوله على قدر أكبر من الطاقة.
--------
رينا ديان كابالار بي بي سي 27 يوليو/ تموز 2020
يشكل مشهد القوارب التقليدية في الفلبين، التي كانت تُستخدم في البداية كسفن حربية ويُعرف الواحد منها باسم "بانغكا" أحد الملامح التقليدية للحياة في هذا البلد
لا أزال حتى الآن أتذكر الدقائق التي انتظرت فيها تحت الأمطار الغزيرة دوري، لكي استقل قاربا تقليديا ذا بدن ثلاثي الهيكل، يُعرف في الفلبين باسم "بانغكا"، ليُقلني إلى مدخل نهر "بورتو برنسيسا" الجوفي، الذي يجري تحت مغارة هائلة الحجم، في جزيرة ومقاطعة بالاوان، غربي هذا البلد الآسيوي.
على أي حال، يعد هذا الشكل من القوارب شائعا في الفلبين، فقد كان تصميمه هو الغالب، على الأسطول الحربي للبلاد في البداية، قبل أن يُعمم بعد ذلك، على القوارب الشراعية التقليدية فيها، وقوارب الصيد أيضا.
وبوصفهم مواطني دولة مؤلفة من أكثر من سبعة آلاف جزيرة؛ يعتمد الفلبينيون على وسائل النقل النهري والبحري، مثل القوارب والعبارات وسفن الشحن، للتنقل بين ربوع وطنهم. ويشكل أسطول الفلبين من هذه السفن، أحد المصادر الأكثر تسببا في الغازات الدفيئة المنبعثة في أجوائها. وفي عام 2012، احتلت وسائل النقل بوجه عام، المركز الثاني على قائمة أكثر المصادر التي تُسبب تلك الانبعاثات الغازية في الفلبين، بعد قطاعيْ التدفئة والكهرباء.
وتشير البيانات إلى أن 9 في المئة من الانبعاثات الصادرة عن وسائل النقل على مستوى العالم في عام 2010، نجمت عن عمليات الشحن البحري. ورغم أن هذه النسبة قد تبدو ضئيلة للغاية، إذا قورنت بإسهام النقل البري في هذا المضمار، والذي يبلغ نحو 72 في المئة، فإنها تضع وسائل النقل البحري، على قدم المساواة تقريبا مع الطيران، الذي يُسبب 10.6 في المئة من الانبعاثات الناجمة عن حركة التنقل والسفر.
وفي ضوء التوقعات التي تفيد بأن حجم التجارة البحرية في العالم، سينمو بمعدل 3.8 في المئة سنويا من الآن وحتى عام 2023، من المرجح أن تزيد بالتبعية الانبعاثات الغازية التي ستصدر عن وسائل النقل المُستخدمة في هذا الصدد، ما لم يتم اتخاذ إجراءات من شأنها، جعل تلك الزيادة المتوقعة في حركة النقل البحري والنهري، لا تؤدي بالضرورة إلى تفاقم انبعاثات الغازات المُسببة لظاهرة الاحتباس الحراري.
وفي الوقت الراهن، يعكف مهندسون وباحثون في الفلبين على وضع تصميم جديد لقوارب الـ "بانغكا"، أملا في ابتكار بديل لنسخته التقليدية؛ لا ينجم عن استخدامه قدر كبير من الانبعاثات الكربونية. ويعتمد التصميم على الاستفادة من طاقة الأمواج، وذلك عبر المزج بين استخدام عدد من محركات الاحتراق الداخلي لإعطاء القارب الدفعة الأوليّة اللازمة لبدء تشغيله، قبل التحول للانتفاع من قوة الموج، خلال الإبحار في المياه المفتوحة.
طاقة البحار والمحيطات
ويُعزى الفضل في هذا التصميم الجديد، إلى مهندس بحري وصاحب شركة لبناء السفن يُدعى جوناثان سلفادور، وقد استلهمه من الشكل التقليدي لقوارب الـ "بانغكا"، وبالتحديد من الدور الذي تلعبه أجزاء فيها تُسمى أذرع الامتداد. ويُعتمد على هذه المكونات عادة، في ضمان استقرار القارب والحيلولة دون انحرافه، إلى هذا الجانب أو ذاك.
ويقول سلفادور في هذا الصدد: "لاحظت أن تلك الأجزاء تتحرك كلما ارتطمت الأمواج بها، وهو ما حدا بي للتساؤل، عما إذا كان بوسعنا تحويل الطاقة الحركية الناجمة عن ذلك إلى طاقة كهربائية"، والاستفادة بهذا الأمر في تسيير القارب نفسه.
وتبدو الآليات التي تحكم تلك الطاقة الكامنة في الأمواج، مألوفة لكل من سبح في مياه البحر أو المحيط. ففي بعض الأحيان، تكون الأمواج قوية بما يكفي، لدفعك إلى الخلف ما يجبرك للعودة إلى الشاطئ. وأحيانا تصبح عالية، بقدر من شأنه دفعك إلى الأمام.
يقول برايوني دوبونت، أستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة أوريغون ستَيت في الولايات المتحدة: "يكمن في الأمواج الكثير من الطاقة والزخم، وهو ما يمكنك الشعور به عندما تكون في قلب المياه".
ويضيف دوبونت بالقول إننا نتمكن في بعض الأوقات من الاستفادة من هذا الزخم دون أدوات مساعدة، ما يعني القدرة على توليد الكهرباء بفضل حركة الموج ليس إلا. لكننا في أحيان أخرى، نحتاج "لامتصاص الزخم والطاقة الكامنيْن في الأمواج، ودفعها عبر جهاز خاص، ما يؤدي لتوليد التيار الكهربائي".
ويتضمن التصميم الحديث لـ "بانغكا" جهازا لتحويل طاقة الأمواج من هذا القبيل، وذلك في صورة مضخة هيدروليكية مُدمجة في أذرع الامتداد الموجودة في القارب. ويعتمد عمل هذه المضخة، على الاستفادة من القوة الكامنة في الأمواج التي يبحر عبرها القارب، وتحويلها من طاقة حركية إلى كهربائية، يُغذى بها مولدٌ يوفر بعد ذلك الكهرباء اللازمة لتشغيل السفينة، عبر توفيره قوة الدفع الضرورية لها، من خلال محرك. ويعني ذلك أن زيادة قوة الأمواج التي يبحر في غمارها القارب وعنفها، ستؤدي لحصوله على قدر أكبر من الطاقة.
--------

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق