07 أبريل 2018

مقالات عام 2007 - 21


رأفت الهجان و النجمة الراحلة سعاد .. 

بقلم :  صلاح الدين محسن
11-2-2007

بعد مرور ما يقرب من عشرين سنة علي عرض فيلم  مسلسل بالتليفزيون المصري لغرض تمجيد بطولة ال : جاسوس .... لا يزال التمجيد والاشادة والتعبير عن الافتتان ببطولة الجاسوس علي أشدها باعلام مصر التي يحكمها جهاز المباحث من حوالي 55 سنة منذ استيلاء  ضاط عبد الناصر علي السلطة في عام 1952 وحتي الآن ..
 وآخر ما  أذيع عن الجاسوس رأفت الهجان ، لقاء بالبرنامج التليفزيوني الذي يقدمه الصحفي المعروف وائل الابراشي علي عدة حلقات مع أرملة رأفت الهجان الألمانية التي جاءت من ألمانيا للدفاع عنه ضد ما يقال عنه مؤخرا من اتهامات بالعمالة المزدوجة.. وهذه السيدة هي الشيء الوحيد الي أعجبني في البرنامج فهي امرأة تشعر في حديثها بالصدق والدقة والأمانة في كل  كلمة تقولها . كما لفت نظري أن الأستاذ وائل الابراشي لم يكن معه هذه المرة زميله الأستاذ جمال أسعد . . الذي طالما أراه معه  بحلقات سابقة ولا أعرف لماذا يفرضه كثيرا علي ضيوف برنامجه ليتشاجر معهم دائما  ؟   
وقد عرفنا نحن المصريين من عرض قصة تجسس رفعت الجمال " رأفت الهجان " من داخل اسرائيل ،    بالتليفزيون ، أنه أمد مصر بمعلومات هامة للغاية عن اسرائيل قبل 5 يونيه 1967 وعرض حياته للخطر لأجل الحصول علي تلك المعلومات وتقديمها لوطنه مصر ، ودخلت مصر عبد الناصر الحرب وهي التي بدأتها،  وكانت هزيمة مخجلة و25 ألف قتيل وجريح وأسير ومفقود واحتلال كل سيناء ولكن :
المعلومات التي أمدنا بها " رأفت الهجان " كانت معنا والحمد لله .. وقد حافظنا عليها .. ..   ...
واستمر رأفت الهجان بعد النكسة واحتلال سيناء بالكامل يعمل من داخل اسرائيل ويمد قيادته بالمخابرات المصرية بالمعلومات التي أفادت في العبور في 1973 .. وعندما عبرت القوات المصرية شرق القناة وغافلتها القوات الاسرائيلية وعبرت غرب القناة بأعداد ومعدات كبيرة للغاية وصارت علي بعد قليل من العاصمة القاهرة ! .. مما وضع مصر في مأزق وأضاع الكثير من زهوة وفرحة العبور، ولكن :
كانت المعلومات التي أمدنا بها رأفت الهجان لا زالت معنا وبحوزتنا والحمد لله .. ..  ... 
في كتاب " صلاح نصر الأسطورة والحقيقة " عن صلاح نصر  مدير المخابرات الشهير في عهد عبد الناصر  والذي نسبت اليه بعد النكسة  تهمة الانحراف بجهاز المخابرات ، وظل اسمه مصدر رعب للمصريين لسنوات ، لمسئوليته عن التعذيب بجهاز المخابرات  وارتكاب العديد من الفظائع  - كما نشر عنه -  .. قرأت الكتاب منذ سنوات  ، وهو عبارة عن حوار مع صلاح نصر بعد خروجه من السجن  أجراه معه الصحفي المصري عبد الستار الطويلة أو  حسنين كروم –  لا أتذكر أيهما بالضبط -.. ومن ضمن الأسئلة التي وجهت لصلاح نصر ، سؤال عن مدي صحة أنه أجبر بعض الفنانات علي القيام بأعمال جنسية لصالح المخابرات ؟(!)
وكان الرد : ان كافة أجهزة المخابرات بالعالم بلا استثناء – ولاحظوا معي تعبير " بلا استثناء ".. فمعناه أن كل العواصم والمدن سواء كانت مكرمة أو منورة  ، مقدسة أو مكدسة - .. كلها مخابراتها تستخدم  الجنس للحصول علي المعلومات  ! واستطرد قائلا : .. وأن الفنانة الممثلة الكبيرة عرضنا عليها العمل معنا بالمخابرات فوافقت ، ثم أتت بشقيقتها الكبيرة .. –
والعمل طبعا هو استدراج الشخص الذي تحدده لها المخابرات واقامة علاقة جنسية معه لغرض الحصول منه علي معلومات يحتاجها جهاز المخابرات .. لصالح الوطن ..  ..
وقد وصف  مقدم البرنامج الأستاذ  " وائل الابراشي " رأفت الهجان عدة مرات بالبرنامج  بأنه بطل " بطل شعبي ونموذج للوسامة والجاذبية عند النساء "
والتجسس علي الآخرين عمل تبغضه الأخلاق والأديان ، عند كل شعوب الأرض . ولكن الجميع سوف يقولون انها ضرورات تبيح المحظورات ..
 ويمكننا القول أيضا : الضرورات القبيحة لا يمكن أن ترتفع أبدا الي مرتبة البطولة .. فالبطولة هي عمل نبيل جميل خالص لا قبح فيه ..
أما عمل الجاسوس كما يعرفه الجميع وكما رأيناه جميعا في مسلسل الجاسوس " رافت الهجان " فهو التغلغل بالبارات والحانات و الكازينوات لاصطياد النساء والفتيات وعمل العلاقات الاجتماعية من خلال ذلك للتسلل الي الشخصيات التي يريد الجاسوس اختلاس المعلومة منها أو سرقتها سرقة ..
وهذا بالضبط ما كانت تقوم به النجمة السيمائية الكبيرة الراحلة سعاد ..  ، لأجل الوطن ، لأجل مصر ، مثلها مثل رأفت الهجان ، ومن الممكن أن يكونوا قد كلفوها  بالسفر لدول أخري للقيام بتلك المهام الجاسوسية باستخدام الجنس ، وقامت بآدائها بنجاح  بعد أن عرضت حياتها للخطر .. فلماذا لا تعد بطلة أسوة بزميلها الجاسوس رأفت الهجان ..؟؟!  ولماذا لا يقدموا مسلسلا تليفزيونيا يصور بطولاتها الوطنية تلك ، كجاسوسة ؟!
هل لأنهم لو فعلوا وصوروا كم الرجال الذين اصطادتهم والليالي الحمراء التي قضتها معهم في غرف نومهم ،  كالليالي الحمراء التي قضاها رأفت الهجان بغرف نوم من اصطادهن من الفتيات والنساء ...
لو عملوا مسلسلا عن بطولتها تلك فان الناس سوف يحكمون بالاجماع علي جهاز المخابرات بأنه مجرد جهاز للقوادة  .. ، وسوف يحكمون علي تلك النجمة الكبيرة  - شقيقة الفنانة الكبيرة  - بأنها مجرد امرأة قحبة ؟!!
فتري ان كان هذا سيكون الحكم عليها : فلماذا تكون وحدها هي القحبة ؟ بينما ما قامت به هو بعينه ما قام به رأفت الهجان ( البطل الشعبي ..).. ؟!!
ان كان ما قام به رأفت الهجان هو بطولة .. فهذه النجمة السينمائية الراحلة الكبيرة هي أيضا : بطلة ..
وان كان ما قامت به هذه النجمة السيمائية لصالح جهاز المخابرات كما رأفت الهجان ، يضفي عليها صفة أنثوية اسمها : قحبة
فان رأفت الهجان كذلك لا يستحق سوي الصفة التي هي مذكر كلمة " قحبة "  أي : " قحب " ، وأترك لكم اختيار صفة واحدة من الصفتين لعمل واحد قام به كل منهما : اما أن تختاروا صفة البطل لكليهما ، أو الصفة الأخري لكل منهما..
ان سميرة موسي عالمة الذرة المصرية الشهيدة ، والشهيد  " سعيد سيد بدير" عالم الذرة المصري الشاب  ، والمناضلين الذين أنفقوا أموالهم وحياتهم لأجل الوطن مثل " محمد فريد " ، عبد الله النديم خطيب وأديب الثورة العرابية الذي عاني وتشرد لأجل استقلال مصر، وبيرم التونسي الذي جعل من شعره مدافع يطلقها علي الاستعمار والقصر وكل ظالم أو  مستغل لمصر وشعبها و تغني  بمصر ونيلها وشعبها ، بالشعر الصادق العذب ، بما لم يقل مثله شاعر مصري آخر . . ودفع ثمن ذلك حياة في المنفي بكذا دولة وتشرد هربا من الملاحقة التي تعرض لها لسنوات  ..

  ونوابغ مصر في العلم الذين هم نجوم عالميون – أحمد زويل ، مجدي يعقوب ، فاروق الباز ،  وغيرهم ممن يجب القاء الأضواء علي حياة كل منهم  لنقدم قدوة خلاقة ونظيفة للنشء الصاعد – لم يأخذ واحد من هؤلاء  ولا  حتي واحد علي عشرين من الأضواء  التي حصل عليه : الجاسوس البطل .. " رافت العجان  ...
عندما وقعت النكسة في عام 1967 قال عبد الناصر " لقد سقطت دولة المخابرات " أي الدولة التي يديرها جهاز مخابرات .. ولكن الحقيقة هي : انه مادامت صفة البطولة تغدق علي الجواسيس ( وهم معذورون فبعد خراب ونهب وسرقة مصر وديونها الخارجية والداخلية بعد حكم 55سنة مباحث وعسكر ليس لديهم ما يفتخرون به سوي بطولات مزعومة في الجاسوسية !! )  .. فهذا دليل علي أن دولة المخابرات لا زالت قائمة في مصر، ولم تسقط بعد ولا يعنيها سوي رجالها الجواسيس ، تفتح لهم أوسع بوابات البطولة ، وهكذا يجعلوا أغلب شباب مصر لا يحلمون بأن يكونوا أبطالا كالأبطال الحقيقيين وانما مثل : رأفت العجان ..(!) البطل الجاسوس (!) .
===== سبق النشر بموقع الحوار المتمدن ==========
  ..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق