
3 مقالات نشرتها بجريدة الشرق الأوسط - اللندنية . أيام 3 , 4 , 5 مارس - آذار - 2018
للكاتب اللبناني سمير عطا الله
نقتطف منها :
في الجزء 1 " طوكيو تحترق " :
" بيل أورايلي " .. في كتابه الأخير «قَتل الشمس الساطعة» يروي كيف حسمت أميركا الحرب مع اليابان. وعندما يقال لك، يخيل إلينا جميعاً أننا نتحدث عن القنبلتين الذريتين اللتين ضربتا هيروشيما وناغازاكي. لكن «قتل الشمس الساطعة» يروي لحظة فلحظة أقسى عملية قصف في التاريخ: طوكيو 10 مارس (آذار)، 1945.
من خلال قراءاتي الماضية حول الحرب العالمية الثانية، كنت أعتقد - وأكتب - أن مدينة درسدن الألمانية هي التي تعرضت لأشد قصف عرفته مدينة. لكن قراءة تفاصيل قصف طوكيو، تظهر أن درسدن، وحتى هيروشيما، لا شيء أمامها. سوف أسمح لنفسي بالنقل شبه الحرفي:
«بدأت عاصفة مدمرة ضرب طوكيو قادمة من الشمال الغربي. كانت موجة من قاذفات بي 29 تحلّق على علو منخفض فوق المدينة. أسقطت عدداً محدوداً من القذائف التقليدية، ثم اتجهت في رحلة طويلة نحو شبه جزيرة بوساو. مضت ثلاث ساعات على أول غارة كبرى على المدينة المغطاة الآن بدخان أسود. ولأن طوكيو، وبعد أربعة أشهر على بدء الغارات الجوية الأميركية، كانت تبدو سليمة إلى حد كبير، لم يشعر غير القليل من المواطنين في هذه الليلة الصافية الباردة بضرورة مغادرة منازلهم الخشبية إلى الملاجئ. وحين ابتعدت الطائرات بعض الشيء، كان في وسع سكان طوكيو القلقين أن يشعروا بالأمان من جديد، وأن يخلدوا إلى النوم.
ولكن بعد سبع دقائق، لا أكثر، تمزق الأمان، وإذا بالطيور المرعبة تحلق من جديد وعلى نحو وحشي في سماء المدينة. أسرع سكان طوكيو صوب الملاجئ الإسمنتية، متيقنين أن موجة ثانية من القصف المدمّر على وشك أن تبدأ. ولأن الملاجئ لا تتسع لأكثر من خمسة آلاف شخص، اندفع مئات آلاف الأشخاص في الشوارع - أباء، وزوجات، وأطفال، وعجائز، ونساء حوامل. كثيرون كانوا يحملون على ظهورهم أكياساً وضعوا فيها حاجاتهم الأساسية. وبسبب خوفهم ألاّ يبلغوا الملاجئ في الوقت المناسب، أشار الآباء على عائلاتهم أن يتخذوا أي مكان آمن ملجأ لهم. فرموا أنفسهم في الأنفاق والأقنية وحفروا في الأرض بسرعة حفراً دسّوا أجسادهم فيها. كان البعض يتطلع إلى فوق يتابع خطوط الضوء وهي تنير السماء أمام المدافع الأرضية المضادة للطائرات».
من خلال قراءاتي الماضية حول الحرب العالمية الثانية، كنت أعتقد - وأكتب - أن مدينة درسدن الألمانية هي التي تعرضت لأشد قصف عرفته مدينة. لكن قراءة تفاصيل قصف طوكيو، تظهر أن درسدن، وحتى هيروشيما، لا شيء أمامها. سوف أسمح لنفسي بالنقل شبه الحرفي:
«بدأت عاصفة مدمرة ضرب طوكيو قادمة من الشمال الغربي. كانت موجة من قاذفات بي 29 تحلّق على علو منخفض فوق المدينة. أسقطت عدداً محدوداً من القذائف التقليدية، ثم اتجهت في رحلة طويلة نحو شبه جزيرة بوساو. مضت ثلاث ساعات على أول غارة كبرى على المدينة المغطاة الآن بدخان أسود. ولأن طوكيو، وبعد أربعة أشهر على بدء الغارات الجوية الأميركية، كانت تبدو سليمة إلى حد كبير، لم يشعر غير القليل من المواطنين في هذه الليلة الصافية الباردة بضرورة مغادرة منازلهم الخشبية إلى الملاجئ. وحين ابتعدت الطائرات بعض الشيء، كان في وسع سكان طوكيو القلقين أن يشعروا بالأمان من جديد، وأن يخلدوا إلى النوم.
ولكن بعد سبع دقائق، لا أكثر، تمزق الأمان، وإذا بالطيور المرعبة تحلق من جديد وعلى نحو وحشي في سماء المدينة. أسرع سكان طوكيو صوب الملاجئ الإسمنتية، متيقنين أن موجة ثانية من القصف المدمّر على وشك أن تبدأ. ولأن الملاجئ لا تتسع لأكثر من خمسة آلاف شخص، اندفع مئات آلاف الأشخاص في الشوارع - أباء، وزوجات، وأطفال، وعجائز، ونساء حوامل. كثيرون كانوا يحملون على ظهورهم أكياساً وضعوا فيها حاجاتهم الأساسية. وبسبب خوفهم ألاّ يبلغوا الملاجئ في الوقت المناسب، أشار الآباء على عائلاتهم أن يتخذوا أي مكان آمن ملجأ لهم. فرموا أنفسهم في الأنفاق والأقنية وحفروا في الأرض بسرعة حفراً دسّوا أجسادهم فيها. كان البعض يتطلع إلى فوق يتابع خطوط الضوء وهي تنير السماء أمام المدافع الأرضية المضادة للطائرات».
-----
الحلقة 2 طوكيو تحترق: الرائحة في الجو :
هذه الحلقة الثانية من وصف إحراق طوكيو:
كان البدر هلالاً تلك الليلة، فيما قاذفات «بي - 29» تقترب من حي «جوتو» ذي الكثافة السكانية العالية؛ أكثر من أربعين ألف ساكن في الميل المربع الواحد. بدا للمراقب هناك أن الطائرات تحلق الآن على علو يقل آلاف الأقدام عما كانوا قد تعودوه. فالطائرات الأميركية كانت تهاجم عادة من ارتفاع يزيد على خمسة آلاف ميل. أما قاذفات «بي - 29»، فهي الآن على ارتفاع لا يزيد على ميل واحد فوق المدينة.داخل الطائرات الأميركية، كانت تنتشر موجة من الأدرينالين تمسح بقايا الملل الذي يصاحب الرحلات الليلية الطويلة إلى طوكيو. كان الوصول إلى طوكيو يحتاج من الأميركيين إلى سبع ساعات طيران، (( أضافة : الآن حاملات الطائرت الأمريكية موجودة بالعديد من البحار والمحيطات , والطائرات صارت أسرع بكثير بالطبع , عما كانت عليه عام 1945 - بعد 73 عاماً . نحن الآن عام 2018 )) بعد إقلاعهم من سايبان أو تينيان أو غوام. وفي تلك الليلة، كانت ثلاثمائة وثلاث وأربعون طائرة تابعة لجناح القاذفات الحادي والعشرين تحلق فوق المحيط لألف وخمسمائة ميل لتسقط حمولتها فوق طوكيو. وكيما تتسع الطائرة لطن إضافي من القنابل، جرى تجريد كل طائرة من رشاشاتها وذخيرتها، ما يترك ذلك البرج الضخم الطائر لقمة سائغة للأسلحة اليابانية المضادة للطائرات. وكانت صدمة الطيارين والملاحين كبيرة حين اكتشفوا ذلك متأخرين في أمر العمليات. لقد كانت مقامرة محسوبة من القائد الأميركي الجنرال كيرتس لوماي، الملاح ذي الثمانية وثلاثين عاماً في الميدان، «المتوحش» أو «الدموي» بنظر البعض، ولكن المعروف على نطاق واسع بذكائه التكتيكي. ومع استمرار المواجهة الدموية حول «أيو جيما»، اعتقد لوماي أن كسر إرادة الشعب الياباني هو الآن أكثر أهمية من قصف أي أهداف عسكرية.
في الواحدة فجراً، كان الطيارون يفتحون أبواب خزانات القنابل على مصاريعها. وبعد 14 دقيقة، كانت طوكيو تشتعل؛ إنه الجحيم. فقد أسقطت قاذفات «بي - 29» من بطنها نوعاً خاصاً من القنابل الحارقة.
هذا القصف بالقنابل الحارقة لطوكيو، المعروف بعملية «ميتينغ هاوس»، هو الأكثر رعباً في التاريخ، ويفوق تدميراً وقتلاً هجمات درسدن، التي كانت قد حدثت قبل وقت قصير - أو أي قصف آخر في الحرب العالمية الثانية. لقد رسم التدمير الجوي الجماعي الذي حدث في الحرب العالمية الثانية شكل التدمير الذي ستتخذه الحروب في المستقبل. أما القنبلة النووية، فكانت على وشك أن تصبح تحت الاختبار. وجهاز «إم - 69» الذي استخدم مع سكان طوكيو هو عبارة عن أنبوب من الفولاذ بسماكة 21 إنش، مغلف بمادة من الغازولين تعرف بالنابالم.
----
الحلقة 3 طوكيو تحترق- النابالم :
يجري صف أجهزة «م - 69» في عناقيد عددها ثمانية وثلاثون، ثم تحمل داخل أغلفة ذات زعانف، ويجري إسقاطها من الطائرة. تنفتح الأغلفة آلياً على علو 200 قدم من سطح الأرض، ما يسمح بتدفق القنابل فتتساقط على الأرض منفصلة. لا يحدث أي شيء للوهلة الأولى، ولكن بعد ثلاث ثوان، يحدث امتزاج متزامن يطلق شحنة فوسفورية بيضاء ما يخرج النابالم من الأنابيب ذات الثلاث إنشات. بعد ذلك ينتشر ببطء حريق شامل يطال الثياب والشعر والجلد ويخترق العظم مباشرة.
في وسع «م - 69» أن يبدأ حريقاً واسعاً. وفي قدرة طن واحد من «م - 69» أن يحدث دماراً شاملاً. في الصباح الباكر من 10 مارس (آذار) 1945. أسقطت قاذفات «ب - 29» الأميركية ألفي طن من قنابل النابالم على طوكيو.«نجحت مقامرة لوماي. إذ إن قلة فقط من الطيارين اليابانيين كانوا في انتظار غزاة الجو أولئك، ما ترك قاذفات (ب – 29) تحلّق بحرية تامة فتصيب أهدافها بدقة بالغة. كان الكثير من اليابانيين يجهلون أن الأرمادا الضخمة تلك هي من دون المدافع الرشاشة التي قد تُسقط طائراتهم. كذلك لعبت الرياح القوية التي كانت تهب على المنطقة لمصلحة الأميركيين، فأعطت طائراتهم غطاء غير متوقع بتشويشها على إشارة الراديو ووسائل الاتصال اليابانية. فقد أمكن للبحرية اليابانية الإمبراطورية أن ترصد الطائرات المهاجمة قبل ألف ميل من وصولها لأهدافها، إلا أن الرياح العاتية وسوء التواصل بين البحرية وجيش البرّ جعلا تحذيراتها لا تصل إلى القوى اليابانية المرابطة تلك الليلة في سهول كانتو خارج العاصمة».
«ابتلع الحريق ستة عشر ميلاً مربعاً من طوكيو. تحولت منطقة (غايشا) بأكملها إلى رماد: دمّرت المستشفيات والمنازل والمعابد ومحطات القطار ومستودعات الحافلات والأديرة والمسارح ومراكز الإطفاء وأماكن إيواء العمال والمدارس. ومن ردهات القصر الإمبراطوري الذي نجا من إعصار النار، وقد تقصد الأميركيون عدم قصفه، كان الإمبراطور هيرو هيتو يرى في الأفق سحابة حمراء حوّلت ليل المدينة الدامس إلى نهار».
عَلق الكثير من السكان بين جدران اللهيب، فاحترقوا هم أيضا مع ما كان يحترق من حولهم. كان الحطام يتطاير عشوائياً في الهواء فيصيب من المدنيين ويتسبب بقتل آخرين. قنوات المياه في المدينة كانت تغلي، فيما سقطت أجساد قتلى في الأنهار الجليدية. وجثث متفحمة لا تزال تشتعل ببطء بفعل زيوت الأجساد الميتة.
أصابت حرارة الحرائق الشديدة من بقي حياً أيضاً فأحرقت الوجوه وأصابع الأيدي والأقدام. كانت الجلود كما لو فصلت عن الأجساد التي بدت كأنها مجرد تماثيل معلقة.
----
الحلقة 2 :
هذه الحلقة الثانية من وصف إحراق طوكيو:
كان البدر هلالاً تلك الليلة، فيما قاذفات «بي - 29» تقترب من حي «جوتو» ذي الكثافة السكانية العالية؛ أكثر من أربعين ألف ساكن في الميل المربع الواحد. بدا للمراقب هناك أن الطائرات تحلق الآن على علو يقل آلاف الأقدام عما كانوا قد تعودوه. فالطائرات الأميركية كانت تهاجم عادة من ارتفاع يزيد على خمسة آلاف ميل. أما قاذفات «بي - 29»، فهي الآن على ارتفاع لا يزيد على ميل واحد فوق المدينة.
داخل الطائرات الأميركية، كانت تنتشر موجة من الأدرينالين تمسح بقايا الملل الذي يصاحب الرحلات الليلية الطويلة إلى طوكيو. كان الوصول إلى طوكيو يحتاج من الأميركيين إلى سبع ساعات طيران، (( أضافة : الآن حاملات الطائرت الأمريكية موجودة بالعديد من البحار والمحيطات , والطائرات صارت أسرع بكثير بالطبع , عما كانت عليه عام 1945 - بعد 73 عاماً . نحن الآن عام 2018 )) بعد إقلاعهم من سايبان أو تينيان أو غوام. وفي تلك الليلة، كانت ثلاثمائة وثلاث وأربعون طائرة تابعة لجناح القاذفات الحادي والعشرين تحلق فوق المحيط لألف وخمسمائة ميل لتسقط حمولتها فوق طوكيو. وكيما تتسع الطائرة لطن إضافي من القنابل، جرى تجريد كل طائرة من رشاشاتها وذخيرتها، ما يترك ذلك البرج الضخم الطائر لقمة سائغة للأسلحة اليابانية المضادة للطائرات. وكانت صدمة الطيارين والملاحين كبيرة حين اكتشفوا ذلك متأخرين في أمر العمليات. لقد كانت مقامرة محسوبة من القائد الأميركي الجنرال كيرتس لوماي، الملاح ذي الثمانية وثلاثين عاماً في الميدان، «المتوحش» أو «الدموي» بنظر البعض، ولكن المعروف على نطاق واسع بذكائه التكتيكي. ومع استمرار المواجهة الدموية حول «أيو جيما»، اعتقد لوماي أن كسر إرادة الشعب الياباني هو الآن أكثر أهمية من قصف أي أهداف عسكرية.
في الواحدة فجراً، كان الطيارون يفتحون أبواب خزانات القنابل على مصاريعها. وبعد 14 دقيقة، كانت طوكيو تشتعل؛ إنه الجحيم. فقد أسقطت قاذفات «بي - 29» من بطنها نوعاً خاصاً من القنابل الحارقة.
هذا القصف بالقنابل الحارقة لطوكيو، المعروف بعملية «ميتينغ هاوس»، هو الأكثر رعباً في التاريخ، ويفوق تدميراً وقتلاً هجمات درسدن، التي كانت قد حدثت قبل وقت قصير - أو أي قصف آخر في الحرب العالمية الثانية. لقد رسم التدمير الجوي الجماعي الذي حدث في الحرب العالمية الثانية شكل التدمير الذي ستتخذه الحروب في المستقبل. أما القنبلة النووية، فكانت على وشك أن تصبح تحت الاختبار. وجهاز «إم - 69» الذي استخدم مع سكان طوكيو هو عبارة عن أنبوب من الفولاذ بسماكة 21 إنش، مغلف بمادة من الغازولين تعرف بالنابالم.
أما الجديد . فهذا مثال : سلاح نووي روسي قادر علي محو ولاية أمريكية مثل ولاية تكساس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق